الفصل الثاني والتسعون: اليراعة والبحر وأبواق الكركدن
سون يدخل الكهف كيراعةٍ لكنَّه يُفشِل الإنقاذ. الثلاثة يُؤسَرون. سون يطير إلى السماء، يستقدم نجوم الخشب الأربعة. الكركدنات تهرب إلى البحر الغربي وتُقبَض عليها.
حين عادوا إلى الكهف في منتصف الليل — سون رفع يده قبل أن يقترب باجي من الباب.
"انتظر."
"ما بك؟ نُكسر الباب ونُنقذ المعلِّم."
"لا أعرف أين المعلِّم في الداخل. وإذا دخلنا بالضوضاء وهو في خطرٍ قريب من الوحوش — فقد تكون الضوضاء هي السبب في أذاه."
شاشاجو: "إذن؟"
سون لم يُجِب بالكلام. نظر إلى باب الكهف الصخريِّ المُغلق، ثمَّ أغمض عينَيٍّه لحظةً. ثمَّ أخرج شعرةً واحدة من ذراعه وعضَّها وهمس كلمة. الشعرة في يده صارت ضوءًا يتراجع إلى الداخل — تحرَّك ذلك الضوء نحو الشقِّ في الصخر وصغر وصغر حتَّى اختفى.
باجي نظر إلى المكان الذي كان فيه سون. "صار ماذا؟"
شاشاجو: "يراعة."
الكهف من الداخل — صمتٌ ثقيلٌ أثقل من الجدران. الثيران العفاريت نائمون على الأرض والجدران وكلِّ ما وجدوا فيه استراحة. في الردهة — اثنان متكِئان على السيوف وعيناهما مُغمَضتان. في الممرِّ — ثلاثةٌ آخرون. في القاعة — لا شيء يتحرَّك.
اليراعة طافت فوق الرؤوس النائمة بجناحَيٍّن يحملان ضوءًا أبيض خافتًا. لم تصطدم بأحد. مرَّت عبر الممرِّ الثاني. ثمَّ الثالث — بابٌ نصفه مُسدَل. وخلف الباب — صوتٌ.
بكاء.
سانزانغ مقيَّدٌ بسلسلةٍ إلى العمود الخلفيِّ لغرفةٍ ضيِّقة بلا نوافذ. الضوء الوحيد في الغرفة كان خيط ضوءٍ أبيض أتى من اليراعة التي دخلت من تحت الباب.
سانزانغ رأى الضوء. توقَّف عن البكاء. ثمَّ قال: "يراعةٌ في يناير؟"
اليراعة حطَّت على الجدار أمامه. "أنا."
سانزانغ أجهش: "يا بُنيَّ."
"أنا هنا. أسمعك." ثمَّ أكمل: "قُلَّت السلاسل. عندي طريقة."
سون عاد إلى شكله — حجمٌ صغيرٌ بقدر ما يسمح به الفضاء الضيِّق للغرفة. سحب السلسلة بيدَيٍّه ومسحها من طرفَيٍّها معًا بطريقةٍ تعلَّمها من رحلةٍ سابقة — سرٌّ في التناسق بين الشدِّ والتحرير في اللحظة ذاتها. السلسلة انفكَّت حلقةً حلقة بلا صوتٍ يُذكر.
"الآن امشِ معي. بهدوء. خلفي بخطوة. لا تُحرِّك الهواء أكثر ممَّا تحرِّكه."
سانزانغ تبعه. الغرفة — الممرُّ — الردهة — كلُّ شيءٍ كان سيمشي.
ثمَّ — باجي.
باجي الذي كان ينتظر خارج الكهف مع شاشاجو وسمع صوتًا داخليًّا وقرَّر — بمنطقه الخاصِّ — أنَّ الوقت كافٍ للدخول. صوتٌ من الداخل. الثيران العفاريت صحت. والردهة التي كانت نائمةً قبل دقيقتَيٍّن صارت مليئةً بالأجساد المُستيقظة والصياح.
سون دفع سانزانغ نحو الباب وأشعل المعركة خلفه. لكنَّ الضجيج أيقظ الملوك الثلاثة. "الزج." "الدرع." "اخرجوا."
عند باب الخروج — سانزانغ فلت خارجًا. لكنَّ أحد الثيران اعترضه. سون انشغل بقطع الطريق. الملك الأوَّل جاء من الجانب. السلسلة الجديدة حول سانزانغ مرَّةً أخرى.
سون نظر. المعركة أكبر من الوقت. "بعد."
وفرَّ إلى الهواء الخارجيِّ وحيدًا.
باجي وشاشاجو لم يعرفا ما جرى حتَّى وصل سون إليهما وشرح. ثمَّ: "الآن ندخل ثلاثةً."
المعركة الليليَّة الثانية كانت في الساعة الثالثة حين يكون الجبل في أعمق هدوئه. ثلاثتهم ضدَّ الثلاثة الملوك. الضربات جاءت من كلِّ اتِّجاهٍ — باجي من اليمين، شاشاجو من الأمام، سون من الأعلى. لكنَّ الثيران مدرَّبة على القتال في المجموعات — كلٌّ منها يحمي الآخر بطريقةٍ لا تترك فراغًا حقيقيًّا.
حين أصدر الملك الثالث إشارته — الثيران العفاريت تدفَّقت من كلِّ مكان. وهذه المرَّة كانوا أكثر وأعمق غضبًا. باجي تعثَّر في جذعٍ تحت قدمَيٍّه. ثلاثة من الثيران أمسكوه ولم يتركوه.
شاشاجو وحيدٌ في المواجهة. دفع أمامه. دُفع. اثنان من الخلف. اثنان من الجانبَيٍّن. قاوم لكلِّ ثانيةٍ أطاقها.
ثمَّ لم يُطِق.
سون من الهواء رأى الاثنَيٍّن يُسحبان إلى الكهف. الباب يُغلق خلفهما. والليل لا يُقدِّم خيارًا.
ارتفع وحيدًا للمرَّة الثانية. المعركة التي فاز فيها الوحش اليوم — سون يعرف أنَّها لا تعني شيئًا عن الغد. اليوم الأوَّل في المعارك الصعبة يُعلِّم، واليوم الثاني يمتحن ما عُلِّم.
السماء قبل الفجر في اتِّجاه الغرب كانت فارغةً حين اخترقها سون نحو البوَّابة الشرقيَّة للجنَّة. عند البوَّابة — نجم الزهرة واقفٌ مع بعض حرَّاس الفلك يتحدَّثون في هدوءٍ من يقضي الليل بالعمل.
"ما الأمر يا سون؟"
"الثيران الثلاثة في الكهف — رأيتُ الملوك وقاتلتهم ومنعتُ انكسارهم. لكنَّني لا أعرف طريقة حاسمة."
"الثيران ذات الأبواق التسعة الأجناس؟ تلك وحوشٌ أقدم من كثيرٍ من الأشياء. لها من القوَّة ما يأتي من التأمُّل الطويل."
"أعرف طريقة؟"
"أعرف. نجوم الخشب الأربعة من برج الثور — أسد الخشب، ذئب الخشب، كبش الخشب، كلب الخشب. هؤلاء الأربعة هم من يُقدر على ثيرانٍ بهذه القوَّة."
"كيف أستدعيهم؟"
"باب الجادة — قاعة الملك."
نجوم الخشب الأربعة كانوا في مكانهم في فلك الثور حين وصل سون إليهم بعد مرسوم الملك. أربعةٌ من الهيئة الفلكيَّة يعرفون وظيفتهم — كلُّ واحدٍ منهم له شكله الحيوانيُّ الذي يتخذه حين يُقاتل. أسد الخشب له أسنانٌ بيضاء من ضوء. ذئب الخشب له عيونٌ لا تُغلق في المعركة. كلب الخشب سريعٌ بحيث يبدو وكأنَّه في مكانَيٍّن في آنٍ واحد. كبش الخشب ثابتٌ كالجبل ويضرب مرَّةً واحدة بدقَّة. لا يطرحون أسئلةً كثيرة — المرسوم في يد سون كافٍ.
"كركدناتٌ شمال شرقيٍّ؟"
"نعم. جبل التنين الأزرق."
"نعرف هذا الجنس."
الكهف في الفجر — سون أمام الباب مرَّةً ثالثة.
"أسلحة الملوك الثلاثة — أعيدوا معلِّمي ورفاقي."
هذه المرَّة — صوتٌ واحدٌ من الداخل قال لمن بجانبه: "جاء بمساعدة." ثمَّ: "اخرجوا ولا تتوقَّفوا."
الملوك الثلاثة خرجوا بأسلحتهم والثيران خلفهم. لكنَّهم حين رأوا نجوم الخشب الأربعة واقفين في الهواء — حدث شيءٌ لم يحدث في كلِّ معارك هذا الجبل: الملوك الثلاثة تراجعوا.
"ليسوا من البشر."
"اركُضوا."
في ثانيةٍ واحدة — الثيران الثلاثة تخلَّوا عن أشكالهم الإنسانيَّة وصاروا ما هم بالأصل: ثلاثة كركدنات ضخمة ذات أبواقٍ مُضيئة تعدو في اتِّجاه الشمال الشرقيِّ بسرعة تجعل الهواء يئنُّ خلفها.
اثنان من النجوم — أسد الخشب وكلب الخشب — انطلقا خلف الكركدنات. ذئب الخشب وكبش الخشب دخلا الكهف لإنقاذ الأسرى.
شاشاجو رأى النجومَيٍّن يدخلان الكهف. قال: "جئتما."
"أرسلنا سون."
باجي من الزاوية: "أخبروني لاحقًا. أوَّلًا — يدايَ."
الأسرى الثلاثة — سانزانغ وباجي وشاشاجو — خرجوا من الكهف ووصلوا إلى الهواء الخارجيِّ وقفوا لحظةً في الفجر الذي كان يبدأ في تحريك الألوان على الجبل. سانزانغ تنفَّس ببطء كمن يُعيد تعريف ما حوله — هواءٌ أوَّل بعد ليلٍ طويل في الكهف. باجي فور خروجه دخل مرَّةً أخرى ليُفتِّش ما في الكهف من أشياء ذات قيمة يمكن حملها — المرجان والعنبر والزجاج والأحجار. شاشاجو جمع ما تبقَّى بطريقة المُنظَّم الذي يعرف أنَّ الفوضى تُضيع الثمين. ثمَّ باجي حرَّك النار — جمع ما جفَّ من الأعشاب والأخشاب وأضافها في الزوايا.
كهف التسعة الانعطافات في جبل التنين الأزرق أُحرق حتَّى صار ركامًا أسود لا يُعرف منه شيءٌ عمَّا كان.
البحر الغربيُّ — الكركدنات وصلت إليه مُنهَكةً وغاصت في العمق. ليس خوفًا ساذجًا — الكركدن يعرف أنَّ قوَّته في الماء تُضاعَف. الأبواق تشقُّ الماء كالمناجل وتفتح مسالك تحت الموج بسرعةٍ لا يُقاربها شيءٌ في الهواء. خلفها النجمان يطيران حتَّى السطح ثمَّ ينزلان.
سون فوق الموج، مُمسكٌ بعصاه، ينظر إلى الماء يبتلع الثلاثة. "نزلوا."
النجمان نزلا. وفي العمق — لقاء مع ذلك النجم الذي يأكل الوحوش حتَّى في مياهٍ لا يُرى فيها شيء — نجم البئر، الذي شكله في المعركة فمٌ كبيرٌ وأسنانٌ أكبر. كركدنٌ واحدٌ أُكل قبل أن يُتاح لأحدٍ وقتٌ للنهي عنه.
ملك البحر الغربيِّ أرسل ابنه بالجنود حين سمع الضجيج في مياهه. جنودٌ بحريُّون بمناجل وأبواقٍ بحريَّة من نوعٍ مختلف. المعركة في قاع البحر بين النجوم والجنود البحريِّين وما تبقَّى من العفاريت كانت معركةً لا يسمعها أحدٌ على السطح — لكنَّها خُضت حتَّى النهاية. الكركدنان المُتبقِّيان فقدا الاتِّجاه في الأعماق حين صار كلُّ طريقٍ مسدودًا بجندي.
الكركدنان الناجيان رُبطت أبواقهما بحبالٍ من عشب البحر وأُخرجا من الماء يتقاطران أمام سون.
في مدينة جين بينغ — الحاكم وعلماؤه وكبار الأعيان استمعوا إلى سون أمام قصر الحاكم. سون لم يُطِل. وقف أمامهم وقال بصوتٍ لا يُناسب الرجل القصير لكنَّه مناسبٌ لكلِّ ما عاشه في هذا الجبل: "وحوشٌ تتنكَّر كآلهة وتأخذ زيتكم ألف سنة. هذا آخر عامٍ يفعلون فيه ذلك."
الكركدنان مُدانان. الأبواق أربعة في المجموع من الثلاثة الذين أحدهم أُكل. واحدٌ من الأبواق — لنجوم الفلك يُقدِّمونه هديَّةً للملك دليلًا على إتمام المهمَّة. واحدٌ لسون يحمله معه إلى جبل اللوتس في النهاية — هديَّةٌ للبوذا من رحلةٍ ما زالت تمشي. واحدٌ للمدينة دليلًا على أنَّ من يمنع الكارثة يستحقُّ أن يرى بقايا ما كان يُخوِّفه. الرابع في المخزن العامِّ شاهدًا على ألَّا عودة لما مضى.
أعلن الحاكم على الملأ في ساحة المدينة بصوتٍ سمعه من في الشوارع القريبة جميعًا: لا مزيد من زيت العيد. لا مزيد من الجباية على المئتَيٍّن والأربعين عائلة. وأُقيم تمثالٌ بالأسماء وحُفرت عليه أسماء الأربعة الحجَّاج وأسماء نجوم الفلك الأربعة تخليدًا لما حدث.
المدينة احتفلت. ضيوفٌ ودعواتٌ وطعامٌ لم يُحصَ. باجي قضى أسعد أيَّامٍ في الرحلة كلِّها. شاشاجو جلس وأكل بهدوءٍ وشكر كلَّ من شكره. سانزانغ يقرأ في المساء ويُدرِّس في الصباح.
شهرٌ كامل مرَّ. المئتان وأربعون عائلةً دعوتهم واحدةً واحدة وأطعمتهم وشكرتهم. باجي أكل بقدر ما يأكل جيشٌ صغير وشكر كلَّ من شكره بنفس الجملة. شاشاجو قال "شكرًا" بطريقته الخاصَّة وهي أن يجلس ويأكل بحضورٍ كامل حتَّى يُحسَّ من يُطعمه أنَّه لم يُسرِف في طبخه. سون أكل ما قُدِّم له ولم يشكُ ولم يمدح — حضورٌ حقيقيٌّ من غير طقس. سانزانغ أكل القليل وتكلَّم كثيرًا عن الطريق والحكمة وما تعلَّمه الحجُّ حتَّى الآن.
في فجر اليوم الأخير — سانزانغ أيقظ سون: "نرحل الآن."
"والمدينة؟"
"ستفقدنا غدًا أيضًا. الفرق أنَّ غدًا لن تُودِّعنا وستتأخَّر الرحلة بيومٍ آخر. الآن."
باجي حين أُيقظ قبل الفجر قال الجملة ذاتها التي يقولها كلَّ مرَّة — شيءٌ عن الجوع وشيءٌ عن التعب — ثمَّ نهض لأنَّ النهوض أسهل من الجدال مع سانزانغ حين يتكلَّم بصوتٍ لا يرتفع كثيرًا لكنَّه لا يتحمَّل المعارضة.
فتحوا باب المعبد بهدوء لا يُوقظ النائمين. الشارع في هذه الساعة فارغٌ إلَّا من القمر الذي يبدأ في التراجع والريح الباردة التي تسبق الفجر بنصف ساعة. الجهة الغربيَّة أمامهم.
مشوا.