الفصل الحادي والتسعون: فوانيس الذهب وآلهة السرقة
الحجَّاج يصلون إلى مدينة السراج الذهبيِّ. ثلاثة وحوش تتنكَّر كبوذيِّين لسرقة زيت العيد. سانزانغ يُختطف. سون يُطارد إلى جبل التنين الأزرق.
المدينة التي وجدوها بعد خمسة أيَّام من مغادرة يوهوا لم تكُن مدينةً عاديَّة.
كانت مدينة جين بينغ — مدينةٌ يعيش فيها الناس بطريقة من يعرف أنَّ شيئًا جميلًا يأتي في نهاية كلِّ شتاء. الأسواق مفتوحةٌ والأصوات متعدِّدة والشوارع ذات حركةٍ كأنَّ المدينة تنبض بدل أن تمشي. الناس حين رأوا سانزانغ نظروا إليه بنظرة من يرى ما كان يتمنَّى أن يُوجد. وحين رأوا سون وباجي وشاشاجو تفرَّقوا في الاتِّجاهات الأربعة بسرعةٍ مختلفة.
"يبدو أنَّنا تعوَّدنا على هذا." باجي ينظر خلفه إلى الجموع المبتعدة.
"نعم." سانزانغ. "تعوَّدنا."
في بداية الطريق الداخليِّ للمدينة — معبدٌ اسمه معبد سحابة الرحمة. اسمٌ على باب من خشب الصنوبر يبدو وكأنَّه موضوعٌ هناك منذ أكثر ممَّا يتذكَّر أيُّ أحد. دخلوا.
المعبد من الداخل كان له غرفٌ كثيرة وفناءٌ بوسطه شجرةٌ قديمة. الراهب الذي استقبلهم لم يُبدِ مفاجأة من سون أو باجي — أو على الأصحِّ، أبدى المفاجأة ثمَّ تحكَّم فيها بمهارةٍ من يُؤمن أنَّ الصواب هو استقبال الغريب دون أن يُعلن استغرابه.
"قادمون من الصين الكبرى؟"
"منها." سانزانغ.
الراهب خرَّ أرضًا.
سانزانغ رفعه. "لماذا تفعل هذا؟"
"لأنَّ كلَّ من في هذه البلاد يتمنَّى أن يُولَد في الصين الكبرى. أنتم أتيتم من هناك ومررتم بكلِّ هذه المسافة. لستُ أُبالغ حين أقول إنَّ هذا يستحقُّ السجود."
قدَّموا الشاي. جلسوا. في الزاوية — رهبانٌ آخرون ينظرون ثمَّ يتحوَّلون حين يلتقي بصرهم ببصر سون.
في النهاية — الراهب ذكر العيد.
"اليوم الثالث عشر من الشهر الأوَّل. العيد الكبير بعد يومَيٍّن. جسر الفوانيس الذهبيَّة. لا تغادروا قبل أن تُشاهدوه."
"ما هو جسر الفوانيس الذهبيَّة؟"
"ثلاثة قدور من الذهب الخالص بحجم الأحواض. فيها فوانيس من حرير وزجاج رقيق. وفيها زيتٌ لا تجده إلَّا هنا — زيت العنبر المُركَّب. رائحته تملأ نصف المدينة. تُشعَل ليلة الخامس عشر ثمَّ ليلة السادس عشر. في الثالثة الصباح — الزيت ينتهي."
"ينتهي كلُّه في ليلتَيٍّن؟"
"ينتهي في ليلةٍ واحدة وأحيانًا أقلَّ. يقول الناس إنَّ الآلهة تنزل وتأخذه."
سانزانغ قرَّر البقاء. ليس من حبِّ الراحة — لكن لأنَّ الحجَّاج الذين يسيرون نحو الغرب بسرعةٍ لا تسمح لهم بالتوقُّف يصلون إلى ما يُريدون أحيانًا بأجسادٍ أنهكت روحها قبل أن تُنهي جسدها. سون لم يُعارض. كلُّ مدينةٍ فيها شيءٌ يُعلِّمه إيَّاها، وهذه لها فانوسها وزيتها وناسها الذين يعيشون بمنطقٍ لم يتوقَّف أحدٌ ليسأله عن صحَّته.
الليالي الثلاث الأولى مرَّت بالشعائر المعتادة في معبدٍ يعرف الطريق. سانزانغ صعد إلى البرج وطهَّر كلَّ طابقٍ منه بالصلاة والمكنسة — شعيرةٌ قديمة يؤدِّيها حين يجد برجًا لم يُطهَّر منذ زمن. باجي انتظر في الأسفل. شاشاجو حمل رداء سانزانغ من طابقٍ لطابق. سون جلس في فناء المعبد ينظر إلى السماء بعينَيٍّه الذهبيَّتَيٍّن دون أن ينظر إلى شيءٍ بعينه.
الليلة الخامسة عشرة — ليلة العيد الحقيقيَّة.
الشوارع كانت مختلفةً بشكلٍ يصعب وصفه لمن لم يرَها. كانت مضاءةً ليس فقط بالمشاعل بل بالفوانيس التي تملأ الهواء من المستوى الأوَّل إلى أعلى ما تصل إليه اليد. كلُّ بيتٍ له فانوسه. كلُّ حارةٍ لها طابعها. أشكالٌ من حيوانات وأسماك وطيور محمولةٌ في الهواء بالخيوط والعصي. وأسفل كلِّ هذا — الناس يمشون ببطءٍ لا لأنَّهم متعبون بل لأنَّ السرعة هنا تُضيع التفاصيل.
سون وباجي وشاشاجو ساروا في المدينة مع الرهبان. باجي ينظر إلى الطعام المعروض على جانبَيٍّ الطريق بنظرةٍ تُشير إلى أنَّ التكيُّف الديني لا يغلب الطبيعة في كلِّ وقت. شاشاجو يمشي ويحمل. سون يُراقب الهواء.
جسر الفوانيس الذهبيَّة كان في نهاية الطريق الرئيسيِّ للمدينة.
ثلاثة قدور من نحاسٍ مطعَّمٍ بالذهب بارتفاع رجلٍ ونصف — لكلٍّ منها شكلٌ ثماني الأضلاع حُفر على جانبَيٍّه رسومٌ لأسماكٍ وطيور وأشكال من لهب تلتفُّ حول بعضها. في كلٍّ منها — فوانيس من خيوط الحرير مشدودة على هياكل حديدٍ رقيقة تُشبه عصب الجناح. واثنتان وأربعون مشعلةً ضخمة بحجم ذراع الإنسان تحترق في كلِّ واحد. والرائحة — رائحةٌ ثقيلة عذبة كأنَّها تجمع زهور الشتاء وعطور الخشب القديم والحليب المُغلى والعطر الجافِّ في آنٍ واحد. من يقف على بُعد عشرين خطوةٍ يشعر بدفءٍ لا يأتي من النار بل من الرائحة نفسها.
سانزانغ اقترب. قال: "زيتٌ كهذا يُقدَّم للآلهة. من يُحضره؟"
الراهب: "مئتان وأربعون عائلةً من أعيان المنطقة. كلُّ عائلةٍ تدفع مئتَيٍّن وأكثر من الفضَّة في السنة. مجموع الثلاثة قدور — ألفٌ وخمسمئة رطل من زيت العنبر."
"وينتهي في ليلتَيٍّن."
"في ليلةٍ واحدة حين تنزل الآلهة."
سانزانغ نظر إلى الفوانيس. "هذا غريب. الآلهة التي تأخذ الزيت لا تترك البركة."
الراهب لم يُجِب.
ثمَّ الريح.
جاءت من لا مكان وذهبت إلى لا مكان كما تفعل الريح التي لا تُشبه طبيعتها أيَّ ريحٍ طبيعيَّة. وفي قلبها — ثلاثة أضواء على شكل أجسادٍ بشريَّة في هيئة الأقمار الثلاثة حين تصطفُّ في ليلةٍ لا سحاب فيها.
الناس حول الجسر تراجعوا. الرهبان انحنوا. الراهب الكبير همس: "الآلهة جاءت."
سانزانغ أسرع نحو الجسر. لم يُفكِّر — رجلٌ يُؤمن برؤية الإلهيِّ لا يُفكِّر حين يُؤمن أنَّه يراه. وصل إلى الجسر وانحنى.
سون كان خطوتَيٍّن خلفه. شيءٌ ما في الريح لم يكُن صحيحًا — رائحةٌ تحتها رائحةٌ أخرى. الضوء الثلاثيُّ لا يشبه أيَّ ضوءٍ رأى سون مصدره الحقيقيَّ من قبل. "معلِّمي—"
لكنَّ الأضواء تحرَّكت. الريح صارت أشدَّ لثانيةٍ واحدة. والقدور انطفأت واحدًا واحدًا.
وسانزانغ اختفى.
في الظلام الذي تلا انطفاء الفوانيس — سون شمَّ الريح. استدار. الشمال الشرقيُّ.
"باجي، شاشاجو — ابقيا هنا. الرهبان معكم. المعبد مفتوح."
"وأنت؟"
"أتبع."
طار سون في الريح نفسها التي أخذت سانزانغ. الليل والجبال والهواء الذي يشمُّ فيه الوحش قبل أن يرى صاحبه. طار حتَّى طلع الفجر.
الجبل الذي وجده في الصباح كان طويلًا وأسود اللون في أعلاه كأنَّ أحدًا حرَق قمَّته قبل زمنٍ طويل. في المنحدر — أربعةُ رجالٍ يسوقون ثلاثة خراف أمامهم ويُهلِّلون بصوتٍ عالٍ.
سون عرفهم — ليسوا رجالًا. حرَّاس الزمن الأربعة يتنكَّرون كرعاةٍ. الخراف الثلاثة في إشارةٍ قديمة تعني فتح الطريق.
"أين سانزانغ؟"
الحرَّاس أظهروا أنفسهم. "كنَّا نبحث عن طريقةٍ لنُخبرك. الجبل اسمه جبل التنين الأزرق. والكهف — كهف الظلِّ العميق. الذين أخذوا سانزانغ ثلاثة — يُسمَّون ملك الحرِّ وملك البرد وملك الغبار. هم يُضيؤون أجسادهم ويتصنَّعون صورة الآلهة كلَّ عيدٍ لأخذ الزيت. يُحبُّون أكل البشر المُطهَّين به."
"منذ متى؟"
"ألفٌ من السنين أو يزيد. كانوا يأتون في كلِّ عيدٍ ويأخذون ويرحلون قبل الفجر. لم يُؤذوا أحدًا في البداية فاعتقد الناس أنَّهم يرون البركة الإلهيَّة."
"ألم يُنبِّهكم أحدٌ؟"
"نبَّهنا. لكنَّ الناس اعتقدوا أنَّ من لا يُؤذيهم لا يمكن أن يكون وحشًا. وكان الزيت يُصرف بانتظام فزادوا الإيمان."
سون هزَّ رأسه ببطء. "مشكلةٌ قديمة." وأخذ العصا.
الكهف كان بابٌ صخريٌّ ثقيلٌ نصفه مفتوح. على يمينه صخرةٌ بنقش: "جبل التنين الأزرق — كهف الظلِّ العميق."
سون صاح: "من أخذ معلِّمي — أعِده."
صوتٌ لا يُعلن ضعفًا ولا يُنذر بتهديدٍ أفرغ من معناه. صوتُ من يطلب ما يعرف أنَّه سيأخذه في النهاية بطريقةٍ أو بأخرى.
الباب فُتِح بالكامل. عفاريتٌ برأس الثور تتدفَّق — ليست بشعةً على نحوٍ بسيط، بل لها ذلك البُعد الذي يجعل من رآها يتوقَّف لثانيةٍ قبل الحركة. تباطؤٌ يسبق الخوف لا الخوف نفسه.
ثمَّ الثلاثة.
خرجوا بعد جنودهم. أجسادٌ ضخمة لها من الحجم ما لا تحمله عادةً الوحوش التي تختبئ في كهوف. الأوَّل في رأسه شعرٌ دافئٌ كأنَّه محاطٌ بدفءٍ مصطنع حتَّى في يناير. الثاني خفيفٌ كمن لا تُوقفه الحرارة أيًّا كانت. الثالث صوتٌ منه يُشبه الرعد حين ينخفض في الجبل.
"سون وكونغ." قالها الأوَّل دون ترحيب ودون عداوةٍ صريحة — كمن يُسمِّي شيئًا رآه من قبل في القصص.
"سمعتُم اسمي."
"سمعنا."
"إذن تعرفون لماذا أنا هنا."
"أعِد معلِّمي."
"راهبُك عندنا مكتوبٌ له وقتٌ. ليس الآن."
"أعده."
المعركة التي تلت كانت من النوع الذي يُعطي الجبل شكلًا جديدًا إذا طالت. الثلاثة ضدَّ سون — الفأس الواسعة والسيف الطويل والعصا المُعقَّدة، كلٌّ منها بأسلوب صاحبه. سون بعصاه يُقابل الثلاثة بالتناوب — يُعطي الواحد ما يحتاج ثمَّ ينحرف للثاني ثمَّ للثالث قبل أن يُعيد الأوَّل.
مئةٌ وخمسون ضربة بلا نتيجةٍ حاسمة. سون يُقاتل بطريقة من يعرف أنَّ الهدف ليس هزيمة الواحد بل إبقاء الجميع مشغولًا ريثما يجد الفتحة. الفتحة لم تأتِ. الثلاثة وحوش بأساليب مختلفة — الأوَّل ضربٌ مباشر بلا تردُّد، والثاني أوسع مدى يُريحه الفضاء المفتوح، والثالث أبطأ لكنَّه يُتعب من يُواجهه بتراكم الحركات لا بضربةٍ واحدة.
حين أقبل الظلام — الثالث من الملوك الثلاثة أدار عصاه في الهواء بحركةٍ واضحة كلُّ من رآها عرف معناها. من هذه الإشارة — الثيران ذات الرؤوس انهالت من كلِّ جانب، من الشقوق ومن خلف الصخور ومن الغابة التي وراء الكهف. جنودٌ لا يُعدُّون في ليلٍ لا يُرى فيه كثير. سون قدَّر أنَّ ليلةً كهذه ليست الوقت الصحيح. ارتفع.
"غدًا."
لم يسمعه أحدٌ لكنَّه قاله لنفسه كوعدٍ لا كتهديد. الفرق بينهما معروفٌ لمن عاش بما يكفي — الوعد شيءٌ يُقال لأنَّك ستُوفي به، لا لأنَّك تُريد أن يخاف الآخر.
حين عاد إلى المعبد — باجي وشاشاجو ينتظران بطريقتَيٍّن مختلفتَيٍّن تمامًا. باجي يجلس ويُحرِّك يديه بحركاتٍ لا يعرف أحدٌ ما تُعبِّر عنه. شاشاجو واقفٌ عند الباب كأنَّه لم يتحرَّك منذ غادر سون.
"المعلِّم بخير لكنَّه محتجز. الثلاثة وحوشٌ في شكل ثيران — آكلو بشرٍ يتنكَّرون كآلهة لألف سنة لسرقة الزيت. حاربتُهم يومًا كاملًا بلا حسم."
شاشاجو: "إذن نذهب الآن. الليل يُربك الحُرَّاس."
باجي: "أخيرًا رأي صحيح."
سون: "نعم. نذهب الآن."
الثلاثة طاروا معًا تحت القمر وفوق المدينة التي لا تزال بعض فوانيسها تحترق في الشوارع، بقيَّة عيدٍ لم ينته بالنسبة لمن لا يعرف ما جرى على الجسر. من الأرض كانوا يبدون كثلاثة أضواء تسير في الهواء — لكنَّ هذه الأضواء الثلاثة تحمل أسلحتها وتعرف وجهتها. شاشاجو في المؤخِّرة طار بصمته المعتاد — لكنَّ يده على عصاه كانت تُخبر كلَّ من يعرف قراءة الأجساد أنَّه جاهزٌ قبل أن يُسأل. باجي طار بنظرة من يُؤدِّي واجبًا غير سعيدٍ به لكنَّه لن يتخلَّى عنه. والثلاثة معًا — أسرع ممَّا جاؤوا.