الفصل التسعون: جيش الأسود وسيِّد الشرق
معركة السبعة أسود. الجدُّ التسعة الرؤوس يبتلع الجميع. سون يفرُّ ليلًا ويطير شرقًا نحو قصر المعالجة الإلهيَّة لاستدعاء صاحب الأسد.
الجيش الذي جاء في الصباح لم يكُن كالجيش الذي كانوا يتوقَّعونه.
في الساعة التي يصحو فيها النهار ويتحرَّك الهواء أوَّل حركةٍ حقيقيَّة، وقف سون وباجي وشاشاجو خارج أسوار مدينة يوهوا لمواجهة ما جاء من الجبل. سبعة أسود — لا واحدٌ ولا ثلاثة — يسيرون في تشكيلٍ كمن رتَّبه قائدٌ يعرف ما يفعل. الأسد الذهبيُّ في المقدِّمة كالقائد الذي يُريد أن يُثأر لنفسه. على اليمين — أسد أبيض ضخم كثيف الشعر يشبه ثلجًا يتحرَّك، وبجانبه آخر صامتٌ كالحجر. على اليسار — أسدان بعيني من يجمع الليل ويُخزِّنه في نظرةٍ واحدة. في المؤخِّرة — أسدٌ بلون الجبل تحت الرماد وآخر كالبرق الجانبيِّ حين يُضيء وضوءَه ثوانيَ. وفي الوسط — شيءٌ لا يشبه أيًّا منها.
في الوسط كان الجدُّ.
لم يكُن كبيرًا فقط. كان له تسعة رؤوس، وكلُّ رأسٍ ينظر في اتِّجاهٍ مختلف كأنَّ كلَّ واحدٍ منها يرى عالمًا مستقلًّا لا يراه غيره. جسمٌ واحدٌ يجمعها والتسعة تتنفَّس معًا. الصوت الذي سمعوه صباحَ أمس — هذا الصوت العميق الذي لا يشبه أيَّ شيءٍ عاشوه من قبل — كان صوته.
باجي وقف وهو ينظر إلى التسعة رؤوس. "هذا—"
"لا وقت." سون أمسك عصاه.
المعركة التي تلت كانت من النوع الذي يُرسم على الجدران لا يُحكى بالكلام.
باجي انطلق أوَّلًا بمنجله نحو الأسد الذهبيِّ — ثأرٌ شخصيٌّ من ليلة الوليمة التي سُرق فيها اسمه. الأسد الذهبيُّ استقبله. تبادلا ضرباتٍ خمسًا لم يُهزم فيها أيٌّ منهما بشكلٍ حاسم. ثمَّ من الجانبَيٍّن — أسد الثلج وأسد الجبل رميا بعصًا من حديدٍ ثقيلةٍ وعمودٍ مُثلَّث الأوجه. باجي استدار. لكنَّ العمود جاء من الخلف حين كان وجهه في مكانٍ آخر. ضربةٌ على الظهر. السقوط.
الأسدان أمسكا باجي من الأذنَيٍّن والذيل معًا وحملاه إلى الجدِّ.
شاشاجو حين رأى ذلك مدَّ عصاه أمامه ودخل في الاتِّجاه الصعب — نحو وسط العفاريت. سون معه. أربعة أسود من الجوانب الأربعة. سون سحب شعرةً من ذراعه وعضَّها وأطلقها في الهواء — صوتٌ واحد وكلمة. من تلك الشعرة انبثق مئةٌ وعشرون من سون، كلُّ واحدٍ منهم يحمل عصا ويُقاتل بنفس السرعة. محيطٌ كاملٌ من العصي يلفُّ الأسود الأربعة. شاشاجو من الخارج ينضمُّ. من الداخل — أسد الشروق وأسد البرق يتعثَّران في الضربات المُتعاقبة.
عند المساء: اثنان مُقبَضان. اثنان فرَّا في الظلام.
لكنَّ الجدَّ لم يكُن في المعركة.
حين كان سون وشاشاجو يُطوِّقان الأسود في الميدان، صعد الجدُّ في الهواء بلا صوت. تسعة رؤوس تطير في خطٍّ واحد نحو الأعلى — نحو أسوار المدينة. الجنود على السور رأوه وتراجعوا. بعضهم قفز. البعض تجمَّد. أحدٌ لم يبقَ في مكانه بعد نظرةٍ واحدة في عينَيٍّه التسعة عشرة.
دخل من الأعلى. وجد في الجناح الملكيَّ سانزانغ يقرأ وملك يوهوا يجلس بجانبه. البنون الثلاثة قريبون. في فمٍ أوَّل — سانزانغ. في فمٍ ثانٍ — باجي الذي كان أسيرًا في الأسفل. في ثلاثة أفواهٍ — الملك والأمراء. ستَّةٌ في ستِّ أفواه. ما تبقَّى من أفواهٍ — فارغٌ ينتظر. ثمَّ الطيران العائد نحو الجبل.
سون سمع الصياح من الأسوار. اتَّجه. المدينة بلا ملك. السماء بلا ظلِّ الجدِّ. الأفواه التسعة أغلقت على الجميع واختفت.
في الصباح الثاني، سون وشاشاجو طارا نحو جبل العقدة — جبلٌ طويلٌ يجمع بين الأشجار الداكنة والحجر الأبيض المُتشقِّق كأنَّه كُسر ثمَّ التأم. على القمَّة رأيا عفريتًا صغيرًا بوجهٍ أزرق يُهرول بين الأشجار. حين رآهما مشى في الاتِّجاه المعاكس بسرعةٍ متزايدة. ثمَّ ركض. ثمَّ اختفى في الحجر.
الكهف كان باب صخرتَيٍّن ثقيلتَيٍّن. عليه نقشٌ: "جبل العقدة الخيزرانيَّة. كهف التسعة الانعطافات."
طرقا. لم يُجَب. دخلا بالعصا.
الجدُّ في الداخل استقبلهما بلا حديث. تسعة رؤوس فتحت أفواهها وبلعت الاثنَيٍّن بحركةٍ واحدة مُحسوبة كأنَّه كان ينتظر هذا بالذات.
في الكهف — ربطوهما. العفاريت الثلاثة الصغار الذين فرُّوا من المدينة جاؤوا بأعواد الصفصاف وبدأوا الضرب على رأس سون. سون لم يتحرَّك. جسمٌ تدرَّب على الصهر والنار وجبل الغضب لا يشعر بأعواد الصفصاف. لكنَّه جلس ودع الأعواد تنكسر. ليس كبرياءً — بل لأنَّه كان يُفكِّر.
الجدُّ سمع باجي والأسرى الآخرين يتوجَّعون، ثمَّ توجَّه إلى غرفةٍ في العمق. "ابدأوا بالقرد غدًا. الليلة دعوه يتعذَّب بالتفكير."
في منتصف الليل — حين الأعواد انكسرت والعفاريت تثاءبوا ثمَّ ناموا بمنجل الإرهاق — استخدم سون ما يعرف: قلَّص جسمه حتَّى صار بحجم ما يمكن أن يمرَّ من العُقدة. انزلق من الحبل. وقف. العفاريت الثلاثة ينامون بجانب مشاعلهم المُخمدة كأنَّهم أُسقطوا بيدٍ غير منظورة.
أخرج عصاه. "نمتم على عملكم."
الضربة الواحدة كافية للثلاثة. ليست قسوةً — هم من بدأ.
أيقظ شاشاجو. خففَّ قيوده. كادا يصلان للباب. ثمَّ باجي — الصوت الذي لا يُمكنه الصمت حتَّى في الأزمات — صاح: "أخي، يداي تورَّمتا. أنا أوَّلًا."
الصوت أيقظ الجدَّ.
سون قال لشاشاجو: "اركُض." وأطفأ المشاعل بنفسه وكسر الأبواب الثلاثة بعصاه وخرج وحده. شاشاجو لم يصل — الجدُّ التقطه في الظلام ورجع به. سون وصل إلى الهواء الخارجيِّ وحيدًا.
فوق المدينة — أرواح الأماكن خرجت لاستقباله. إلهٌ صغيرٌ للمدينة وآخر للجبل وبعض الحرَّاس الإلهيِّين الذين لا يُرون في النهار. ركعوا.
"لماذا لم تساعدوا؟"
"لأنَّ هذا الوحش أقدم من صلاحيَّاتنا. لكنَّنا نعرف من هو."
"قولوا."
"اسمه التسعة الأرواح. وهو في الأصل مركبةٌ. ليس وحشًا مستقلًّا — هو أسدٌ تابعٌ لسيِّدٍ في قصر المعالجة الإلهيَّة في أقصى الشرق. ذلك السيِّد هو من يملك عصام التسعة رؤوس."
سون سمع. ثمَّ تحرَّك.
قصر المعالجة الإلهيَّة — قصرٌ لا يُشبه أيَّ قصرٍ رآه سون في مسيرته. ليس ضخمًا فقط. ضخمٌ بطريقةٍ هادئة كأنَّه لا يحتاج أن يُعلن عن نفسه. الأبواب من حجرٍ أبيض بنقوشٍ خضراء. الهواء حوله مختلفٌ — أثقل قليلًا وأبرد. على المدخل ولدٌ صغيرٌ من الخدم يرتدي حُلَّةً من ضوءٍ وسحابة.
"من أنت؟"
"أنا سون وكونغ. جئتُ لمقابلة صاحب الأسد التسعة الرؤوس."
الولد دخل. خرج. "سيِّدي يستقبلك."
السيِّد جالسٌ على عرشٍ من اللوتس التسعة الألوان في وسط ضوءٍ لا تُعرف له مصدرٌ محدَّد. يبدو كمن لا يشيخ لأنَّه قرَّر منذ أمد بعيدٍ ألَّا يفعل. نظر إلى سون بنظرةٍ تشمل المسافة كلَّها من هنا إلى وقوف سون على الجبل في أوَّل رحلته.
"سمعتُ بك. أنت تحمل الكتب غربًا."
"كنتُ أفعل. لكنَّ أسدًا تبعنا من مدينةٍ اسمها يوهوا وابتلع معلِّمي ورفاقي وملكًا وأبناءه. وهذا الأسد تسعة رؤوس. وقالوا لي إنَّه ملكٌ لك."
السيِّد لم يُبدِّل تعبيره. "خادم الأسد."
صبيٌّ تقدَّم من خلف الستائر — صغيرٌ نعسان الوجه كمن لم يصحُ بعد بشكلٍ كامل. "نعم سيِّدي."
"أين الأسد؟"
الصبيُّ سكت. ثمَّ قال: "لا أعرف سيِّدي."
"كيف لا تعرف؟"
"في بيت الأقداح — رأيتُ قدحًا لا أعرفه وشربتُه دون تفكير. صحوتُ بعد ثلاثة أيَّام. الأسد لم يكُن."
السيِّد نظر إلى سون: "ذلك القدح كان إكسيرًا للدورة الكاملة — يُنيم من شربه ثلاثة أيَّام بالحساب الإلهيِّ. يوم واحدٌ هنا = سنةٌ هناك."
سون: "إذن ثلاثة أيَّام هنا = ثلاث سنوات هناك."
"الأسد موجودٌ عند الجبل منذ ثلاث سنوات بحسابكم." ثمَّ للصبيِّ: "قُم. أنت مذنبٌ بإهمالك وستُعاقَب لاحقًا. لكنَّنا نذهب الآن."
جبل العقدة — الثلاثة وصلوا والآلهة الصغار ركعوا خارج الكهف. الباب مُغلق. سون استعدَّ لكسره.
السيِّد أشار بيده. "لا. أنا أستدعيه."
صوتٌ واحد خرج من فم السيِّد — لم يكُن عاليًا لكنَّه سافر عبر الحجر كأنَّ الحجر لم يكُن موجودًا. "يا أسدي، عُد."
من الداخل — صمتٌ. ثمَّ ارتجاجٌ خفيف. الباب انفتح من الداخل. تسعة رؤوس ظهرت في فتحة الباب وحين وقعت على سيِّدها — انخفضت. الأرض. القوائم الأربع تفتُّ على الحجر. تسعة رؤوس على الأرض في وقتٍ واحد.
خادم الأسد جرى نحوه. وقف فوق الرقبة الأمامية. "فعلتَها. هربتَ وتركتني أُعاقَب بسببك." ضرب الرقبة بيده مئةً وعشر ضربات والأسد لم يتحرَّك ولم يُصدِر صوتًا.
السيِّد وضع السرج على ظهره. ركب. الأسد نهض. السيِّد نظر نحو سون: "خُذ معلِّمك ورفاقك وعُد بسلامة."
ثمَّ طار الأسد التسعة الرؤوس شرقًا وصاحبه على ظهره حتَّى لم يبقَ منهما في الهواء إلَّا خطٌّ رفيعٌ ثمَّ لا شيء.
سون دخل الكهف. سانزانغ في الزاوية. الملك والأبناء بجانبه. باجي لا يزال يُمسك رُسغَيٍّه المتورِّمَيٍّن وشاشاجو يجلس بصمتٍ مُعتادٍ كأنَّه اختار هذا الانتظار عن سابق دراية.
"أخيرًا." باجي.
"جئتُ." سون. ثمَّ بدأ حلَّ العُقَد.
حين خرجوا جميعًا — باجي التفت إلى الكهف من الخارج. "نحرق؟"
سون: "نحرق."
حريق الكهف كان من النوع الذي يُقال فيه "أحسنتَ" لا من النوع الذي يُرثى له. الجدران السوداء. الدخان يخرج من التسعة انعطافات. وأخيرًا — صمت الجبل بعد أن خرجت كلُّ النيران.
العودة إلى مدينة يوهوا كانت بالحمل والتعاون. شاشاجو على ظهره أحد الأمراء. باجي على ظهره آخر. الملك يمشي بمساعدة سون. سانزانغ في المنتصف يقرأ كلَّ خطوةٍ بتحمُّلٍ هادئ.
في المدينة — الحرَّاس فتحوا الأبواب والناس خرجوا من البيوت واحدًا واحدًا ثمَّ اثنَيٍّن اثنَيٍّن حتَّى امتلأ الشارع بأناسٍ يشاهدون عودةً لم يكونوا متأكِّدين أنَّها ستحدث.
الملكة نزلت من الجناح الداخليِّ حين سمعت الصياح. رأت أبناءها الثلاثة. لم تقُل شيئًا لدقيقةٍ كاملة.
الأسود الستَّة المُكبَّلون في المدينة ذُبحوا. لحمهم قُطِّع. الملك أمر بتوزيعه على أهل المدينة — لكلِّ بيتٍ حصَّة. ليس ترفًا بل احتفالًا بأنَّ ما خُسر عاد وأنَّ الخوف الذي عاشوه له نهاية.
الأسلحة جاهزة — الحدَّادون أنهوا عملهم. عصا سون بوزنها، ومنجل باجي بعدد أسنانه، وعصا شاشاجو البيضاء. الأمراء أمسكوا أسلحتهم الجديدة وتدرَّبوا. سون أمضى أيَّامًا يُعلِّمهم — لا الضربات فقط بل كيف يفكِّر الجسم حين يُقاتل، وكيف تُفرَّق الطاقة على اثنتَيٍّن وسبعين طريقة دون أن تُكسَر. الأمراء تعلَّموا بسرعةٍ يعرف سون مصدرها — القوَّة التي أعطاها لهم في بداية هذه الرحلة لا تزال فيهم.
يوم الرحيل — الملك قدَّم صينيَّةً من الذهب والفضَّة. سون ردَّها. "نحن لا نحمل هذا."
باجي من الجانب: "لكن ثوبي مزَّقه الأسد."
الملك ابتسم. أمر الخيَّاطين بثلاثة أثواب — كلٌّ حسب لون صاحبه. خرجت الأثواب في ساعة. لبسوها.
الشارع حين خرجوا كان مختلفًا عن الشارع حين دخلوا. البخور من نوافذ البيوت. الأطفال على الأسوار. الطبول التي تضرب إيقاعًا لا وداعًا بل احتفالًا. ساروا حتَّى البوَّابة الغربيَّة. ثمَّ وراءها — الطريق مفتوحٌ نحو الأبعد.
سون لم يلتفِت. هكذا كلُّ مدينةٍ خلفها — لا لأنَّه لا يهتمُّ، بل لأنَّ ما أمامه يحتاج كلَّ نظرةٍ يملكها.
سانزانغ مشى. الغرب أمامهم. الطريق لا يزال طريقًا.