موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل السادس والتسعون: المضيف الكريم وقلب لا يتعلَّق

رحيل من الهند. طريقٌ ربيعيٌّ غربًا. في مقاطعة النحاس — الشيخ كو الذي أطعم تسعةً وتسعين وتسعمئة راهب طوال أربعة وعشرين عامًا. الليلة في المعبد المتداعي.

سون وكونغ باجي شاشاجو سانزانغ الشيخ كو مقاطعة النحاس الفصل السادس والتسعون

في الصباح الذي يلي اللقاء — حين يكون كلُّ شيءٍ قد انتهى وبدأ في آنٍ واحد — رحل الحجَّاج من مدينة الهند دون مراسم.

المدينة لم تودِّعهم كما استقبلتهم. لا كرة حريرٍ هذه المرَّة، لا نافذةٌ في الجناح الداخليِّ، لا أميرةٌ مزيَّفةٌ تنتظر خلف الستارة. البوَّابة مفتوحةٌ والطريق واسعٌ والهواء نظيفٌ بمعنى يختلف عن كلِّ ما سبقه منذ دخلوا المدينة. هواءٌ لا تشوبه رائحة القصر ولا ثقل الكذب المقيم — هواءٌ لا يعرف قصَّتهم ولا يهتمُّ بها.

كانوا حين استدار سون وقف في مكانه لحظةً — نظر إلى المدينة خلفه. القصر والمعبد والشارع الذي رمت فيه الأميرة المزيَّفة كرتها على الغرباء. المعبد الذي وجدوا فيه الأميرة الحقيقيَّة. الغرفة الضيِّقة والشيخ المئويُّ والباب الذي لم يُفتح إلَّا حين جاء الملك. كلُّ ذلك يبدو الآن صغيرًا من هذه المسافة. الأشياء الكبيرة حين تنتهي تصغر — لكنَّها لا تختفي. تنتقل إلى مكانٍ في الداخل لا يُرى ولا يُقاس.

سانزانغ قال: "غربًا."

و"غربًا" كانت الكلمة الوحيدة التي احتاجها الصباح.


طريق الغرب في نهاية الربيع وبداية الصيف — طريقٌ يُريك كيف يتحوَّل الضوء حين يرتفع النهار بدلًا من أن يُريك كيف ينحدر. الأشجار لم تكتمل بعد — لا تزال في تلك المرحلة التي يكون فيها اللون الأخضر أكثر منه أخضر، أشدُّ إشراقًا ممَّا سيكون في تموز. البِرَك على جانبَيِ الطريق فيها زهر الماء الأبيض الذي يعرفه البصير من بعيد.

سانزانغ على ظهر الفرس — حين يسير الطريق هكذا يُفكِّر. ليس تفكيرَ القلق بل تفكيرَ من لديه مكانٌ يصل إليه ويعرف في أيِّ اتِّجاهٍ هو.

باجي يمشي ويشكو من الحرِّ المبكِّر ثمَّ يشكو من الريح ثمَّ يشكو من غياب الظلِّ ثمَّ يُقدِّر بصوتٍ عالٍ كم الوقت المتبقِّي حتَّى وجبة الغداء. سون يمشي في الأمام دون أن يُجيبه. شاشاجو يمشي في الخلف دون أن يتعلَّق بأيٍّ من هذا.

نصف شهرٍ من الطريق المستوي — بلا وحشٍ ولا كهفٍ ولا حيلة. نصف شهرٍ لا يحتاج فيه أحدٌ إلى خطَّةٍ ولا تصرُّفٍ خاصٍّ بل إلى الاستمرار. وأحيانًا الاستمرار هو الجهد الأصعب — أن تضع قدمًا أمام الأخرى في يومٍ لا يحمل وعدًا مُحدَّدًا بأيِّ شيء.

أحيانًا تحتاج الحكاية إلى نصف شهرٍ من المشي الهادئ لأنَّ ما سبقه كان ثقيلًا بما يكفي.


ثمَّ — في يومٍ لا يختلف ظاهرًا عن غيره — ظهرت على الأفق ملامح مدينة. أسوارٌ ومآذن وبوَّابةٌ ترى عرضها من مسافة الفرسخ.

سانزانغ: "ما هذا المكان؟"

سون نظر. "لا أعرف. لم أمرَّ من هنا على الأرض — مرَّاتي السابقة كانت كلُّها في السماء."

باجي: "هذا تفسيرك لكلِّ ما لا تعرفه؟"

"لا. هذا التفسير الوحيد الصحيح لهذه الحالة تحديدًا."

نزلوا إلى المدينة. الشارع الطويل المرصوف. حوانيتٌ على الجانبَيٍّن. ناسٌ يتوقَّفون لينظروا إليهم — ليس بخوفٍ كما في بعض المدن السابقة بل بذلك الفضول الذي يُشير إلى أنَّ المدينة رأت غرباء من قبل لكن ليس من هذا النوع تحديدًا.

عند رواقٍ مُظلَّل — شيخان يتحدَّثان. عن شيءٍ ليس عاجلًا — هذا واضحٌ من طريقة جلوسهما.

سانزانغ نزل من على الفرس وقرَّب. "عفوًا — ما اسم هذه المدينة؟ وهل فيها بيتٌ يُطعم الغرباء؟"

أحد الشيخَيٍّن نظر إليه بعيونٍ هادئة. "هذه مقاطعة النحاس — تابعة لها بلدة الأرض الخيِّرة. وإن كنت تريد طعامًا دون مقابل — اجتز هذه القوسَيٍّن واسلك الشارع الجنوبيَّ، وابحث عن بيتٍ بابه من شكل فم النمر. صاحبه يُطعم الرهبان — كلَّ راهبٍ يمرُّ منذ أربعةٍ وعشرين عامًا. اذهب ولا تقطع حديثنا أكثر من هذا."

سانزانغ شكرهما وعاد إلى تلاميذه. "قيل لي عن بيتٍ يُطعم الرهبان."

سون: "والبوَّابة؟"

"فم نمر."

باجي: "إذن نذهب."

شاشاجو: "انتظر على الباب حتَّى يأذن أحد."


الباب بالفعل على شكل فم نمر — قوسٌ عريضٌ ينتهي بخشبٍ منحوتٍ على الجانبَيٍّن. وعلى لوحٍ كبيرٍ فوق المدخل — أربعة أحرفٍ كبيرة: "لا يُمنع راهب."

سانزانغ وقف أمامها. "غربٌ صادق."

سون من خلفه: "لا تدخل حتَّى يخرج أحد."

باجي: "اللوحة تقول لا يُمنع."

"اللوحة دعوةٌ لا إذن. الأدب إذنٌ منفصل."

وقبل أن يكتمل الجدال — فتح الباب من الداخل غلامٌ صغيرٌ يحمل ميزانًا وسلَّةً في يديه. رأى الأربعة عند الباب. أسقط الميزان. ركض إلى الداخل.

بعد لحظةٍ — صوتٌ من الداخل. ثمَّ خطوات. ثمَّ ظهر رجلٌ يتَّكئ على عصا — شيخٌ في الستِّين أو بعدها بقليل، ظهره قويٌّ رغم العصا، عيناه واسعتان. نظر إلى الأربعة عند بابه ثمَّ أسقط العصا وخطا بدونها.

"ادخلوا. ادخلوا جميعًا."


الرجل قال اسمه كو هونغ، ولقبه الشيخ كو الكريم. ستَّةٌ وستُّون عامًا. منذ الأربعين — قبل ستَّةٍ وعشرين عامًا — نذر أن يُطعم عشرة آلاف راهبٍ قبل أن يموت. دفتر النذر أمامه على الطاولة — صفحاتٌ مرقَّمةٌ بأسماء وتواريخ.

"عددتهم الأسبوع الماضي. تسعةٌ وتسعمئةٌ وستَّةٌ وتسعون. ينقصني أربعة. ثمَّ جئتم أنتم الأربعة."

سانزانغ: "صدفة."

الشيخ كو: "ليس صدفة. الصدف لا تُكمِّل الأعداد المقرَّرة بهذه الدقَّة."

أحضروا الماء والطعام. قاعةٌ بها نضادات بوذيَّة وشمعٌ ومبخرة فضِّيَّة. سانزانغ خلع رداءه ودخل ليصلِّي أمام التمثال أوَّلًا — هذه عادته في كلِّ بيتٍ يُطعمه، أن يشكر قبل أن يأكل.

ثمَّ جلسوا للطعام.

باجي جلس جلسة الجاهز لا جلسة الضيف. سون دفعه بمرفقه. "انتظر."

"ماذا ننتظر؟"

"الإذن بالبدء."

الشيخ كو رفع يده: "تفضَّلوا."

وما تلا ذلك — باجي في مواجهة مائدةٍ وفيرة — كان أسرع بكثيرٍ ممَّا يستطيع أن يصفه أيُّ شاهد. وعيٍّن أو سبع وعيٍّن تُجيد ذلك النوع من الوصف الذي يُوثِّق ما يختفي بسرعة.


بعد الطعام — جاءت زوجة الشيخ وابنان له. الابنان طالبان في الثامنة عشرة والعشرين — وجوههما المدوَّنة. سألا سانزانغ عن رحلته.

"أربعة عشر عامًا على الطريق."

الابن الأكبر: "من كتاب الجغرافيا المشهور أعرف أنَّ الأرض فيها أربعة أرباع. نحن في الربع الغربيِّ. وأنت جئت من الربع الجنوبيِّ الشرقيِّ. كم هذه المسافة؟"

"لا أعرف بالفراسخ. أعرف بعدد السنين والعقبات."

"وكم عقبة؟"

سانزانغ نظر في السقف لحظةً. "لا أُحصيها لأنَّ العدد يُشتِّت عن المعنى. الذي يُهمُّ أنَّنا لا نزال على الطريق."

"تعني أنَّ الإحصاء يضيِّع الحكمة؟"

"أعني أنَّ الرجل الذي يعدُّ جروحه في المعركة يتأخَّر عن المعركة."

الابنان تبادلا نظرةً. نوعٌ من الإعجاب الذي يُحاول أن يُخفي نفسه ولا يُفلح.


الشيخ كو طلب منهم أن يبقوا حتَّى يُكمل احتفال النذر — طقوسٌ دينيَّة على مدى ثلاثة أيَّام يُدعى إليها الأئمَّة والرهبان من المنطقة. سانزانغ أراد أن يرفض. سون نظر إليه. "يا معلِّمي — هذا رجلٌ أمضى ستَّةً وعشرين عامًا لهذا اليوم. رفضُه لا يُحرِّرنا من تأخير."

فقبل سانزانغ.

نصف شهرٍ أقاموا في بيت الشيخ كو. الطقوس جرت ببطءٍ ووقار. بيتٌ مرتَّبٌ لا يُذعرك جماله لأنَّه ليس جمالًا لمن ينظر بل جمالًا لمن يعيش. باجي نام جيِّدًا كلَّ ليلة. شاشاجو ساعد في ترتيب أواني الطعام بعد كلِّ وجبة دون أن يُطلب منه. سون مرَّةً واحدة صعد إلى السطح ليلًا ونظر في اتِّجاه الغرب — الجبال البعيدة، الضوء الخافت، الاتِّجاه الذي يعرفه.

في اليوم الأخير — الشيخ كو أعدَّ موكبًا للتوديع. أعلام وطبول وضيوفٌ من الجوار جاءوا يودِّعون غرباءً لم يعرفوهم قبل نصف شهر. مائدةٌ أخيرةٌ في الصرحة الكبيرة — طعامٌ من النوع الذي يُقال ليس بالكميَّة بل بالعناية التي وُضعت فيه. حتَّى باجي حين رأى ما عليها أمسك نفسه لحظةً قبل أن يُلقي بنفسه على الأكل. لحظةٌ واحدة — لكنَّها لحظة.

هذا ما يفعله الكرم الحقيقيُّ — لا يُوسع المعدة فحسب، بل يُوقف حتَّى باجي لثانية.

سانزانغ شكر الشيخ كو. أطال في الشكر — ليس من باب اللياقة بل لأنَّ هذا البيت أعطاه شيئًا لا يُعطيه كلُّ منزل: راحةً حقيقيَّة لا يقاطعها وحشٌ ولا يكشفها ضجيج. نصف شهرٍ من الصلاة الصباحيَّة والطعام الهنيء والنوم الذي لا يحتاج أن تُوصد فيه الباب بحجرٍ ثقيل.

الشيخ قال: "حين تعود من الجبل المقدَّس — عُد من هنا."

"سأعود."

"أعرف. الرجل الذي يُكمل هذا الطريق يُكمل وعوده أيضًا."

الموكب رافقهم عشرة فراسخ. الطبول والأعلام والناس سيرًا — حتَّى وصلوا إلى العريشة على الطريق حيث تُقام التوديعات، وهناك وُضعت موائد التوديع الأخيرة وشُرب الشاي وانفضَّ الجمع. الشيخ كو حمل عيناه ماءً حين ودَّع — ليس بكاءً، بل ذلك الشيء الذي يأتي حين تُكمِّل شيئًا انتظرته ستَّةً وعشرين عامًا وتجده أكبر وأعمق ممَّا توقَّعت.


ساروا أربعين فرسخًا — والنهار يميل إلى الغروب بتلك الطريقة التي يجعلها الضوء المنحرف يبدو وكأنَّه يُريدك أن تلاحظه. السماء تتحوَّل من الأزرق إلى اللون الذي ليس له اسمٌ واحدٌ محدَّد — بين النحاسيِّ والرماديِّ والبرتقاليِّ الخافت الذي تراه وتنساه في اليوم التالي ثمَّ تجده وقد عاد.

سانزانغ: "أين نبيت؟"

سون نظر أمامه. "ثمَّة بناءٌ على بعد فرسخ. مهجورٌ على ما يبدو."

باجي: "بدأت أمطرة؟"

"لا. لكن السحاب يتجمَّع."

"هذا يعني أنَّه سيبدأ."

سون لم يُجبه.

البناء — حين وصلوا — كان معبدًا صغيرًا قديمًا. عمودٌ واحدٌ انهار. الجدار الجانبيُّ شقَّ. لوحٌ فوق الباب يقرأ عليه سانزانغ: "معبد الضوء الخماسيِّ."

"هذا معبدٌ لولِيٍّ من أتباع بوذ قبل أن ينزل إلى الأرض — الضوء الخماسيُّ."

باجي: "مهجورٌ في كلِّ الأحوال."

"مهجورٌ لا يعني غير مُحترَم."

دخلوا. الغرف الجانبيَّة منهارة. الروازن في السقف. ركنٌ واحدٌ في الجهة الجنوبيَّة يبدو صامدًا بما يكفي.

ثمَّ بدأ المطر.

ليس مطرٌ رقيق — مطرٌ يأتي فجأةً كما تأتي الأشياء التي قرَّرت أمرها مسبقًا دون استشارة أحد. صوتٌ على ما تبقَّى من السقف — قطراتٌ تضرب الحجر المكسور وتُنتج ذلك الإيقاع الذي لا يتَّفق مع أيِّ إيقاعٍ آخر. بردٌ خفيفٌ في الهواء — ليس بردًا يُعذِّب، بل ذكيرُ الليل أنَّه ليل.

الأربعة في ذلك الركن الواحد الصامد — جالسٌ من يجلس وصامتٌ من يصمت. سانزانغ استخرج المسبحة وأمسكها دون أن يعُدَّ. سون ربط ساقَيٍّه تحته وأغمض عينَيٍّه — ليس نومًا. شاشاجو اتَّكأ على عصاه الهلاليَّة واستقرَّ. والثلاثة معًا في الركن كأنَّهم بُنوا هناك.

باجي فتح فمه. سون نظر إليه — عيونٌ لا تزال مغمضةً لكنَّ الوجه استدار.

باجي أغلقه.

المطر يقرع. الليل ينزل. والغرب — في اتِّجاهٍ لا يزال بعيدًا — ينتظر الصباح دون أن يتعجَّله أحد.