الفصل السادس والسبعون: القلب يسكن في الجسد والشياطين يعودون إلى طبيعتهم
سون يخرج من معدة الأسد بالحبل المربوط على القلب. الشياطين الثلاثة يُرافقون سانزانغ بنيَّة مضمرة. المدينة تنكشف والكمين يُشعَل.
في البداية الأسد لم يتكلَّم. كان في الخارج يتدحرج على الأرض والحركة داخله لا تتوقَّف. ثمَّ بنبرةٍ بدأت عالية وانخفضت إلى ما يُشبه التوسُّل قال: "يا كبير الرحمة والإحسان — يا جدَّ سون العظيم."
في الداخل، سون توقَّف. الصوت من الخارج يصل إلى الداخل مكتومًا ومُهتزًّا كأنَّه يمرُّ عبر الجدار الذي ينبغي له أن يمرَّ عبره.
"يا بنيَّ. اختصر الألقاب. قل جدِّي وانته."
"يا جدِّي. أخطأتُ. التهمتُك بغير حقٍّ وها أنتَ تُعاقبني بحقٍّ. أرجو أن ترحم حياةً حقيرة متمسِّكة بوجودها وأن تدعنا نُوصِّل أستاذك إلى الجانب الآخر من الجبل سالمًا." توقَّف ثمَّ أضاف: "ولن نُعرِّضه لأيِّ أذى."
سون فكَّر. ليس تفكيرًا طويلًا — التفكير الطويل فاخرةٌ لمن لا يعرف ما يريد. أجاب: "إذا خرجتُ، كيف تُوصِّله؟"
"بمحفَّة. أنا وإخوتي نحملها على أكتافنا."
"وطعامٌ في الطريق؟"
"طعامٌ نظيف. كلَّ يوم."
"حسنٌ. افتح فمك."
خُدعة الأسناب. الأسد فتح فمه بامتثالٍ واضح، بالطريقة التي يفتح بها من يُريدك أن تثق. سون بدأ يتحرَّك نحو الفم. رأى الأنياب من الداخل — صفَّان من الفولاذ المقوَّس متتاليان، كلُّ نابٍ بطول الساعد، مُصمَّمة للاحتجاز لا للمضغ السريع. قبل أن يصل بخطوتَيٍّن تذكَّر: من يثق بكلام من التهمه؟
نزع عصاه وأخرجها أمامه — بدلًا منه.
العضَّة جاءت. أسنانٌ على فولاذ. صوتٌ كصوت المعدن المتشقِّق. ارتجَّ الفك من ارتداد الضربة.
سون سحب العصا وقال: "عفوًا. أُريدك أن تكون صادقًا."
الحبل أوَّلًا. سون نزع شعرةً واحدة ونفخ فيها: "تحوَّلي." حبلٌ رفيعٌ كالشعرة في بدايته ثمَّ يسمن حين يلمس الهواء. ربطه بعقدةٍ حيَّة حول القلب — العقدة الحيَّة: لا تشدُّ ما لم يُشدَّ، وإذا شُدَّت فالألم لا يُحتمَل. أخذ الطرف الآخر بيده.
ثمَّ تقلَّص جسده. صغُر. صغُر حتَّى صار بحجم الذرَّة. زحف نحو الأعلى — الحلق، ثمَّ تجويف الأنف. الأنف من الداخل مكانٌ غريب — رطوبةٌ وظلامٌ وريحٌ دافئة تتحرَّك بإيقاعٍ منتظم. وقف هناك.
الأسد شعر بحكَّة — حكَّة تبدأ صغيرةً ثمَّ تنتشر. أنف ضخمٌ له دفاعاته الخاصَّة. عطسةٌ واحدةٌ كبيرة كزلزالٍ أخرجت سون إلى الخارج كالسهم.
سون في الهواء. التقط أنفاسه. نظر إلى الحبل في يده. ثمَّ نظر إلى الأسد الذي يقف أمامه يبلع ريقه محاولًا أن يبدو هادئًا.
طار سون إلى الأعلى. نظر إلى الأسفل. ثمَّ شدَّ الحبل.
الأسد رُفع من الأرض — لم يُرفَع كاملًا، رُفع بما يكفي لأن يشعر أنَّ شيئًا ما يُخرج قلبه من مكانه. هبط يضرب الأرض بيديه ورجليه. الشياطين الصغيرة من بعيد: "الكبير، لا تُزعجه. دعه يذهب."
الثاني والثالث وثبا من السحاب نحو سون وركعا في الهواء — ركوعٌ في السحاب بلا أرضٍ تحتهما يبدو ذريعةً أكثر من خضوع، لكنَّه جاء بالنبرة الصحيحة. "يا كبير السماء. أخونا يكفي ما لقيه. خذ من نعلمك بسلوك أستاذك وانتهِ."
سون أنزل الحبل قليلًا. "تُرافقونه عبر الجبل؟"
"بالمحفَّة."
"من دون مكرٍ ثانٍ؟"
الثاني نظر إلى الثالث. الثالث لم يُغيِّر تعبيره. "من دون مكرٍ."
سون هزَّ الحبل مرَّةً أخرى للتأكُّد. الأسد صاح من الأرض بالصوت الذي يصدر عن من يتألَّم فعلًا لا عن من يتظاهر. ثمَّ سون أطلق الحبل وسحبه إليه — الحبل عاد شعرةً واحدة في يده. هكذا تعمل الطبيعة أحيانًا: ما يبدو خيطًا يمسك قلبًا.
على المنحدر — سانزانغ على الأرض يبكي. وباجي يفتح الأكياس ويُقسِّم محتوياتها إلى ثلاثة أكوام متساوية بالتقريب.
شا واقفٌ بجانبه. "أنت تقسم الأشياء."
"نعم."
"لماذا؟"
"لأنَّ الأخ الأكبر مات والمشروع انتهى ولا فائدة من حمل الكلِّ وحدي." باجي قالها بالمنطق الذي يبدو سليمًا حين يكون المرء في حالةٍ لا يُفكِّر فيها جيِّدًا.
"لم يمت."
"ابتلعه أسدٌ."
"سون وكونغ ابتلعه أسد. اسمع نفسك." شا نظر إليه بالصبر الذي يأتي من رجلٍ اعتاد على باجي منذ وقتٍ طويل.
باجي توقَّف عن التقسيم للحظة ثمَّ استأنف.
سون هبط. "أستاذ." سانزانغ رفع رأسه — رأسٌ مرهَقٌ بالبكاء. نهض ببطء المرهَق الذي يسمع خبرًا جيِّدًا ويحتاج وقتًا ليُصدِّقه. أمسك سون من ذراعه وقرأ في يديه النبض الذي يقرأه الطبيب. نبضٌ صحيحٌ لمن يخاف لكنَّه أصيل. سون قال: "بخير أستاذ." ثمَّ التفت. "باجي. اجمع الأشياء." باجي احمرَّت وجنتاه بالحُمرة التي تأتي حين يُمسَك المرء في موقفٍ لا يريد أن يُشرَح. أعاد الأكوام الثلاثة كيسًا واحدًا بصمتٍ لافت.
الشياطين الثلاثة وفوا بكلمتهم الأولى — جاءوا بمحفَّة. خشبٌ عطريٌّ منحوتٌ بحرفة. وسائد. ستائر خفيفة. الأسد ومعه أخوه الثاني على العمود الأمامي، الأسد يمشي بحذرٍ مُبالَغٍ فيه كأنَّه يحمل شيئًا ثمينًا. الثالث صامتٌ يمشي بجانب المحفَّة بخطوةٍ لا تتغيَّر. سون رآهم من بعيد ولاحظ أنَّ الثالث يمشي بالطريقة التي يمشي بها من يحسب — لا من يتبع خطَّةً جاهزة بل من يُعدِّل خطَّته باستمرار تبعًا لما يراه. لكنَّ الحساب ليس دليلًا. الجميع يحسب.
سانزانغ صعد المحفَّة بامتنانٍ حقيقيٍّ. رأى فيها ما فاجأه — الوسائد ناعمة. قال لهم: "الله يجزيكم خيرًا على هذا اللطف." وكان يعني ذلك.
الشياطين الثلاثة ردُّوا بالتواضع الذي يُتقنه من تعلَّم متى يستخدمه. الأسد أطأطأ رأسه. الثالث ابتسم. الثاني لم يُبدِّل تعبيره كثيرًا.
وفي اليوم الأوَّل جاءوا بطعام نباتيٍّ جيِّد — أرزٌ وخضروات وشاي وفطرٌ وبراعم الخيزران. شهيٌّ حقًّا. وفي اليوم الثاني كذلك. وفي اليوم الثالث كذلك. سانزانغ بدأ يرتاح — نوع الارتياح الخطير الذي يجعل المرء يُخفِّف من يقظته لأنَّ كلَّ يومٍ مضى بأمانٍ يمنحه دليلًا على أمان اليوم التالي. المحفَّة مريحة. الثلاثة مؤدَّبون. الطريق سهل. ودائمًا ما يسبق الفخَّ الجيِّد راحةٌ طويلة.
سون كان يمشي أمامهم بالعصا. لاحظ أنَّ عدد من يحملون الطعام يتغيَّر — في اليوم الأوَّل ثلاثون، جميعهم مُبتسمون بابتسامة الخادم الجيِّد. في الثاني ثلاثة وعشرون. في الثالث أقلُّ. لاحظ ذلك وسجَّله في مكانٍ ما في رأسه ثمَّ تركه — الانخفاض قد يكون طبيعيًّا حين ينتهي العمل. لكنَّه أيضًا قد يكون شيئًا آخر. الشكُّ الذي لا يكفيه دليلٌ لا يُصبح يقينًا. يبقى شكًّا. وهذا الشكُّ ظلَّ يمشي إلى جانبه لم يلتفت إليه أحدٌ إلَّا هو.
ثمَّ اليوم الرابع — المدينة على الأفق.
سون رآها أوَّلًا لأنَّه أطول وعيناه أحدُّ. مدينةٌ كاملةٌ — أبراجٌ وأسوار ومنارات. وفوقها شيءٌ آخر. ليس دخانًا. ليس غيومًا. شيءٌ في الهواء يتحرَّك بطريقةٍ لا يتحرَّك بها شيءٌ طبيعيٌّ.
توقَّف. نظر بعينيه الحقيقيَّتَيٍّن — العيون التي تُميِّز أنواع الشرِّ كما يُميِّز الأعمى أنواع الحرارة باللمس. ذئابٌ على الأبراج. ثعابين على الأسوار. أُسودٌ عند البوَّابات. مدينةٌ بالكاملٍ من المسوخ.
لم يتكلَّم. لكنَّه اشتدَّ وتغيَّر ميزان جسده — التغيير الذي لا يراه إلَّا من يعرفه.
الثالث كان يراقب. وفي اللحظة ذاتها التي رأى فيها سون المدينة — الثالث قفز من الأرض ورفع رمحه بكلتا يديه وضرب.
سون دار في الهواء ودفع الضربة بالعصا. الرمح والعصا التقيا بصوتٍ سمعه سانزانغ في المحفَّة. الأسد بحركةٍ واحدة اتَّجه نحو باجي رافعًا سيفه. الفيل التفَّ نحو شا بخرطومه.
ثلاثة ضدَّ ثلاثة. الجبل صار ساحة.
سون في الهواء يُقاتل الثالث. الثالث أسرع ممَّا توقَّع — لا يُقاتل كالأسد أو الفيل، يُقاتل كالطائر: يتقدَّم ثمَّ يتراجع، يضرب ثمَّ يختفي، ويُقاتل بالفراغ بينه وبين خصمه بقدر ما يُقاتل بالرمح. أجنحته الذهبيَّة حين تنشرح في الهواء تُغيِّر تيَّار الريح — تُغيِّره بما يُزعزع الثبات. سون لاحظ ذلك في الجولة الخامسة وتكيَّف معه. الثالث لاحظ أنَّه لاحظ وغيَّر أسلوبه. عشرون جولةً واللعبة لم تنكسر بعدُ.
وفي تلك العشرين جولة — والانتباه كلُّه فوق — الستَّة عشر الصغار أخذوا سانزانغ.
لم يُحرَّك وأحدٌ يصرخ. الستَّة عشر عرفوا وظيفتهم جيِّدًا — يحملون، لا يتكلَّمون، لا ينظرون إلى الوجوه. أُخذت المحفَّة ببساطةٍ كما يُؤخَذ الصينيُّ من الرفِّ، بحركةٍ اعتاد عليها من يؤدِّيها دائمًا. والمدينة استقبلتهم ببوَّابات مفتوحة وحشودٍ صامتة أُمرت بالصمت لأنَّ الخوف يُفسد طعم اللحم — هذه القاعدة البسيطة التي يعرفها كلُّ طاهٍ شيطانيٍّ يُجيد عمله. سانزانغ وجد نفسه في قاعة عرشٍ لم يرَ مثلها — ذهبٌ وحرير وشمعٌ وحولها مئة من المسوخ. قُدِّم له الشاي والطعام. وقيل له إنَّه ضيفٌ كريم. وجُلس أمامه أكبر الحرَّاس يُشير إلى الطعام بحركة اليد التي تقول: "تفضَّل." سانزانغ رأى عيونهم كلَّها عليه — مئة زوج من العيون التي تُحدِّق بما لا يُخطأ تفسيره. أطلقوه ليجلس. لم يُقيِّدوه. حين تكون الجدران كافيةً لا تحتاج قيودًا.
سون التفَّ بعد الجولة الواحدة والعشرين ونظر نحو المحفَّة.
فارغة.
نظر نحو المدينة.
الأبواب مُغلقة. الصمت من خلفها لم يكن صمتًا فارغًا — كان صمت مكانٍ ممتلئٍ يُشير إلى أنَّه ممتلئٌ.
توقَّف القتال — ليس لأنَّ أحدًا أمر بتوقُّفه بل لأنَّ الغرض تمَّ. الثالث ابتعد ببضع خطوات وقال بهدوء: "تعال والتقط أستاذك إن استطعتَ."
ثمَّ انصرف.
الأسد والفيل انصرفا معه.
سون وقف وحده على الجبل بعصاه في يده والمدينة أمامه. الجبل من هذا الارتفاع يبدو مختلفًا — يبدو أصغر. والمدينة تبدو أكبر. باجي جاء ينفض الغبار عن نفسه ويُلاحظ جرحًا صغيرًا في ذراعه بالنظرة التي يُلاحظ بها من يريد أن يتكلَّم عن الجرح لكنَّ الموقف لا يُساعد. شا جاء بالفرس. الثلاثة وقفوا وينظرون إلى الأسوار وما وراءها — أسوارٌ لا تُشير إلى مكانٍ محاصَر بل إلى مكانٍ يحصر.
سون لم يتكلَّم مباشرةً. ثمَّ قال: "خذوا الفرس. انتظرا هنا."
"وأنت؟"
"أنا أذهب لأرى."
ليس خطَّةً. خطوة. الفرق بين الخطَّة والخطوة هو الفرق بين من يعرف ما بعدها ومن يعرف فقط أنَّه يجب أن يتحرَّك. سون كان يعرف الثاني فقط في تلك اللحظة — وهذا كافٍ للبداية. الخطَّة ستأتي حين يرى الداخل. والداخل دائمًا مختلفٌ عمَّا يبدو من الخارج.
باجي قال: "هل نُرافقك؟"
"ابقيا مع الفرس."
"إذا لم تعُد؟"
سون نظر إليه. "سأعود." ثمَّ نظر إلى المدينة مرَّةً أخرى — نظرة الرجل الذي يُحدِّد الباب قبل أن يتحرَّك. "أستاذ هناك. وأنا ذاهبٌ."
شا لم يقل شيئًا. أمسك الفرس من لجامه وانتظر. بعض الأشياء لا تحتاج تعليقًا.
وفي داخل المدينة — سانزانغ يجلس بمحراب العرش، الشاي أمامه لا يلمسه، والمسوخ من حوله تتحرَّك بالصبر الذي يتحرَّك به من ينتظر أمرًا ولم يُعطَ وقته. كانوا يُبالغون في الأدب — شيءٌ أدركه سانزانغ ببطء. الأدب المُبالَغ فيه من الغرباء دليلٌ لا على الاحترام بل على الحساب. ولم يكن أمامه سوى أن ينتظر.
وخارج الأسوار — سون تحوَّل إلى ذبابة وطار نحو السور. وجد شقًّا وجد آخر. المدينة كبيرة لكنَّها ليست بلا مداخل. كلُّ شيءٍ كبير له مداخل لمن يعرف ما يبحث عنه والشكل الذي يجب أن يكون عليه حين يبحث.