الفصل الثامن والتسعون: جسرٌ بلا عرض وقاربٌ بلا قاع
وصول الحجَّاج إلى جبل الصاعقة. الاغتسال وتخلِّي سانزانغ عن جسده الفاني. لقاء البوذا. الكتب الفارغة ثمَّ الكتب الحقيقيَّة. المراجعة الكبرى.
كانت الأيَّام الستَّة أو السبعة التي تلت المدينة مختلفةً عمَّا سبقها بطريقةٍ لا تُفسِّرها الجغرافيا وحدها.
الأشجار التي على الجانبَيٍّن أعمر. الحجارة على الطريق أقلُّ. الهواء أخفُّ بمعنى لا يُقاسُ بالحرارة بل بشيءٍ أصعب من التسمية. الناس في المزارع التي مرُّوا عليها — حين يرون رهبانًا — يتوقَّفون ويُحيُّون بهدوءٍ لا يحتاج إلى كلمات. بيوتٌ يُرى فيها البخور يتصاعد في الصباح. قنواتٌ مائيَّة يسمع فيها صوتٌ يُشبه الصلاة الهادئة.
سانزانغ لاحظ أنَّه لم يعد يسأل "متى نصل." ليس لأنَّه لم يكن يريد الوصول — بل لأنَّ المسافة بدأت تتصرَّف بطريقةٍ مختلفة. كأنَّها تعرف أنَّك ستصل.
ثمَّ — في ذلك الصباح — ظهر على الأفق ما لا يُوصَف بالكلمات المعتادة.
أبراجٌ ومقامات وسحابٌ لا تتصرَّف كالسحاب العاديِّ — تبدو وكأنَّها رُسِمت بعنايةٍ أكثر. ألوانٌ خمسةٌ تتداخل في الهواء. ضوءٌ ينبع من مكانٍ بعيد لكنَّه يصل إلى العين بنعومةٍ لا يصل بها ضوء الشمس.
سانزانغ نظر. ثمَّ نزل من على الحصان دون أن يُفكِّر ووقف يتأمَّل.
سون قال: "هنا يُنزل."
"أعرف."
"في المرَّات السابقة، نزلت للأصنام المزيَّفة دون توقُّف. هنا تقف وتنظر أوَّلًا."
"الأصنام المزيَّفة كانت لها شكلٌ مُقنِّع. هذا — هذا لا يكذب."
عند بوَّابة المعبد — شابٌّ في ثوبٍ لامعٍ ظهر. صوتٌ قبل الشكل.
"أهل الشرق القادمون من تانغ؟"
"نعم." سانزانغ تقدَّم.
سون ابتسم من خلفه. "معلِّمي — هذا الحارس الذهبيُّ لجبل الصاعقة. يعرف متى تصل من لديه موعد."
الحارس الذهبيُّ — خبيرُ الذروة — قال: "كنتُ أنتظر منذ عشر سنين. بوسات كوانيين أخبرتني أنَّكم ستصلون في غضون عامَيٍّن أو ثلاثة. الأمور — كما أرى — أخذت وقتها."
"الأمور." سون بلهجةٍ تُقرُّ بالحقيقة. "الأمور فعلًا أخذت وقتها."
داخل المعبد — حوضٌ كبيرٌ للاغتسال. ماءٌ يتبخَّر برائحةٍ لا تُشبه أيَّ بخار. الحارس الذهبيُّ قال: "قبل أن تصعد — اغتسلوا. لأنَّ الجبل الذي ستصعدونه لا يصعده أحدٌ بالغبار الذي جلبه من ثلاثة عشر عامًا."
في الليل — الأربعة اغتسلوا. وفي النوم الذي تلا، نام كلٌّ منهم نومًا لا يتذكَّر منه أحلامًا — وهذا النوع من النوم هو الذي تكتسب منه الطاقة التي لا تُشرح.
في الصباح — سانزانغ ارتدى رداءه المُذهَّب وغطاءه وأمسك عصاه الرنَّانة. وقف خارج الباب. سون من خلفه. باجي من اليمين. شاشاجو من اليسار. والحصان الأبيض — كما دائمًا — في مكانه.
الحارس الذهبيُّ قال: "الطريق يبدأ من هنا. الجبل أمامكم."
سون: "أعرف الطريق من الهواء. لكنَّني لم أمرَّ منه على الأرض قطُّ."
"اليوم تمرُّ من الأرض. هذا هو الطريق الوحيد."
الصعود. الجبل ليس صاخبًا — لا أصوات معركةٍ ولا أصوات تحذير ولا أصوات باجي يشكو من الارتفاع. باجي الذي يشكو من كلِّ شيء في كلِّ يوم — ها هنا يصعد بصمت. ربَّما لأنَّ الجبل يفرض ذلك. ربَّما لأنَّ بعض الأماكن تُسكِّت الشاكين لا بالإكراه بل بشيءٍ أثقل وأهدأ.
أشجارٌ جانبيَّة لا يعرفها أحدٌ منهم. حشائش ذات ألوانٍ لا توجد في أيِّ جبلٍ في الأرض التي عبروها. أزهارٌ لا تُفسِّر ريحها بكلمةٍ واحدة. وفي الأعلى — ضوءٌ خماسيُّ الألوان يُسبق الغيوم.
ثمَّ — على بُعد خمسة أو ستَّة أميال من الذروة — سانزانغ توقَّف.
أمامه نهرٌ.
ليس نهرًا عاديًّا. ثمانية أو تسعة أميال في العرض. الماء يتدفَّق بضوضاءٍ تملأ الأذن من مسافةٍ بعيدة. لا شاطئ عبره يُرى. ولا جسر.
بل — جسرٌ واحد. خشبةٌ واحدة ممتدَّة. رفيعةٌ كالمدقِّ. ملساء كالجليد. وتحتها — الماء.
على حجرٍ بجانب الجسر: "عبور الغيوم."
سانزانغ قرأها. نظر إلى الخشبة. ثمَّ إلى النهر. ثمَّ إلى سون.
"هذا لا يُعبَر."
"هذا يُعبَر — لمن لديه ما يُعبر به."
باجي تطلَّع إلى الخشبة. "لو كانت واسعةً بقدر شبر—"
"ليست شبرًا. ابقَ هنا."
سون وضع قدمه على الخشبة. ثمَّ مشى — يتمايل، يتزعزع، يمشي بطريقة تجعلك تُمسك أنفاسك. وصل إلى الطرف الآخر في دقائق. استدار. "تعالوا."
سانزانغ يهزُّ رأسه.
ثمَّ — في تلك اللحظة — صوتٌ من على النهر. قاربٌ يُقبل.
القارب فارغٌ إلَّا من رجلٍ يُمسك بالمجداف. ليس مجداف الصيَّادين العاديِّين — يداٌ تتحرَّك بثقةٍ تُشير إلى أنَّه عرف هذا النهر طويلًا. القارب نفسه — حين اقترب — ليس له قاع.
"للعبور. للعبور." بصوتٍ هادئ.
سانزانغ رأى القارب بلا قاع. "كيف يعبر قاربٌ بلا قاع؟"
سون رأى من هو ولم يتكلَّم. بدلًا من ذلك: "اصعد يا معلِّمي."
"في قاربٍ بلا—"
"اصعد."
سانزانغ وضع قدمه. ثمَّ — في تلك اللحظة — تزلزل، فقد توازنه، وسقط في الماء.
في لحظةٍ واحدة — يدٌ أمسكته، شدَّته، أقامته في القارب. سانزانغ يُنفض الماء عن ثوبه ويُرتِّب قلنسوته وينظر في عيون الرجل بجانبه — نظرة من لم يفهم بعد.
ثمَّ رأى. على سطح النهر — جثَّةٌ تطفو. جثَّةٌ ترتدي ثيابه.
سون قال بهدوء: "هذا أنت يا معلِّمي. كان يجب أن تتركه."
شاشاجو: "هذا هو."
باجي: "هذا هو."
الرجل في القارب: "هذا هو — تهانينا."
سانزانغ نظر إلى الجثَّة تبتعد في تيَّار النهر. جسدٌ أمضى أربعة عشر عامًا يحمل كلَّ ما حمله — الخوف والمرض والبرد والسجن والمعجزة والخيبة والأمل. يذهب الآن وحده نحو الغرب لا نحو الشرق. وهو — سانزانغ — يقف في قارب بلا قاع فوق نهرٍ لا ضفَّة له البعيدة وخفَّةٌ في جسمه لم يشعر بها منذ أن وُلد.
على الشاطئ الآخر — القارب رسا. الأربعة نزلوا. الرجل في القارب تحرَّك بعيدًا دون أن يُودِّع — لأنَّ من أنجز ما أنجز لا يحتاج إلى وداع.
سون قال: "هذا كان بوذا الاستقبال. لا يُعرِّف بنفسه."
"لم أطلب منه أن يُعرِّف."
"أعرف. ولذلك جاء."
الصعود الأخير. معبدٌ في الذروة — ليس كالمعابد التي رأوها في كلِّ مكان آخر. هذا معبدٌ يبدو وكأنَّ الجبل بُني حوله لا هو بُني على الجبل. الأبواب طويلة. الجدران من حجارةٍ لا تعرف عمرها. والصوت الوحيد — مقعٌ ذهبيٌّ يُقرع في مكانٍ بعيدٍ بداخله.
أربعة حرَّاسٍ ذهبيُّون عند المدخل. "هل أنتم الحجَّاج من الشرق؟"
"نعم." سانزانغ رفع رأسه وأجاب بوضوح.
"البوذا ينتظر. ادخلوا."
قاعةٌ واسعة بلا أعمدة. حرَّاسٌ من كلِّ نوعٍ وكلِّ مرتبة. بوسات وأولياء ورهبان وكائنات من أسماء لا يعرفها سانزانغ لكن يعرف بحضورها أنَّه في مكانٍ لم يبلغه بشرٌ كثير. في المقدِّمة — على منصَّة من لا لون له ولا غياب له — جلس من لا يحتاج إلى وصف.
سانزانغ وقع على ركبتَيٍّه. سون وباجي وشاشاجو وقعوا على ركبهم. الحصان وقف بهدوء.
"اعتدلوا."
قام الأربعة. سانزانغ رفع وثيقة السفر بكلتا يديه.
البوذا أخذها. نظر فيها. أعادها. "الرحلة — أربعة عشر عامًا. خمسة آلافٍ وأربعون يومًا. وصلت."
"وصلت." سانزانغ.
"أرضك — الشرق — تحتاج ما جئت لأجله. ليس لأنَّها أدنى مرتبةً بل لأنَّها تحمل أشياء لا يُشفيها إلَّا ما ستحمله معك. اذهب مع الحرَّاسَيٍّن — أتمِموا ما جئتم لأجله."
الحارسان — أناندا وكاشياپا — أخذا الأربعة إلى قاعةٍ داخليَّة. طعامٌ كالطعام الذي يُحسن توصيفه من رآه مرَّةً ثمَّ يُدرك أنَّ الكلمات تقصر. الأربعة أكلوا. باجي أكل بطريقةٍ استثنائيَّة حتَّى لهذه الأوضاع.
ثمَّ — إلى مستودع الكتب. صناديق من الذهب والعاج والحرير. لافتاتٌ على كلِّ صندوق بأسماء في لغات قديمة. الحارسان أداروا في القاعة وسألا: "ماذا تُقدِّمان هديَّةً مقابل هذا؟"
سانزانغ: "لا شيء معنا. جئنا بأيدٍ فارغة من مسافةٍ بعيدة."
"الأيدي الفارغة لا تُفضي إلى شيء."
سون رفع صوته: "هذا ابتزاز في أقدس مكان—"
"أو هذا قانون قديم. الأشياء لا تُعطى مجَّانًا، حتَّى في الجنَّة."
الصمت بين سون وكاشياپا.
ثمَّ الحارسان أعطيا المجموعات — صناديق ولفائف.
الأربعة حملوا الكتب وخرجوا. سون وجد الطريق. سانزانغ تقدَّم.
ثمَّ — ريحٌ من حيث لا يُتوقَّع. يدٌ من السماء أمسكت بلفافاتٍ من على ظهر الحصان وانتزعتها. سون طار خلفها. اللفافات تناثرت في الهواء.
حين جمعوها وفتحوها — بيضاء. كلُّها.
باجي فتح لفافةً ثمَّ أخرى ثمَّ أخرى. "لا حرف."
سانزانغ أمسك واحدةً وحدَّق فيها. بيضاء كالثلج. "أربعة عشر عامًا."
سون: "عد. الكتب الفارغة كانت تحايلًا. نعود."
"إلى البوذا؟"
"إليه."
الصعود مرَّةً ثانية — وهذه المرَّة الحرَّاس عند الباب يبتسمون. "الكتب لم تُعجبكم؟"
سون: "الكتب فارغة. نريد الكتب الحقيقيَّة."
"ادخلوا."
أمام البوذا — سون شرح الأمر بصوتٍ لم يخلُ من حدَّة. البوذا استمع.
"الفارغة — أيضًا حقيقيَّة. لكنَّ أرضك لا تتلقَّى الفارغة بعد. تحتاج الحروف. أعطاهم الحروف."
وإلى أناندا وكاشياپا: "أعطوهم هذه المرَّة ما فيه حروف."
الحارسان نظرا إلى بعضهما. ثمَّ إلى سانزانغ.
شاشاجو أخرج من كيسه وعاءً من الذهب البنفسجيِّ — كان التانغ الإمبراطور قد أعطاه سانزانغ يوم الرحيل. "هذا كلُّ ما بقي معنا."
الحارسان تلقَّفاه. شيءٌ في وجهَيٍّهما تغيَّر.
الكتب الحقيقيَّة — خمسة آلافٍ وثمانيةٌ وأربعون لفافة. الحروف مكتوبة. الحرير ملفوفٌ بعناية. الخيوط الذهبيَّة.
حملوها بعنايةٍ هذه المرَّة. الحصان حمل. باجي حمل. شاشاجو حمل. وسانزانغ مشى أمامهم بعصاه — ليس عصا المسافر الآن بل شيءٌ آخر.
في القاعة الكبرى — البوذا دعا الجميع. أصوات المقاعيس والناقوسات. مجلسٌ لكلِّ من في الجبل. أمام الكلِّ — البوذا قال لسانزانغ:
"هذه الكتب — أمسكها. من يفتحها بغير وضوءٍ وصيام يؤذي نفسه لا الكتاب. من يمسُّها بقلبٍ نظيف — ينفتح له ما كان مغلقًا."
سانزانغ انحنى. سون انحنى. حتَّى باجي — الذي نادرًا ما يمثِّل هذا المشهد — انحنى.
ثمَّ — بعد أن خرج الحجَّاج — بوسات كوانيين تقدَّمت من الجانب.
"أربعة عشر عامًا. خمسة آلافٍ وأربعون يومًا. ينقص ثمانية أيَّام حتَّى يكتمل العدد المقرَّر."
البوذا: "صحيح. أرسلي الحرَّاس الثمانية — يُعيدونهم خلال ثمانية أيَّام."
الحرَّاس الثمانية الذهبيُّون طاروا خلف الحجَّاج.
وصوتٌ — من لا يُرى — قال للأربعة: "اتبعونا. الطريق عبر الهواء. والوقت — ثمانية أيَّام."
سانزانغ حمل الكتب على يديه. سون طار على يمينه. باجي على يساره. شاشاجو خلفه. والحصان الأبيض — بلا جاذبيَّة، بلا وزن، بلا حاجةٍ إلى طريق — سار مع الغيوم شرقًا.
أربعة عشر عامًا على الأرض. والعودة — في ثمانية أيَّام من السماء.
الأرض التي يُنظر إليها من فوق تبدو صغيرةً كما تبدو كلُّ الأشياء الكبيرة حين تنتهي مرحلتها. وصغيرةً أو كبيرةً — في تلك الأرض مَن ينتظر.