موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل الخامس والثمانون: الملك يرى الدرس ومكيدة الوحش

الخروج من مملكة إبادة الدين بعد أن عفا الملك عن الرهبان. ثمَّ جبلٌ جديد وعاصفةٌ مصطنعة وباجي يقع في فخِّ الوحش الجائع.

سون وكونغ باجي سانزانغ مملكة كهينفا الجبل الجديد المكيدة الفصل الخامس والثمانون

الصندوق المختوم مازال في الديوان حين جاءت رائحة الطعام من بعيد — الطبَّاخون في القصر يبدؤون عملهم مُبكِّرًا. باجي بالداخل يشمُّ الهواء. "أشمُّ زيت السمسم. وخلَّ. وثوم."

شاشاجو: "اسكُت."

"لستُ أشكو. أُوثِّق."


الديوان استيقظ على الأزمة. المسؤولون وصلوا بأيدٍ على رؤوسهم. البعض بقبَّعات مُتعجِّلة. البعض بالعمائم مُنسدلة على عيونهم لأنَّها فقدت ما كانت تتَّكئ عليه. أحدهم وصل يُمسك بيده وشاحًا أفرغ نفسه عليه كأنَّه قرَّر في الوقت الضائع أن يتحوَّل إلى إمرأة بدلًا من مواجهة القاعة أصلع.

الإمبراطور استدعى كبير الوزراء. كبير الوزراء جاء بعمامةٍ كبيرة تنهار على أُذنَيٍّه. وقف في مكانه ولم يتكلَّم.

"الصندوق الذي أحضره الجيش ليلةً الأمس — افتحوه."


الحرَّاس فكُّوا الختم. رفعوا الغطاء. باجي كان أوَّل من رأى الضوء — خرج بقفزةٍ واحدة ونهوضٍ مُباشر وقال: "صباح الخير." ثمَّ رأى القاعة وتوقَّف. "واو."

الجنود انقلبوا. البعض هرب خطواتٍ للخلف. البعض رفع سيفه ثمَّ خفَّضه ثمَّ رفعه ثانيةً دون أن يُقرِّر.

سون خرج وساعد سانزانغ على الوقوف. شاشاجو خرج وحمل الأمتعة. أربعتهم وقفوا في قاعة الديوان — تانغ الكبير وتشو الثالث وشا الرابع وسون الثاني — وإن كانت العمائم والثياب العلمانيَّة قد جعلت منهم تجَّار خيولٍ معقولي المظهر على الأقل.

الإمبراطور نزل من على عرشه وتقدَّم خطواتٍ للأمام. نظر إلى سانزانغ. نظر إلى سون. نظر إلى وجوه كلِّ الموجودين.

"من أنتم؟"

سانزانغ نزع عمامته. رأسٌ محلوق. رداء راهبٍ أسفل الثوب العلمانيِّ. "راهبٌ من الشرق في طريقه غربًا لأخذ الكتب المقدَّسة من أرض بوذا."


صمتٌ طويل. الإمبراطور أمسك عمامته. تحت العمامة — رأسٌ محلوق كرأس سانزانغ تمامًا.

"إذن... حدث هذا بسببك."

"حدث هذا من مراحمٍ أعلى منَّا جميعًا."

الإمبراطور نظر إلى سقف القاعة. نظر إلى الوزراء كلِّهم بعماملهم المُرهقة وعيونهم التي تنتظر. ثمَّ نظر إلى أكاميَّه السابق — الإمبراطورة دخلت القاعة بوشاحٍ كثيف على رأسها وعيونٌ لم تنَم.

"دعوني أُوضِّح ما حدث: كلُّنا — أنا وأهلي وجيشي ومسؤولوَّ مملكتي — أصبحنا رهبانًا في ليلةٍ واحدة دون أن نختار."

"هذا صحيح تمامًا."

"وأنتم كنتم في صندوق مختوم في ديواني."

"أيضًا صحيح."

الإمبراطور أطال النظر. ثمَّ في لحظةٍ لا تُنبئ بها أيُّ مقدِّمة — ضحك. ليس ضحكةً صغيرة. ضحكةً كاملة من بطن رجلٍ أُزيل عنه عبءٌ لم يكن يعرف كيف يُزال.

"يا رهبان السماء — ما الذي تريدون؟"

سون: "وثائق العبور. وأن تُحرِّر من تبقَّى من الرهبان في سجونك. وأن تُغيِّر اسم مملكتك."

"اسم المملكة؟"

"مملكة إبادة الدين — اسمٌ يُشير إلى شيءٍ لم يعُد صحيحًا. سمِّها مملكة احترام القانون. أو اخترك أيَّ اسمٍ يُشير إلى أنَّ الأمر اختلف."

الإمبراطور التفت إلى كبير وزرائه. الوزير لا يزال يُمسك عمامته بيدٍ واحدة. "اكتُب: 'مملكة كِهِينفا' — مملكة الحرمة للقانون."


جُهِّز المجلس. الطعام جاء على موائد طويلة — خبز ومرق وفواكه وأطباق لم يرَها باجي من قبل بترتيبٍ يجعل كلَّ واحدٍ منها يبدو دعوةً مستقلَّة. باجي حين رأى حجم الوليمة التزم الصمت بصدقٍ تامٍّ وجلس. التزام الصمت من باجي أمام الطعام يعني أنَّ الموضوع جديٌّ. الحوار تُرك لسانزانغ وسون.

الإمبراطور في ذلك الوقت أرسل إلى السجون. جاء الرهبان — مئاتٌ منهم بملابس رثَّة ووجوهٍ تحمل سنواتٍ من الانتظار. حين دخلوا قاعة الاستقبال ورأوا سانزانغ جالسًا — بعضهم بكى دون أن يعرف لماذا يبكي تحديدًا.

سانزانغ قام وتقدَّم إليهم. "انتهت المحنة."

رجلٌ بشَعرٍ أبيض في منتصف الجماعة قال: "ثمانية أشهر."

"أعرف. اذهبوا بسلام."


سون تسلَّم وثائق العبور وختمها من ثلاثة مسؤولين مختلفين حتَّى لا يبقى في ذلك شكٌّ — شعرات قديمة تُعلِّمه أنَّ الختم الواحد يكفي لمسؤولٍ صادق ولا يكفي لبوَّابةٍ تحرسها الشكوك. باجي حمل كيسًا صغيرًا من التمر أعطته له إحدى خادمات القصر وقال شكرًا بصوتٍ حقيقيٍّ دون مبالغة. خادمةٌ أخرى ملأت جرَّة الماء للحصان. الحصان شرب دون شكر.

غادروا المدينة في الضوء الكامل. الإمبراطور نفسه أوصلهم إلى البوَّابة الغربيَّة مع حرسٍ صغير. حين وصلوا إلى البوَّابة قال للإمبراطور سون: "إن أردتَ أن تبني ما هُدم — ابدأ باثنَيٍّن: عدل الحاكم وصبر المحكوم. البقيَّة تبني نفسها."

الإمبراطور أومأ أوَمأةً من يكتب.


مشوا ساعاتٍ بعد خروجهم من المدينة. الطريق يفتح على أرضٍ خضراء. سانزانغ على الحصان مرتاحٌ كمن أُنقذ من شيءٍ لا يزال يُدرك حجمه.

"سون — حين فعلتَ ما فعلتَ ليلتها — كيف كنتَ واثقًا من أنَّه سيفهم؟"

"لم أكن واثقًا. كنتُ واثقًا من أنَّ الناس حين يُصبحون ما اضطهدوه — يفهمون."

سانزانغ: "هذا — هذا جوابٌ فيه شيءٌ من الحكمة رغم صاحبه."

"رغم صاحبه؟"

شاشاجو قال بهدوئه المعتاد: "حين يتوافق الحكيم وعصا التجمُّد على نتيجةٍ واحدة — عادةً لا تُعلِّق."

باجي أكل تمرةً ثالثة وقال: "فلسفةٌ لمن يريد. أنا سعيدٌ بتمري."


لكنَّ الطريق لم يبقَ هادئًا.

في منتصف النهار — جبلٌ ظهر في الأفق أسرع ممَّا يظهر الجبال عادةً. سانزانغ شدَّ العنان. "انظر. ذلك الجبل — فيه شيءٌ غريب."

سون كان ينظر بالفعل. "ريحٌ لا تُناسب الجوَّ. وضبابٌ لا سبب له في هذا الوقت من النهار."

"وماذا يعني هذا؟"

"يعني أنَّ هناك من يتعمَّد أن يُبدو الطريق مُقلقًا."

سانزانغ: "وهذا يعني أنَّه فعلًا مُقلق."

"أو يعني أنَّ هناك شيطانًا يُريدنا قلقين. الفرق مهمٌّ."


سون طار للأعلى واستطلع. تحت — عند الصخرة الكبيرة على حافَّة الطريق — وحشٌ جالسٌ. جسمٌ كبير وعيون ذهبيَّة وتحته ثلاثون أو أربعون عفريتًا صغيرًا مُرتَّبين في صفوف كمن تدرَّبوا على هذا.

الوحش يُحرِّك يده — يدٌ كبيرة بمخالب سوداء — فتشتدُّ الريح. يتوقَّف فيهدأ الضباب. يتوقَّف ثمَّ يبدأ من جديد. هذا وحشٌ ممتعٌ بالريح التي يصنعها.

سون ابتسم وعاد.

"ماذا رأيتَ؟" — سانزانغ.

"رأيتُ وحشًا يعتقد أنَّ الريح ترهبنا. رأيتُ أيضًا حوالي أربعين عفريتًا ينتظرون في مكانٍ ما سيبدو مباغتةً حين يحدث."

"وأنت ستفعل ماذا؟"

"لن أفعل شيئًا الآن. عندي فكرة."

التفت إلى باجي. باجي أكل تمرةً أخيرة ونظر في الكيس الفارغ بعيون الحداد.

"باجي."

"ماذا؟"

"الجبل أمامنا — قيل إنَّ في قريةٍ صغيرة خلف الصخرة الكبيرة رجلًا يُقدِّم طعامًا مجَّانيًّا للمسافرين. أرز مع خضروات. وشيء آخر فاتني اسمه لكنَّه مقليٌّ."

باجي وضع الكيس الفارغ. "قلتَ مجَّانًا؟"

"مجَّانًا للمسافرين المتعبين. تعبتَ؟"

"منذ الفجر."

"اذهب من تلك الطريق." — أشار سون إلى مسلك ضيِّق يُفضي نحو الجبل. "حيِّ بلطف. واسأل."

شاشاجو بصوتٍ منخفض لا يسمعه باجي: "تُرسله إلى الوحش."

سون أيضًا منخفض: "إن كان باجي لا يستطيع أن يُقاتل هذا الوحش فلن أستطيع أنا أن أُخبره بذلك مُسبقًا."


باجي تحوَّل إلى راهبٍ قصير نحيف وتقدَّم نحو الجبل وهو يدقُّ خشبة التنبيه بإيقاعٍ ينمُّ عن حماسة زائدة. وجد مسلكًا ضيِّقًا. سار. لم يكن فيه أيٌّ مطبخ.

ثمَّ من الصخرة الكبيرة — عفاريت الوحش. خرجوا من ثلاثة اتِّجاهات في آنٍ. "راهب — إلى أين؟"

باجي رمى حجاب الراهب القصير جانبًا وأخرج المنجل التسعيَّ الأسنان. "تصادف أنَّني أنا الذي جاء أوَّلًا. تعالوا."

المعركة في وادي الجبل — باجي يُحارب وحيدًا ضدَّ العفاريت الصغار. يُبعدهم خطوات. يُعيدهم إلى البداية. المنجل يضرب يمينًا ويسارًا وصوته يُقلق الصخور. العفاريت لا يُصرَعون لكنَّهم لا يتقدَّمون.

ثمَّ جاء الوحش بنفسه. العصا الحديديَّة تضرب المنجل فتُطيِّر باجي متراً واحداً للخلف. باجي وقف. نظر.

"هذا وحشٌ كبير. أكبر منَّا."

ثمَّ ارتفع الوحش في الهواء مطلقًا ريحًا جديدة.


سون الذي كان يتابع من الأعلى رأى باجي يتراجع. نزل. "أنا هنا."

باجي: "أين كنتَ؟"

"أتأكَّد من أنَّ الوحش مشغولٌ بك أوَّلًا."

"تأكَّدتَ؟"

"تأكَّدتُ."


المعركة اتَّسعت. سون بعصاه والوحش بالحديد. الأرض تقلَّعت تحت ضرباتٍ لم تهدف إلى مرمًى بقدر ما هدفت إلى مسافة. الوحش يُسرع يُسرع — ثمَّ ينسحب فجأةً مع بقيَّة العفاريت إلى الغار في الجبل.

ذهبت الريح. ذهب الضباب. الجبل عاد جبلًا عاديًّا في عشر ثوانٍ.

سون وقف ينظر إلى مدخل الغار. الوحش انسحب. الانسحاب لم يكن هزيمةً — كان قرارًا.

"هذا وحشٌ يُفكِّر."

شاشاجو الذي لحق بهم: "ماذا سيفعل؟"

"يتشاور. ثمَّ يُجرِّب طريقةً أخرى."

سانزانغ وصل على الحصان. "هل انتهت المواجهة؟"

"هذه الجولة."


تقدَّموا في الطريق. الجبل خلفهم الآن. أمامهم وادٍ فيه ظلٌّ كثيف. الحصان يمشي بإيقاعٍ منتظم.

سانزانغ: "سون — هذا الوحش الذي رأيته من الأعلى — هل كان كبيرًا؟"

"كان كافيًا."

"كافيًا لماذا؟"

"كافيًا لأن يُشكِّل مشكلة. وصغيرًا بما يكفي لأن تُشكِّل له مشكلة."

"هذا تقييمٌ غريب."

"هذا تقييمٌ عمليّ. الوحوش لها أحجام. الأحجام لها تكتيكات. هذا وحشٌ متوسِّط الحجم كبير التخطيط. يعني سيعود."

باجي من الخلف: "حين يعود — هل يُمكن أن يعود بعد العشاء؟ أفضِّل أن أكون قد أكلتُ."

شاشاجو: "إن كنتَ ستُقاتل تعود مُشكلة التمر."

"تمرٌ واحد بعد العشاء. كدواء."


الليل جلسوا في وادي الظلِّ. باجي طهى شيئًا بسيطًا من مؤونة الطريق. الجبل في الخلف ساكت. لا ريح لا ضباب.

سانزانغ جلس يقرأ. سون جلس يُراقب الجبل. شاشاجو نظَّف أسلحته بيدٍ ثابتة. باجي وزَّع الطعام على الجميع وأعطى نفسه الحصَّة الأكبر بطريقةٍ تبدو طبيعيَّةً جدًّا.

"سون — ماذا تقرأ في الظلام؟"

"لا أقرأ. أُفكِّر."

"في ماذا؟"

"في اسم الوحش."

"تعرفه؟"

"لا. هذا ما أُفكِّر فيه."

باجي: "حين تعرفه أخبرنا. الاسم مهمٌّ ليس لأنَّه يُخيف بل لأنَّه يُفيد حين تذهب تشتكي للسماء."

سون نظر إليه. "أحيانًا أُفاجأ بك."

"أعرف. هذا جزءٌ من السحر."


في الغار على الجبل — الوحش جالسٌ في صمته. العفاريت الصغار منتشرون. خمسةٌ منهم جلسوا في الخلف يُحاولون أن يبدوا غير موجودين بعد أن رجعوا بضرباتٍ واضحة من المنجل.

الوحش يُفكِّر. العصا تدور في يده.

الطريقة المباشرة فشلت. الراهب الأبيض عنده حمايةٌ تستحقُّ الحساب. الأصحاب الثلاثة ليسوا حراسًا عاديِّين.

لكنَّ الراهب يجب أن يصل إلى بوَّابة التنين قبل المرحلة التالية. والطريق إلى هناك يمرُّ من هنا. هذا يعني أنَّ الوقت لصالح من ينتظر لا لصالح من يُسافر.

وحشٌ يُفكِّر في الليل — دائمًا أخطر من وحشٍ يُقاتل في النهار. والليل مازال طويلًا والطريق لا يزال مفتوحًا — وهذا يكفي لمن يملك خطَّةً تنتظر الفرصة المناسبة للتحوُّل إلى فعل.

وفي وادي الظلِّ — سانزانغ وضع كتابه وقال بهدوء: "سون، أشعر بالقلق."

"الشعور بالقلق يعني أنَّ تنبُّهك يعمل."

"لا. يعني أنَّ هناك شيئًا لم ننتهِ منه."

سون لم يُجِب. نظر إلى الجبل. الجبل نظر إليه بظلامه الكامل دون أن يُعطيه جوابًا.