الفصل الرابع والستُّون: جبل الأشواك ودير الخالد الخشبيِّ
المجموعة تودِّع مملكة جيساي وتواجه جبل الأشواك الممتدَّ ثمانمائة ليٍّ. باجي يشقُّ الطريق. روحٌ تختطف سانزانغ إلى دير الخالد الخشبيِّ حيث يلتقي بأربعة حكماء من الأشجار وجنيَّة المشمش. سانزانغ يرفض الإغراء ويصمد حتَّى الفجر.
رحل الملك والرهبان يُشيِّعون المجموعة خارج أسوار مملكة جيساي — الملك أصرَّ على أن يُرافقهم بنفسه، والرهبان المحرَّرون لم يستطيعوا التوقُّف. بعضهم أراد الصعود إلى الغرب معهم، وبعضهم أراد الخدمة دون طلب مكافأة. مشوا عشرين ليًّا فودَّع الملك. ومشوا عشرين أخرى فودَّع الموكب الرسميُّ. لكنَّ الرهبان — من نجوا من السجن ومن رأوا الضوء يعود إلى البرج ليلة أمس — لم يستطيعوا الرجوع.
سون نظر إليهم ورأى ما لا يُعالج إلَّا بطريقةٍ واحدة: شعرات من ذراعه، نفخةٌ من فمه، كلمةٌ واحدة. تحوَّلت الشعرات إلى نمورٍ مرقَّطة تملأ الطريق بالزئير. الرهبان توقَّفوا بالغريزة التي تتوقَّف أمام الخطر قبل أن تفكِّر. حين رحلت المجموعة أبعد ووقفت النمور بلا هجوم — أدرك الرهبان ما جرى. رفعوا أصواتهم بالبكاء وراء القافلة البعيدة: "يا ذا الفضل والوفاء! أبيتم أن تأخذونا معكم."
لم يُجبهم أحد. أحيانًا يكون المضيُّ أكثر رحمةً من الوقوف.
في طريقهم غربًا — والفصل بين الشتاء المنصرم والربيع القادم لا يزال هشًّا كرقائق الجليد الأخير — ظهر الجبل أمامهم كجدارٍ لا يعرف الفراغ.
لم يكن جبلًا بالمعنى الذي ترتفع فيه الصخور ويُرى منه الأفق. كان امتدادًا من الأشواك والغصون المتشابكة والأعواد الملتوية، يمتدُّ إلى الأمام حتَّى تختفي نهايته في البخار. جبل الأشواك — ثمانمائة ليٍّ من النباتات التي لا تُريد أن يمرَّ أحد.
سانزانغ أوقف فرسه ونظر. "كيف نعبر هذا؟"
سون قفز إلى الهواء ونظر من فوق. الخضرة ممتدَّةٌ إلى ما لا يُرى — شيءٌ في الطبيعة لا يعرف أنَّه يجب أن ينتهي. "بعيدٌ جدًّا. ألف ليٍّ أو تزيد بالنظر."
"كيف نعبره؟" سانزانغ يسأل ثانيةً.
شا قال: "نُشعل النار. نحرق كلَّ هذا."
باجي قال بنبرة من يُصحِّح قولًا خاطئًا من طالبٍ متحمِّس: "النيران لا تأكل الخضرة في عزِّها. هذا وقت الازدهار لا الاحتراق. وحتَّى لو احترق — الرماد والجمرات حول مئات الأميال لا تُهيِّئ طريقًا لمن يمشي."
"إذن؟"
باجي تحوَّل. الجسم ينمو — عشرون ذراعًا ثمَّ أكثر، حتَّى أصبح قامته فوق أعلى الأشواك. المخلب الحديدي في يده طال معه. قال: "تبعوني. وامشوا في الأثر."
بدأ يمشي بالمخلب أمامه، يفتح الطريق يمينًا وشمالًا. الأشواك تنكسر وتتراجع. الغصون المتشابكة تنفرج تدريجيًّا. ليسَ بسرعةٍ — العمل بطيءٌ كلُّ خطوة مدفوعة بثقل الأشواك المقاومة — لكنَّ الطريق يتشكَّل خلفه. سانزانغ على فرسه والفرس يمشي في الأثر. سون يُبقي عصاه تتحرَّك يمينًا وشمالًا تُكمِّل ما يفوت.
يومٌ كامل. ثمَّ ليلٌ مشوا فيه لأنَّ باجي قال لا داعي للتوقُّف وباجي الآن طويلٌ بما يكفي ليرى بعيدًا في الظلام. ثمَّ يومٌ آخر. في نهايته وجدوا أخيرًا فسحةً في الأشواك — أرضٌ مستوية وحجرٌ كبير. على الحجر كُتب: "جبل الأشواك — ثمانمائة ليٍّ من الأشواك المتشابكة، قلَّ من مشى هنا منذ القديم."
باجي قرأ وكتب تحته بإصبعه: "لكنَّ باجي مشى."
سانزانغ نزل عن فرسه متعبًا. وأمام الفسحة كانت هناك ظلالٌ وبردٌ خفيف وصوتٌ لا يُخطئه — ريحٌ بين أعواد البامبو، وطرق الغصون كأنَّه موسيقى قديمة لا لحن لها ومع ذلك تُهدِّئ. ثمَّ مبنى: معبدٌ قديم في وسط الخضرة، أبوابه تُرى لكنَّ الدخول يبدو كدخول إلى مكانٍ يختار من يستقبله.
فوق الباب ثلاثة أحرف: دير الخالد الخشبيِّ.
قبل أن يُقرِّر سانزانغ إن كانوا سيدخلون، ظهر شيخٌ من بين الأشجار — قبَّعةٌ مستديرة وثوبٌ بسيطٌ وعصا من الخشب وحذاءٌ من الحشائش المجدولة. خلفه كيانٌ غريب: وجهٌ أزرق وأنيابٌ وشعرٌ أحمر يحمل على رأسه طبقًا من الخبز المطبوخ.
الشيخ انحنى. "يا ذا الفضيلة، أنا إله التراب المحليِّ في هذه المنطقة. علمتُ بمرورك فأعددتُ هذا الطعام تكريمًا."
سون كان ينظر إليه بعينَين لا تنامان. فمٌ قال "إله التراب" ووجهٌ لم يقل الحقيقة كاملةً. رفع يده وصرخ: "توقَّف."
الشيخ لم يتوقَّف — التفَّ. ريحٌ داكنة خرجت منه، ولفَّت سانزانغ كالقماش يلفُّ الشيء الثمين، وحملته في الهواء قبل أن يصرخ أحد. اختفى في اتِّجاه المعبد.
بقي سون وباجي وشا ينظرون إلى المكان الذي كان فيه سانزانغ.
باجي قال: "هل نتبعه؟"
سون قال: "نعم. لكن الطريق تحتاج إلى الفتح أوَّلًا. امشِ."
خلف الأشواك في المعبد الحجريِّ — كان سانزانغ يجلس وروحه تهدأ تدريجيًّا.
لم يُؤذَ. المكان كان أجمل ممَّا أوحى به ظاهره — حجارة نظيفة وضوءٌ يدخل من بين الغصون بزاويةٍ تُحوِّله إلى ذهبٍ خفيف، وهواءٌ يحمل رائحة الصنوبر والتراب الرطب بعد المطر البعيد. أمامه أربعة رجال.
الأوَّل شيبٌ وصلابة وشيءٌ في وجهه يُشبه الجبل — كأنَّه لا يتغيَّر بتغيُّر الفصول. الثاني أخضرٌ بشكلٍ لافت كأنَّ شعره احتفظ بالربيع ولم يسمح له بالمغادرة. الثالث طويلٌ نحيلٌ وعيناه تنظران إلى أعلى كعادة من يرى دائمًا ما فوق الأفق. الرابع هادئٌ هدوءًا يُشبه الفراغ الذي لا يعني الغياب بل الاتِّساع.
قال صاحب الشيب: "يا ذا الفضيلة، لا تخَف. لسنا من السوء. أنا اللورد الثامن عشر الصليب. وهذا الحكيم الأزرق، وذاك ابن الأعالي، والرابع شيخ السحاب. طلبنا منك القدوم لأنَّ ليلةً صافيةً وقمرًا واضحًا وأربعة أرواحٍ تريد أن تتحدَّث إلى من يستحقُّ الحديث — هذا سببٌ كافٍ في نظرنا."
سانزانغ نظر إليهم بعينَين لا يُخفيان شيئًا. ثمَّ قال: "الخوف ذهب. لكن ماذا تريدون؟"
أرادوا ما قالوه بالضبط: حديثٌ في الفضيلة والحقيقة والشعر. جلسوا وأُحضر شايٌ من الأعشاب وتمرٌ صمغيٌّ صلب، وتكلَّموا. الأربعة سألوا سانزانغ عن الطريق البوذيِّ — ليس كمن يمتحن بل كمن يُريد أن يسمع. سانزانغ أجاب بما يعرفه عن الصمت والوعي والتحرُّر من الارتباط، وهم استمعوا بالانتباه الذي لا يُمثَّل.
ثمَّ قال أحدهم: "وأنتم — في تقليدنا نحن المقيمون في هذه الخضرة والحجارة — الحقيقة تكمن في الصمود وليس في التجاوز. نحن لا نرحل. نبقى في مكاننا ونرى الزمن يمرُّ ونختبر من يأتي ومن يذهب. أيُّ الطريقَين أحكم؟"
سانزانغ ابتسم. "لا أعرف أيَّهما أحكم. كلٌّ فيه ما ليس في الآخر."
القمر كان ارتفع والليل أصبح ذا جمالٍ يُشجِّع على الإطالة. اللورد الثامن عشر الصليب قال: "هل تُجيز الشعر يا ذا الفضيلة؟"
وكان سانزانغ في لحظةٍ نسي أين هو ومن الذين يكلِّمهم — نسيانٌ مؤقَّتٌ تُحدثه الأماكن الجميلة. قال سطرًا واحدًا بالصدفة: "القلب الصافي كالقمر بعيدٌ عن الغبار."
اللورد الثامن عشر الصليب أكمل فورًا: "والشعر حين يأتي يُجدِّد السماء."
الحكيم الأزرق: "الكلام الجيِّد يُنسَج من صمت طويل."
ابن الأعالي: "والحكمة لا تُطرق كالذهب — تُنتظر كالمطر."
شيخ السحاب: "ستَّةُ أجيالٍ من الحضارة تنتظر بيتًا يُختمُ به."
نظروا إلى سانزانغ. الختام له.
سانزانغ فكَّر لحظة ثمَّ قال بهدوء: "من يمشي ألف ميلٍ يحمل في قلبه ربيعًا لا يعرف الفصول."
الأربعة صفَّقوا — ليس بالأيدي بل بأصوات هادئة مُوافقة تُشير إلى ما هو أعمق من التصفيق.
ثمَّ فُتح الباب.
دخلت فتاةٌ تحمل في يدها غصن مشمش مُورَّد — الأبيض والوردي متداخلان كأنَّهما اختلفا على اللون ثمَّ اتَّفقا. خلفها خادمتان تحملان فوانيس قرمزيَّة تصبُّ ضوءها على الأرض بهدوءٍ يجعل المكان يبدو أكبر ممَّا هو. وجهها حين التفَّ — جميلٌ بجمال الأشياء التي لم تتعلَّم بعد أنَّها ستُستخدَم للإغراء.
قالت وفي صوتها شيءٌ من الخجل المُصطنع: "سمعتُ أنَّ راهبًا ذا فضيلة حلَّ ضيفًا. جئتُ لأسمع شعره."
الأربعة الشيوخ رحَّبوا بها. جنيَّة المشمش — هكذا ناداها اللورد الثامن عشر الصليب. جلست. أُحضر شايٌ آخر. وأنشدت هي أيضًا بيتًا اختارته بعناية الفتاة التي تريد أن تُظهر أنَّها تختار بلا عناية.
السهرة سارت والمسافة بين جنيَّة المشمش وسانزانغ تضيق تدريجيًّا — خطوةٌ لا تُلاحَظ ثمَّ خطوةٌ ثانية كذلك. حتَّى كانت قريبةً منه بالقرب الذي لا يُبرِّره الشعر. وقالت بصوتٍ لا يُريده غير من يُقال له: "الليل طويل وجميل. الجلوس وحيدًا في الجمال إهدارٌ للجمال."
سانزانغ سمع الكلام وفهمه. انتهت السهرة في داخله.
قام واقفًا بالطريقة التي يقف بها من لا يريد أن يُصادم لكنَّه لن يُقيم. قال: "الليل جميلٌ كما قلتِ. وأنا شاكرٌ لكم جميعًا على ما شاركتموني إيَّاه. لكن طريقي واحدٌ وقد اخترته قبل أن تبدأ هذه الرحلة وقبل هذه الليلة وقبل هذا الجبل."
جنيَّة المشمش نظرت إليه بعيون تنتقل بين الإقناع والدهشة. الشيخ الأحمر — الكيان الغريب الذي جاء أوَّل مرَّة مع الشيخ المزيَّف — قال بصوتٍ يرتفع: "هذا الراهب لا يعرف قيمة ما يُرفَض. كيف تتركُ ما يجلس بجانبك ويختارك؟"
سانزانغ لم يُجب. جلس في مكانه بصلابة صامتة ودموعٌ جاءت دون أن يُريدها — ليست ضعفًا بل قلقٌ على تلاميذه الذين يبحثون عنه في مكانٍ ما بين الأشواك في الظلام.
الفجر جاء من الجهة التي يأتي منها دائمًا — ببطءٍ يُشبه القرار لا الانفجار. ومعه صوت.
"أستاذ! أين أنت؟"
صوت سون. ثمَّ صوت باجي خلفه. ثمَّ صوت شا. المجموعة الثلاثة كانت قد مشت الليل كلَّه بالمخلب والعصا — لم يُغلقوا عيونهم ولم يتوقَّفوا عن فتح الطريق، حتَّى أكملوا الثمانمائة ليِّ ووجدوا المعبد من الجهة الأخرى.
سانزانغ قام وخرج. حين رأى تلاميذه الثلاثة أمام الباب — الأشواك خلفهم والفجر الأوَّل فوقهم — لم يقل كلامًا كثيرًا. وضع يده على كتف سون ثمَّ كتف باجي ثمَّ نظر إلى شا. يكفي.
الأربعة الشيوخ وجنيَّة المشمش وخادمتاها — كلُّهم اختفوا حين أشرق الضوء، كما تختفي الأشياء التي لا وجود لها إلَّا في الليل.
سون نظر إلى ما حول المعبد ورأى الأشجار. صنوبرةٌ قديمة ضخمة وسرواٌ شامخٌ وشجرةٌ من الحور الصيني وأعواد بامبو خيزران ووراءها شجرة قيقب بأوراقٍ حمراء. وعلى الجانب الآخر شجرة مشمش وشجرتا بتُّلةٍ شتويَّة وشجرتا دارِ القرفة الذهبيَّة.
قال باجي: "هؤلاء...؟"
"هؤلاء." قال سون.
باجي رفع المخلب.
سانزانغ قال: "لا. هم لم يُؤذوني. أحسنوا ضيافتي حتَّى جاء ما لم أُوافق عليه."
سون قال: "يا أستاذ، الكائن الذي لا يُؤذيك اليوم قد يُؤذي غيرك غدًا. وتركه في مكانه لا يُعالج الخطر."
سانزانغ صمت. كان الصمت نوعًا من التسليم.
باجي — الذي كان ينتظر هذا الصمت — أنجز عمله بالسرعة التي يُنجز بها الأعمال التي تنتظر موافقةً مُتأخِّرة. الشجرة تلو الشجرة. الجذور خرجت من الأرض ومعها خيوطٌ رفيعة من شيءٍ غريب اللون.
ما كان ليلةً أمس أرواحًا تُناقش الفضيلة وتُنشد الشعر وتقدِّم الشاي — أصبح في الفجر صفوفًا من الأشجار المجتثَّة على أرض الفسحة.
سانزانغ ركب فرسه. لم ينظر وراءه.
الطريق من الجانب الغربيِّ لجبل الأشواك كان مفتوحًا — باجي أكمل الشقَّ ليلةً كاملة وما بقي كان سهلًا. بعد ساعاتٍ قليلة وجدوا الأرض السهلة من جديد والهواء الذي لا يحمل رائحة الحشائش المتشابكة.
سانزانغ في منتصف الطريق قال: "لم أنم."
سون قال: "لم ننم نحن أيضًا."
"الشعر كان جميلًا."
"أعلم."
"لكنَّ الطريق واحد."
"نعم."
ساروا في صمتٍ مريحٍ من الصنف الذي لا يحتاج إلى كلامٍ لأنَّ الكلام الضروريَّ قيل بالفعل. الغرب أمامهم والفصل القادم خلف الأفق يصنع نفسه دون أن يستأذن أحدًا.