الفصل الخامس والتسعون: الأرنب اليشميُّ وابنة القمر
سون يكشف الأميرة المزيَّفة كوحش. المعركة في الهواء. ربَّة القمر تأتي بالحقيقة — الأميرة المزيَّفة أرنبُ اليشم، والأميرة الحقيقيَّة جنيَّةٌ من القمر.
في قلب القصر — أقصى ما يمكن أن يصل إليه الضجيج من الخارج — وقف سانزانغ في القاعة الداخليَّة مع الملك وحاشيته.
فتيات البلاط في صفَّيٍّن. موسيقى هادئة. شمعٌ في كلِّ ركن. هذا مكانٌ أُعدَّ بعناية لشيءٍ مهمٍّ ولا يعرف سانزانغ أنَّه يجلس في مركزه.
في قمَّة قلنسوة سانزانغ — شيءٌ صغيرٌ جدًّا يستريح على الزخارف المُطرَّزة. عيونٌ ذهبيَّة تُراقب كلَّ شيء.
جاءت الأميرة من الجناح الداخليِّ مع الملكة والحاشية. شكلٌ بشريٌّ كاملٌ وجميل. ثيابٌ من الحرير الذهبيِّ. وعلى رأسها — خيوطٌ رفيعةٌ من الضوء الذي لا تصنعه الذهب ولا اليشم.
سون رآه.
لحظةٌ واحدة — لحظةٌ يرى فيها البصيرٌ ما لا يرى غيره — ثمَّ همس في أذن سانزانغ: "معلِّمي. هذه وحشٌ."
سانزانغ همس: "كيف تتصرَّف؟"
"ابتعد خطوتَيٍّن."
ثمَّ سون نزل من القلنسوة بشكله الكامل ووقف في القاعة وصوته ملأها: "توقَّفي."
ما تلا ذلك كان بسرعةٍ لا تُترك فيها لحظةٌ فاصلة.
الملك تراجع. الملكة تراجعت. الفتيات تفرَّقن. الوحش — حين وصفها سون بهذا الاسم بصوتٍ لا يسمح بالشكِّ — نظرت إليه بنظرة المُكشوف الذي يُقدِّر المسافة بين موقعه وأقرب باب.
سانزانغ أمسك الملك بهدوءٍ وقال: "لا تخَف. تلميذي يُبيِّن الحقيقة. اصبر."
الوحش ألقت ثيابها. ليس تحوُّلًا مُقنِّعًا — بل تخلُّصٌ من الطبقة الخارجيَّة. تحت الحرير الذهبيِّ — شيءٌ أصغر وأسرع. ركضت نحو حديقة القصر الداخليَّة. من ناحيةٍ خلفيَّة — معبدٌ صغيرٌ لإله الأرض. من درجٍ حجريٍّ — سلاحٌ قصير سميكٌ من طرف وضيِّقٌ من الآخر، يُشبه المدقَّة التي تُطحن بها الأعشاب.
سون أخرج عصاه. "وهذا أيضًا."
المعركة في حديقة القصر بدأت بين الأشجار ثمَّ ارتفعت إلى فوق الأسوار وإلى الهواء.
المدقَّة — سلاحٌ غريبٌ لا يبدو كسلاح حين يراه الإنسان لأوَّل مرَّة. لكنَّه في يد من أتقن استخدامه طوال آلاف السنين في قصر القمر — حيث لا يتوقَّف الطحن ليلًا ولا نهارًا — يتحوَّل إلى أداةٍ ذات خِبرةٍ عجيبة: يدور بزاويةٍ لا يتوقَّعها السيف ولا العصا، ويُعطي ضرباتٍ أفقيَّةً من أسفل تُربك حتَّى من اعتاد المعارك. الأرنب يضرب ويتراجع، يضرب ويتراجع — لا يُريد الانتصار بقدر ما يُريد الإفلات.
سون يُعارض ويُلاحق. عصاه تحجب. الأرنب أسرع ممَّا يوحي به جسمه الصغير — سرعةٌ تُشير إلى أنَّ من اعتاد قصر القمر يتحرَّك بمنطقٍ مختلف. سبعون ضربةً في الهواء فوق الأسوار. ثمانون في فضاء القصر. تسعون على حافَّة السحاب.
نصف نهار من الضرب بلا حسم.
ثمَّ — الوحش تحوَّل إلى ريحٍ تصعد. سون شمَّ الاتِّجاه. الشمال الغربيُّ — نحو أبواب الجنَّة.
طار خلفه. وعند الباب الغربيِّ للجنَّة — ملائكةٌ حرَّاسٌ سمعوا صياح سون من بعيد وأغلقوا الباب.
الوحش توقَّف حين وجد الباب مغلقًا. استدار. المدقَّة في يده مرَّةً أخرى.
"أعرفك." سون.
"وأنا أعرفك — فارس السماء الفاشل منذ خمسمئة سنة."
"لكلٍّ منَّا تاريخه. سلاحك من أين؟"
"هذا ليس سلاحًا. هذه مدقَّة قصر القمر. طحنتُ بها الدواء الخالد آلاف السنين قبل أن أجيء لهذه الحكاية."
سون توقَّف. "قصر القمر."
"لعلَّك تفهم الآن."
عشرةٌ وشيءٌ من الضربات المتبادلة. ثمَّ الوحش تحوَّل مرَّةً أخرى — ذهبًا يتبدَّد في الهواء الجنوبيِّ. سون أمسك نفسه لحظةً ثمَّ طار خلفه نحو جبلٍ في الجنوب.
الجبل الذي وصل إليه — لم يجد فيه شيئًا يتحرَّك. بحث. طلب من إله الجبل وإله الأرض. قادوه إلى ثلاثة جحورٍ في الصخر. في الثالث — حجرتان كبيرتان أُسنِدتا إلى المدخل.
سون دفع الحجرتَيٍّن. الوحش في الداخل قفز بسرعةٍ ورفع المدقَّة.
معركةٌ قصيرة في فضاءٍ ضيِّق. ثمَّ الجبل مفتوح والهواء وسيع. الوحش في الهواء والسماء تُغلق.
في تلك اللحظة — صوتٌ من فوق.
"سون وكونغ. اترك يدك."
سون التفت.
نورٌ هادئٌ لا يشبه نور المعارك ولا نور الانتصار. ليس نورًا يأتي من الشمس ولا من النار — بل نورٌ يأتي من مكانٍ يسكن الليل دون أن يخشاه. سيِّدةٌ في سحابةٍ بيضاء محاطة بفتياتٍ ينضحن بالضوء الفضِّيِّ — ضوء القمر الكامل في منتصف نهارٍ لا يعرف كيف يستقبله. ربَّةُ القمر نفسها — ليس لأنَّ أحدًا استدعاها، بل لأنَّ حسابها جاء هو.
سون أنزل العصا. "سيِّدتي."
"ما تُقاتله الآن — أعرفه."
"أعرفه أيضًا منذ قليل. مدقَّة قصر القمر. أرنب القمر."
ربَّة القمر: "نعم. أرنبٌ من يشمٍ أبيض يطحن الدواء في قصري منذ آلاف السنين. قبل عامٍ من الآن — سرق مفتاح القصر وفرَّ. جئتُ لأنَّ حسابي يقول إنَّ موعد عقوبته اليوم. وأنا أُريد أن أُعيده لا أن يُدمَّر."
الأرنب — حين سمع صوت ربَّة القمر — توقَّف. وفي تلك اللحظة التي يتوقَّف فيها شيءٌ كبيرٌ فجأةً، يظهر ما كان مختبئًا خلف الضجيج. الأرنب أرخى المدقَّة ببطء.
ثمَّ قفز على الأرض وانطوى على نفسه.
سون نظر. "لكنَّه أخذ الأميرة الحقيقيَّة وألقاها في الجبل. هذا لا يُعفى منه بالإعادة البسيطة."
ربَّة القمر: "أعرف. وسأُعاقبه. لكنَّ عندي ما يُفسِّر: الأميرة الحقيقيَّة التي كانت في القصر — هي ليست أميرةً عاديَّة. قبل ثمانية عشر عامًا، هبطت جنيَّةٌ من قصر القمر إلى الأرض. ولدت في بيت الملك. هذه الأميرة."
"إذن—"
"إذن قبل ثمانية عشر عامًا — الفتاة التي صارت ابنة الملك ضربت الأرنب ضربةً فيها كبرياء. الأرنب حمل الضربة. وحين فرَّ — أوَّل شيءٍ فعله: ألقاها من حيث جاءت."
سون: "ثأرٌ قديمٌ بين جنِّيَّتَيٍّن."
"ثأرٌ لم يُجَز به أيٌّ منهما أن يُؤذي البشر. وكلٌّ منهما فعل أكثر ممَّا ينبغي."
سون نظر إلى الأرنب الصغير على الأرض. "ثمانية عشر عامًا. حمل الأرنب الضربة ثمانية عشر عامًا قبل أن يتصرَّف."
ربَّة القمر: "الجنِّيَّات لا ينسَيٍّن بسرعة. وحين يتذكَّرن — يتذكَّرن بالكامل."
"وهل الأميرة الحقيقيَّة — الجنِّيَّة التي هبطت — هل هي أيضًا تتذكَّر؟"
"هي تتذكَّر أين كانت. وتتذكَّر أين صارت. وتتذكَّر ملكًا ينتظرها في بيتٍ لم يعرف أنَّها جنِّيَّة يوم دخلت إليه."
الأرنب على الأرض لم يتحرَّك ولم يُقاوِم. شكله — حين كشفه وضعه — أبيضٌ كاللبن وأذناه طويلتان وعيناه حمراوان كأنَّهما نقطتا العتب.
ربَّة القمر قالت: "اذهب معهم. قابل الملك. ثمَّ عودي أخذك."
الأرنب أومأ.
في المدينة — الليل كان عميقًا حين هبطت سحابة ربَّة القمر فوق القصر. ضوءٌ فضِّيٌّ يتوهَّج في الهواء. فتيات القمر على جانبَيٍّ الطريق الهوائيِّ.
في الشارع — الناس خرجوا من بيوتهم حين رأوا النور. الملك خرج من قاعته. الملكة والحريم.
سون من الهواء صاح بصوتٍ يسمعه كلُّ من في المدينة: "ملك الهند. انظر ماذا أحضرنا. هذه ربَّة القمر وجنِّيَّاتها. وهذا الأرنب الأبيض — هو من كان في شكل ابنتك."
الأرنب على حافَّة السحابة يبدو صغيرًا جدًّا مقارنةً بما كان وما فعل.
الملك نظر بعيون ابتلعها الضوء. "أرنبٌ. ابنتي — كانت أرنبًا."
"نعم."
"وابنتي الحقيقيَّة؟"
سون: "في معبد الذهب المُفرَّق. ذلك الشيخ المئويُّ. الفتاة في الغرفة الخلفيَّة. غدًا — اذهب إليها."
باجي في تلك اللحظة رأى سحابة ربَّة القمر قريبةً بما يكفي. قرَّر — بمنطقه الخاصِّ الذي لا يُفسِّره أحدٌ لأحدٍ آخر — أن يُمسك بإحدى جنِّيَّات القمر ويُعلِّق.
ما تلا ذلك سريعٌ: سون نزل وأمسك أذن باجي بيدٍ واحدة وضربه بالأخرى. "هذا قصر القمر، لا حديقة."
باجي يُنكر: "مجرَّد تحيَّة."
"تحيَّتك للنساء لا تُعلَّق أحكامها عليها."
ربَّة القمر أدارت سحابتها دون التعليق على المشهد — وهذا في حدِّ ذاته نوعٌ من الاعتراف بما لا يُعلَّق عليه.
في الليل — الملك مع سانزانغ في قاعةٍ تضاءلت فيها الشموع إلى النصف. أكثر من نصف ليلةٍ مضت دون أن يقول أيٌّ منهما كلمةً كاملة. الملك ينظر في الشمعة. سانزانغ يجلس ويصمت — لأنَّ هذا وقت لا يحتاج فيه الشخص إلى الكلام بل إلى من يجلس معه.
"ابنتي. كلُّ هذا الوقت — ليست ابنتي."
"هي ابنتك بكلِّ ما عاشته معك. الجنِّيَّة التي نزلت إلى دارك وولدت فيها وعاشت معك ثمانية عشر عامًا — هذه ابنتك. القمر الذي أتت منه لا يُلغي ما كانت."
"وهي في ذلك المعبد بعيدًا."
"وتعرف من أنتِ. وتبكي بك ليلًا منذ عام."
الملك أطفأ الشمعة أمامه بأصبعَيٍّه ثمَّ نظر إلى الدخان الرفيع الذي تصاعد. "عامٌ كاملٌ وأنا لا أعرف أنَّ ابنتي ليست ابنتي — ولا أنَّ ابنتي الحقيقيَّة في جبلٍ لا يبعد عن المدينة بأكثر من صباح."
"أنت لم تكن تعرف. والذي يُؤلم ليس الجهل — الجهل لا يُؤلم حين يكون. يُؤلم حين يُعرَف."
صمتٌ طويل. ثمَّ الملك: "غدًا."
"غدًا."
في الصباح الباكر — قبل أن يستيقظ أحدٌ في القصر — سون سمع صوت الملك في الممرِّ. رجلٌ يمشي قبل الفجر لأنَّ النوم لم يأتِ. حين أشرق الضوء — كانت العربة الملكيَّة جاهزةً عند الباب.
موكبٌ ملكيٌّ نحو معبد الذهب المُفرَّق. سانزانغ في المقدِّمة. سون وباجي وشاشاجو في الجوانب. الملك في العربة الأولى. وعلى طول الطريق — ناسٌ توقَّفوا لينظروا دون أن يعرفوا تمامًا لماذا.
الشيخ المئويُّ في المعبد — حين رأى الموكب عند الباب — فتح الباب الخلفيَّ.
وفي الغرفة الضيِّقة التي لم تُرَ منذ عامٍ كامل إلَّا من خلف ثقبٍ صغيرٍ لتمرير الطعام — فتاةٌ جلست على حصيرةٍ قديمة. ثيابٌ مُهترئة. شعرٌ غير مُرتَّب. لكنَّ عينَيٍّها حين فُتح الباب — لم تغيِّرا شيئًا في القمر الذي منه أتت.
الملك رأى ابنته.
لا كلام هنا — ليس لأنَّ الكلمات تقصر بل لأنَّ ما يحدث في مثل هذه اللحظة يعيش خارج ما يُوصَف. أبٌ رأى ابنته بعد عامٍ كامل من الغياب. وهي رأت أباها بعد عامٍ كامل من الغرفة الضيِّقة وثقب الطعام الصغير. لا يعرف أنَّها جنِّيَّة ولا يحتاج أن يعرف — لأنَّ ما عاشاه معًا ثمانية عشر عامًا لا يُمحى بأصل.
الملك خطا خطوةً واحدة. الفتاة نظرت إليه. ثمَّ قامت ببطءٍ — ركبتاها وعكتاها قليلًا بعد طول الجلوس — وخطت نحوه.
سانزانغ ابتعد خطواتٍ وانتظر — يد مطويَّةٌ على يد، رأسٌ منحنٍ قليلًا، عيونٌ مغمضةٌ ليس خشيةً بل احترامًا لما لا ينتمي إليه. سون جلس على عتبة الباب الخارجيِّ ونظر في السماء — في الجانب الذي فيه القمر حتَّى لو كان النهار. شاشاجو وقف بصمته المعتاد — وهذا النوع من الصمت لا يأتي من الفراغ بل من معرفة ما يستحقُّ أن يُصمت أمامه. وباجي لأوَّل مرَّة منذ زمن — لم يُعلِّق على شيء.