الفصل الثاني والثمانون: الكهف اللانهائي وسون داخل بطن الشيطانة
باجي يستطلع الكهف بحيلة ودماثة. سون ينزل إلى الأعماق ويجد سانزانغ. خطَّة التفَّاحة الحمراء تنجح. الشيطانة تحمل سانزانغ على ظهرها إلى الخارج.
باجي نزل إلى الوادي وحده. خطواته في الوادي هي خطوات من لا يزال يُحاول أن يُقنع نفسه بأنَّ هذا اختيارٌ لا أمرٌ تلقَّاه.
بعد خمسة أميال وجد بئرًا. عند البئر امرأتان تسحبان الماء — شعرٌ مُرتَّبٌ بطريقةٍ لا تختارها النساء العاديَّات وعيونٌ فيها زاويةٌ تُخبر من يعرف كيف ينظر. باجي عيَّن الفارق في رأسه. كان الخيار أن يُناديهما بما يُناسبهما ولا يُزعجهما. لكنَّ باجي في الحسابات السريعة يختار الصراحة.
"أيَّتها الشيطانتان."
السطلان الحديديَّان طارا من أيديهما. في ثانيتَيٍّن كانت الأولى تضرب وكانت الثانية تضرب وكانت أذن باجي في يدٍ لا تُشبه يد من يسمع للكلام. ركض إلى الأعلى بيدَيٍّه على أذنَيٍّه.
"عُد. الأمر خطِر جدًّا. الشيطانتان شرسان."
سون: "ماذا قلتَ لهما؟"
"سلَّمتُ عليهما بشكلٍ مناسب."
"ماذا قلتَ تحديدًا؟"
صمت. "ناديتهما بالشيطانتَيٍّن."
سون نظر إلى السماء ثمَّ عاد إلى باجي. "كم سنة أنت مع هذا الطريق؟"
"كافية."
"وكافية تعني أنَّك تعرف أنَّ أهل كلِّ مكان يستحقُّون عنوانًا مناسبًا."
سون أغمض عيونه لحظةً. "الشيء اللطيف في الدنيا يصل إلى كلِّ مكان. الشيء الخشن يصل إلى الجدار الأوَّل فقط. اذهب مرَّةً أخرى وناديهما بـ'يا سيِّداتي'."
"وإن ضربتاني مرَّةً أخرى؟"
"لن تضرباك."
باجي تحوَّل — الجسد الضخم اختفى ومكانه راهبٌ سمينٌ وجهه قاتمٌ وعيناه صغيرتان ووجهه يُشبه من يُحاول أن يبدو طيِّبًا. نزل ومشى ببطء — تلك الخطوة التي تقول: أنا لا أُسرع لأنَّي لا أُريد أن أُرعب.
"يا جداتي الكريمتَيٍّن، راهبٌ متعبٌ يُسلِّم عليكما."
الاثنتان نظرتا إليه. "هذا الراهب محترم. نعم، ماذا تُريد؟"
"سيِّداتي، في هذه المنطقة، من يسكن؟"
"سيِّدتنا في الأسفل في الكهف. الليلة استقبلت ضيفًا مميَّزًا — راهب التانغ الكبير. نحن نجلب الماء النقي لإعداد مأدبةٍ نباتيَّة. السيِّدة ستتزوَّج منه الليلة."
باجي شكرهما بكلِّ الأدب وحين ابتعد إلى مسافةٍ تُتيح له الركض — ركض.
"سانزانغ في الأسفل في الكهف. الشيطانة تُريد أن تتزوَّجه الليلة."
سون: "تزوَّجه؟"
"المأدبة النباتيَّة وكلُّ شيء."
باجي في نبرةٍ مختلفة: "الباقي من مؤونتنا في الأمتعة. الحصان يستطيع أن يجد الطريق وحده إلى البحر. أنا أعرف طريقًا إلى—"
"لا."
"سون—"
"المعلِّم في الكهف ينتظرنا. أنت ذاهبٌ معي."
شاشاجو أمسك بالحصان. باجي حمل مطرقته. سون تتبَّع المرأتَيٍّن من بعيد — خطوةً بخطوة — حتَّى اختفتا عند نقطةٍ في الصخر. البحث عن مدخل الكهف. وُجد: حجرٌ أملسٌ بحجم الدار في منتصفه فتحةٌ مثل فوهة الجرَّة — مصقولٌ بالاستخدام الطويل.
لوحةٌ خشبيَّة فوق الفتحة، الخط فيها ثابتٌ كأنَّه يُريد أن يُطمئن من يقرأه: "جبل الهواء الخالي — كهف القعر اللانهائيِّ."
باجي: "اسمٌ صادق على الأقلِّ."
سون انحنى فوق الفتحة ونظر. الظلام ثمَّ ظلامٌ أعمق ثمَّ شيءٌ لا اسم له. "ثلاثمئة ليٍّ."
"كيف تعرف؟"
"أعرف."
باجي: "إذن لا يُمكنني الدخول. إن سقطتُ لم أصل إلى القاع في حياتي."
سون نظر إليه. "أنت تبقى هنا مع شاشاجو على الفتحة. من يخرج تمسكانه. سواء أنا أو المعلِّم أو الشيطانة. أفضل لو امسكتماها قبل أن تعود إلى الداخل."
وقفز دون أن يُضيف كلمةً أخرى.
السقوط ليس كالسقوط العادي — الريح من الأسفل تُعادل الجاذبيَّة وتُعطي ما يُشبه الطيران الإجباريَّ. أضواءٌ رديئة تبدأ بعد مئة ليٍّ. ثمَّ أضواء. ثمَّ — ضوءٌ حقيقيٌّ.
في قاع الكهف: حديقة.
أشجارٌ وزهور وثمارٌ وريحٌ دافئة لا تأتي من فتحةٍ مرئيَّة. السقف بعيدٌ لا يُرى — كأنَّ الأرض أعلاه لم تعرف أنَّ هنا أحدًا يحتاج سقفًا. سون وقف وأدار عيونه في كلِّ اتِّجاه. قال في نفسه: "الأرض أعمق ممَّا تُخبر سطوحها. في الشرق كانت عيون الماء تبني عوالم تحت الصخر. هنا — نفس الفكرة لكن باستخدامٍ مختلف."
أمام الحديقة: بوَّابةٌ من خشب الصنوبر. خلفها أصوات.
سون تحوَّل — ذبابةٌ صغيرة لا تزن شيئًا. طار إلى الباب ووقف على إطاره.
بالداخل: الشيطانة.
لكنَّها ليست كما كانت في الغابة ولا في المعبد. هذه هي الصورة التي تحفظها لنفسها — الشعر مُرتَّبٌ كالسحاب الداكن والثوب أخضر والخدَّان فيهما ما يُحيِّر من يرى بعيونٍ عاديَّة. تجلس في الجناح وتأمر الخادمات.
"أسرعن في إعداد المأدبة. راهب التانغ يأكل ويشرب الليلة معي."
سون طار إلى الداخل. في رواقٍ شرقيٍّ خلف شبكةٍ من الورق الأحمر — سانزانغ جالسٌ والدموع على خدَّيٍّه.
طار إليه ووقف على رأسه الحليق. "يا معلِّمي."
سانزانغ جلس بهدوءٍ تامٍّ أكثر ممَّا يوحي بالأمان ثمَّ ارتعش حين عرف الصوت وسكن في نفس اللحظة. "سون — نجِّني. أُرجوك."
"المعلِّم في مأدبةٍ نباتيَّة. لها خطَّةٌ لا أفهمها تمامًا لكنَّ النتيجة التي تُريدها واضحة."
"خطَّتها واضحة ومُفصَّلة وأنا لن أُنفِّذها."
"لن تحتاج. أنا هنا." صمت. "الخروج من هذا الكهف ليس كالدخول — من فوق إلى الأسفل سهل. من الأسفل إلى الأعلى يحتاج إلى معرفة الطريق. الشيطانة وحدها تعرف."
"إذن؟"
"الطريقة الأفضل هي أن تدخل بطنها وتُخرجها من هذا الكهف تحمل المعلِّم على ظهرها."
سانزانغ: "أيُّ معنى لهذه الجملة؟"
"حين تجلس معها على المأدبة وتسكب لك كوبًا من الشراب — اقبله. حين تسكب له كوبًا في المقابل — اسكبه بسرعة كافية لتكوَّن رغوة. أنا سأكون في الرغوة. حين تشرب تبتلعني. وأنا أتكفَّل بالباقي."
"يا سون — هذا ليس—"
"يا معلِّمي، الكهف عمقه ثلاثمئة ليٍّ والشيطانة تعرف الطريق وأنا لا أعرفه. هذا هو الحلُّ الوحيد."
صمتٌ طويل. ثمَّ: "كن معي."
جاءت الشيطانة إلى الرواق. "يا معلِّمي الطيِّب، تعال."
الأولى كانت المأدبة — طاولاتٌ طويلة بالفاكهة والخضروات والأطباق المُرتَّبة التي كلَّفت جهدًا. شمعٌ. عطر. الشيطانة تجلس وتُقدِّم الكوب.
سانزانغ أخذ الكوب. نظر إلى الأعلى — الطريقة التي ينظر بها حين يُصلِّي في داخله. ثمَّ شرب.
ردَّ الكوب. ملأه بيده بسرعةٍ كافية — رغوةٌ بيضاء على السطح.
الشيطانة أخذت الكوب وقبل أن تشرب — رأت شيئًا صغيرًا في الرغوة. حشرةٌ صغيرة. أخرجت إصبعها ودفعتها بعيدًا.
سون — الحشرة — طار. رأى الأمر لم ينجح. تحوَّل بسرعة: نسرٌ بالمخالب الصفراء والعيون الذهبيَّة. طار من بين الأكل والطاولات وضرب بجناحَيٍّه ضربةً واحدة — الطاولة الأولى انقلبت والثانية انزاحت والأطباق تطير والفاكهة تتدحرج والشراب على الأرض.
ثمَّ اختفى.
الشيطانة في ركنٍ وذراعاها حول سانزانغ. وجهها تغيَّر لأوَّل مرَّة في هذا اليوم — شيءٌ يُشبه الخوف الحقيقيَّ لا الخوف المُصطنع. "من أين جاء هذا الطير؟"
سانزانغ: "لم أرَ."
"طير يطير في مكانٍ مُغلق ويكسر طاولات لا سبب له. هذا ليس طيرًا عاديًّا." نظرت إلى سانزانغ بعيونٍ تُحاول أن تُقرِّر. "أشعر بشيءٍ هنا. هل جاء معك أحد؟"
سانزانغ بوجهٍ خالٍ من التعبير: "أنا جئتُ وحدي."
خطَّةٌ ثانية.
في الرواق مرَّةً أخرى. سون على رأسه. "حديقةٌ هنا في الكهف. اطلب منها أن تأخذك إليها. إن وجدنا شجرة خوخ أو تفَّاح — أنا أتحوَّل إلى الثمرة الحمراء. أعطِها إيَّاها."
"هي تأكل وأنت—"
"نعم."
الشيطانة فتحت غرفةً تُؤدِّي إلى حديقةٍ داخليَّة. أشجارٌ وممرَّاتٌ وبِرَكٌ صغيرة. سانزانغ مشى بجانبها والنظر على الحديقة لا عليها.
تفَّاحٌ أحمر في بستانٍ في آخر الحديقة. ووقف.
سون — على رأسه — نزل من الرأس وطار وتحوَّل. ثمرةٌ حمراء اتُّكئت على الغصن الأسفل.
"يا سيِّدتي، هل التفَّاح الأحمر في هذه الحديقة من زرعكِ؟"
الشيطانة ابتسمت. "كلُّ شيء هنا."
"الأحمر هنا أجمل ممَّا رأيتُ في الرحلة كلِّها." مدَّ يده وأخذ الثمرة. "خُذي أنتِ هذه الحمراء — أنا آخذ الخضراء."
الشيطانة أخذت الثمرة بيدَيٍّ من تأخذ ما يُقدِّمه لها من يُريد إرضاءها. نظرت إليها — حمراء كاملة لا خدش فيها ولا خيط أخضر. "هذا الراهب الطيِّب يتعلَّم. الأحمر أولًا دائمًا."
فتحت فمها. العضَّة الأولى.
سون في حلقها ثمَّ في بطنها. عاد لحجمه.
الشيطانة شعرت بذلك. وجهها تغيَّر. "ماذا هذا؟"
سون: "أنا."
من الداخل — صوتٌ يصل من دون أن أحدٌ يراه، وهذا النوع من الأصوات لا أحد يُجادله:
"أيَّتها الشيطانة. أنتِ تعرفين أنَّك لا تستطيعين إيذائي وأنا هنا. المعادلة بسيطة — احملي المعلِّم على ظهرك وأخرجيه من الكهف إلى سطح الأرض. وأنا أُبقيك حيَّةً."
الشيطانة على الأرض. خادماتها حولها. "السيِّدة مريضة؟"
"أبعِدوا التانغ من هنا. أُريد أن أُفكِّر."
سون من الداخل: "لا تُبعِدوا أحدًا. وأنتِ ستُبعِدينه بنفسك — على ظهرك — إلى باب الكهف."
الشيطانة نهضت ببطء كمن ينهض من تحت ثقلٍ لا يُرى. وجهها الآن مختلف — لا مكياج الانتظار بل وجه من يُحاول أن يُحسب ما هو متبقٍّ لديه. "يا خادمات — شيءٌ حدث. الزواج لهذه الليلة مؤجَّل. ابتعِدن."
خادمةٌ صغيرة: "السيِّدة، ماذا جرى؟"
"أبتعِدوا."
الخادمات تراجعن. الشيطانة اقتربت من سانزانغ. "اصعَد على ظهري."
"أنا؟"
"نعم. اصعد."
سانزانغ فعل ذلك بتردُّدٍ ظاهر — وببطءٍ واضحٍ كأنَّه يُعطي سون وقتًا للإعداد. الشيطانة بدأت تمشي ببطءٍ شديد في البداية. من الداخل ضغطةٌ صغيرة. تسارعت.
عبرت الحديقة. ثمَّ البوَّابة. ثمَّ الممرَّات الصاعدة التي تعرف طريقها. في الأعلى كان الضوء ثمَّ الهواء ثمَّ فتحة الجرَّة في الصخر.
على سطح الأرض — باجي وشاشاجو على الفتحة كما أُمرا. باجي رأى ظلًّا يصعد ثمَّ أصبح شكلًا ثمَّ أصبح—
"المعلِّم على ظهر شيطانة."
شاشاجو: "وسون في الشيطانة؟"
"هذا أفضل تخمين."
الشيطانة خرجت من الفتحة ووضعت سانزانغ على الأرض. سانزانغ وقف وأبعد خطوةً. الشيطانة على ركبتَيٍّها.
سون من الداخل: "الآن—"
الشيطانة: "نعم. نعم. أُقرُّ. أُقرُّ. فقط اخرج."
باجي رفع مطرقته. شاشاجو رفع رمحه. الاثنان نظرا إلى سون — الذي كان في مكانٍ لا يُرى.
سون خرج كما يخرج الدخان من فوهةٍ ضيِّقة — بسرعةٍ وفي شكلٍ غير منتظم يتجمَّع في الهواء. تحوَّل وعاد. الشيطانة على الأرض بوجه من يُحاول في نفس الوقت أن يُحدِّد ما يجب فعله وأن يتنفَّس بشكلٍ طبيعيٍّ، وهذان مطلبان متعارضان في هذه اللحظة.
سانزانغ خطا إلى سون وسون إلى سانزانغ. لم يقُل أيٌّ منهما شيئًا — ليس لأنَّه لا يوجد ما يُقال بل لأنَّ ما يوجد أكثر من أن يُقال في جملةٍ واحدة وهذا ليس وقته.
باجي: "سانزانغ — على خيرٍ؟"
"على خيرٍ يا باجي."
"المأدبة النباتيَّة كانت مقبولة على الأقلِّ؟"
سانزانغ نظر إليه نظرةً لا تُحتاج كلمات. باجي فهم وسكت.
الشيطانة على الأرض أمامهم. باجي رفع مطرقته. شاشاجو رفع رمحه. سون نظر إليهما ثمَّ نظر إلى الشيطانة. مصيرها — الفصل التالي يُجيب.