موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل الثمانون: المرأة المعلَّقة بين الأشجار والشيطان الذي يبكي بدموع حقيقية

غابة الصنوبر السوداء. امرأة مربوطة بالأشجار تطلب النجدة. سون يعرف أنَّها شيطانة. سانزانغ يُصرُّ على الإنقاذ. مجموعة الرهبان تصل إلى معبد الزهد المخفيِّ.

سون وكونغ سانزانغ باجي غابة الصنوبر الشيطانة المعبد الفصل الثمانون

غادروا مدينة الأطفال ومشى الملك وحاشيته وأهل الشعب وراءهم عشرين ليًّا دون توقُّف. لم يتوقَّف الملك لأنَّه يُريد أن يتوقَّف — توقَّف لأنَّ ساقَيٍّه قرَّرتا ذلك بدلًا عنه. سانزانغ نزل عن الحصان وودَّعه بالكلام وليس بالركن، ثمَّ ركب ومضى والملك يقف في مكانه حتَّى لم يبقَ ما يراه في الأفق.


الربيع هذه المرَّة كان ربيعًا حقيقيًّا — ليس الربيع الذي يقول عنه الناس إنَّه جميل ثمَّ يمشون بنظرٍ إلى الأرض. هذا ربيعٌ يجعلك تقف رغم أنَّك تعرف أنَّ الوقوف يؤخِّرك. البرَّيَّة مفتوحةٌ بالزهر — الأبيض والأحمر والأصفر الذي لا اسم دقيقًا له. الأشجار كثيفةٌ ومتقاطعة الأغصان كأنَّها تُريد من يمرُّ تحتها أن يُبطِئ. الجداول تصطدم بالأحجار وتُخرج صوتًا يُشبه الانتباه — ليس الصخب بل الانتباه.

سانزانغ جلس على الحصان ورأى كلَّ ذلك ونسي أين هو متَّجه. "أغادرتُ أرض الشرق بأمر السماء. تركتُ الملك والقصر وأعرف الطريق. لكن لا أعرف متى أصل."

سون مشى أمامه بعصاه على الكتف. "يا معلِّمي، هذا الكلام يليق بمن يجلس في بيتٍ لا بمن يقطع هذه المسافة. من قال إنَّ الجبل يُعيق الطريق؟ الطريق تخترق الجبل. الأمر بسيط."

"الجبل لا يُعيقني — الوقت يُعيقني."

باجي من الخلف: "أنا جائع. ذلك هو الجبل الحقيقيُّ."

شاشاجو: "اصمت واحمل."


تقدَّموا حتَّى أطلَّت أمامهم قمَّةٌ جديدة. سانزانغ ابتلع قلقًا ثمَّ قال: "مشينا كثيرًا في المواضع الخطِرة وخرجنا منها. لكن هذه الجبال المتتالية — لا أعرف متى تنتهي."

سون قال بصوتٍ أقلَّ مزاحًا: "تنتهي حين تنتهي."


قبل أن يصلوا إلى قمَّة الجبل كانت الغابة قد بدأت. لم تبدأ ببداية واضحة — لم يكن هناك سورٌ أو خطٌّ في الأرض. ببساطة، الأشجار صارت أكثف. ثمَّ أكثف. ثمَّ الضوء اختفى وصار كلُّ شيء رماديًّا.

غابة صنوبر سوداء. لا ظلال فيها لأنَّه لا ضوء يدخل أصلًا ليصنع ظلالًا. الأشجار في الشرق والغرب والشمال والجنوب — لا توجد مسافةٌ بينها أطول ممَّا تحتاجه الخطوة الواحدة. الكلاءُ والأعشاب تتشابك في الأسفل. العُروق تتشابك في الأعلى. من يدخل هذه الغابة يدخل في شيء ليس هوَّاء ولا أرضًا — شيءٌ وسط بين الاثنَيٍّن.

سانزانغ تضيَّق: "أعرف أنَّنا مررنا بغاباتٍ كثيرة — لكن هذه مختلفة. يصعب أن أقول لماذا."

سون رفع عصاه وفتح الطريق بها ضربةً واحدة للأعشاب. "لا تخَف. الغابة كالخصوم — حين تمشي داخلها تهدأ."

مشوا نصف يومٍ كاملٍ داخل الغابة دون أن يروا النهاية. الضوء لم يتغيَّر لأنَّه لم يكن موجودًا أصلًا. سانزانغ نزل عن حصانه وربط شاشاجو الحصان بجذعٍ سميك. "اذهب يا سون وأحضِر لنا طعامًا. جلستُ هنا أنتظر."

سون أخذ الإناء. "اجلس ولا تتحرَّك." وطار إلى الأعلى.


في الهواء فوق الغابة — الضوء عاد فجأةً كما يعود الصوت حين تخرج من غرفةٍ صامتة إلى الخارج. السماء زرقاء والريح صافية وأدنى أثرٍ للغابة السوداء لا يُرى من هنا. سون نظر إلى الأسفل وقرأ ما يراه.

فوق المكان الذي يجلس فيه سانزانغ: ضباب ذهبيٌّ دقيق. ليس سحابًا وليس دخانًا — شيءٌ يُشبه الضوء الذي يخرج من الشيء الثمين عند التقاء الشمس به. هكذا يبدو من في عشرة أرواحٍ طيِّبة متتالية حين ينظر إليه من يعرف كيف ينظر.

سون قال في نفسه: "خمسمئة سنةٍ كنتُ أرى ما أُريد أن يراه الآخرون. الآن أرى ما لا يراه أحدٌ غيري."

ثمَّ نظر جنوبًا — من تحت الغابة في الجنوب يرتفع شيءٌ آخر. ليس ضبابًا. لا ذهبيٌّ. هواءٌ أسود كثيفٌ يدور على نفسه كما يدور الدخان حين يصدر من نارٍ تحترق بشيء لا ينبغي لها أن تحترق به.

سون: "هذا ليس بخارًا. الشرُّ يصدر هكذا — لا كالشرِّ الأحمق بل كالشرِّ الذي يعرف ما يُريد."


تحت الغابة — سانزانغ يتلو سورًا بهدوء. باجي وشاشاجو ذهبا يبحثان عن ثمار. ثمَّ، في صمت الغابة الذي لا يشبه الصمت بل الانتظار، سُمع صوت.

بكاءٌ خفيٌّ. "أنقِذوني."

سانزانغ قام. "في هذه الغابة؟ صوتُ إنسان — أسمعه بوضوح." توقَّف. "أو — شيءٌ يُقلِّد إنسانًا؟ لكنَّ الرحمة لا تسأل قبل أن تمشي."

مشى مستندًا إلى الجذوع وشقَّ الأعشاب بيده حتَّى رأى ما جعله يتوقَّف في مكانه.

شجرةٌ قديمة. وربطٌ بالعروق. النصف الأعلى من جسدٍ أنثويٍّ معلَّقٌ بالأغصان. النصف الأسفل مدفونٌ في التراب. الوجه — خدودٌ وردية والدموع عليها تجري من عيونٍ تُشبه النجوم حين تكون المسافة بينك وبينها مناسبة. الشعر معقودٌ بالعروق.

سانزانغ وقف. "من فعل هذا بكِ؟"

الدموع جرت أكثر. الصوت جاء بحدَّة الإجابة المعدَّة سلفًا: "يا راهب الطيِّب النفس، أنا من مملكة بينبو — على بُعد مئتَي ليٍّ من هنا. ذهبنا مع العائلة في عيد زيارة القبور، موكبٌ كاملٌ بالخيول والمحافل. في المقبرة حين أشعلنا الورق وأكملنا الطقوس، نزل علينا لصوصٌ بالسيوف والطبول. الجميع فرَّ على خيوله. أنا صغيرةٌ لا أستطيع الركض فسقطتُ. اقتادوني إلى الغابة. سيِّد اللصوص أراد أن يتَّخذني زوجةً. السيِّد الثاني أراد مثله. السيِّد الثالث والرابع والسابع والثامنون كلُّهم تنازعوا فاتَّفقوا على ربطي هنا ريثما يحلُّون خلافهم — وذلك منذ خمسة أيَّام."

سانزانغ لم ينتظر أكثر ولم يُفكِّر في كيفيَّة التحقُّق. "باجي! شاشاجو!"


باجي جاء وفمه لا يزال يُمضغ. سانزانغ أشار. "انقُذ هذه المرأة المسكينة."

باجي همَّ بالتقدُّم. ثمَّ — قبضةٌ على أذنه من الخلف وهو يطير. وقع على وجهه.

سون نزل من السماء وعيناه على المرأة لا على باجي. "لا."

باجي قام ممسكًا أذنه: "المعلِّم أمرني—"

"المعلِّم لا يرى ما أراه."

سانزانغ قال بنبرة الحكم النهائيِّ: "سون وكونغ. هذه امرأةٌ حقيقية — الدم الحقيقيُّ يسري في وجهها. لستُ حيوانًا ولا حجرًا."

"كثيرٌ ممَّا رأيتُه في هذا الطريق كان يبدو أصلًا. هذه مسخٌ. اللون الذي في وجهها ليس دم الحياة — إنَّه اللون الذي تختاره المسوخ لأنَّنا نثق بالورديِّ."

باجي ابتعد خطوةً عن المرأة ثمَّ خطوةً أخرى دون أن يلاحظ أنَّه يفعل ذلك. ثمَّ قال للمعلِّم: "سون يتوهَّم. عيناه فيهما من قوَّة التعوُّذ ما يجعل كلَّ شيء يبدو له مريبًا."

سانزانغ: "أنت محقٌّ يا باجي. المسوخ التي رأيناها لم تبكِ هكذا."

"المسوخ الذكية تبكي." سون لم يتراجع.


تقاطعت الحجج ولم تُحسم. سانزانغ أصدر حكمه: "اتركوها. إن كانت شيطانةً فالله يعلم. وإن كانت إنسانةً فالله يسأل. نمضي."

سون فرح لأوَّل مرَّة في هذه الحادثة. "قرارٌ حكيم. الطريق هناك."

مشوا. الغابة تُغلق خلفهم.

ثمَّ — ريحٌ خفيفة. لطيفة. كأنَّها ريح لا تريد أن تُزعج، فقط تُوصِّل. ومعها صوتٌ يأتي من الخلف كالخيط الرقيق: "تركتُم الحيَّ يموت وتذهبون تعبدون؟ وما معنى العبادة إن لم يكن الرحمة؟"

سانزانغ توقَّف. سانزانغ استدار. "سون — عُد وانقُذها."

"لم أسمع شيئًا."

"أنا سمعتُ. هي تقول الحقَّ."

"يا معلِّمي — الشرُّ يقول الحقَّ حين لا يستطيع أن يفعل شيئًا آخر."

لكنَّ سانزانغ كان قد عاد بنفسه. وباجي خلفه بخطواتٍ مُتحمِّسة أكثر ممَّا ينبغي.


قطعا العروق بالعمل وبيد باجي. المرأة خرجت من التراب. مسحت التراب عن ثيابها. شكرت بعيونٍ كأنَّها تتذكَّر شيئًا. انضمَّت إلى القافلة.

سون يمشي في المؤخرة والعصا على الكتف وعيناه على المرأة الجديدة في القافلة.


قبل الغروب — نهاية الغابة أخيرًا. ومع نهايتها: مبنًى.

من بعيد: جدرانٌ وسقوف وبابٌ. إشارةٌ إلى وجود إنسانٍ أو على الأقلِّ إشارةٌ إلى أنَّ إنسانًا كان هنا يومًا.

سون تقدَّم وحده: "انتظروا."

دفع الباب — الجدار الخارجيُّ مائلٌ. الطابق الأوَّل: سقوف متفكِّكة وأحجار مبعثرة وعشبٌ يخرج من الشقوق. تماثيل الإله مقلوبة. المذابح تحوَّلت إلى أسرَّة للغرباء. الجرس في الأرض. أمام الجرس — رجلٌ صغير أسود الوجه أمسك بحجرٍ ورماه على الجرس.

الجرس دوَّى.

سون ارتدَّ خطوةً. "من أنت؟"

الرجل ركع: "لستُ شيطانًا. أنا خادم هذا المعبد. سمعتُ صوتك من بعيد ولم أعرف إن كنتَ صاحب نيَّة طيِّبة أم لا — فضربتُ الجرس لأُخيفك إن كنتَ عدوًّا."

"ولماذا الطابق الخارجيُّ كلُّه محطَّم هكذا؟"

"الغابة فيها من لا يُريد السلام. القُطَّاع يستخدمون هذا الجناح ليلًا — فتركناه لهم والبنا جناحًا جديدًا في الداخل. التنازلُ عن جزءٍ يُبقي الباقي."

سون لم يقُل شيئًا. هذا تفكيرٌ لم يكن ليخطر له أن يُجرِّبه.


الجناح الداخليُّ — عكس ما سبقه تمامًا. الجدران مبنيَّةٌ من جديد. اللاجوردُ على السقوف. التماثيل في أماكنها تلمع. الزيت يحترق بهدوء. الغرف نظيفة.

في الباحة الداخليَّة — راهبٌ تبِّتيٌّ صغير يُهزُّ طبلة الصلاة بيده. ينتظر. حين رأى سانزانغ — تقدَّم بيدَيٍّه الاثنتَيٍّن ليتعرَّف على الغريب القادم. "من أي الأرض أنت؟"

"من أرض تانغ في الشرق. متَّجهٌ إلى الغرب لأطلب من البوذا الكتب المقدَّسة."

"وحدك؟"

"معي ثلاثة تلاميذ."

الراهب التبِّتيُّ ضحك. "رأيتُ كثيرًا ممَّن يقولون ذلك. لا أحدٌ منهم يصل هنا وقد أتمَّ ما نصف الطريق."

"وأنا وصلتُ."

نظر إليه الراهب مرَّةً أخرى. "نعم. أنت وصلتَ."


دعا الراهب التلاميذ الثلاثة الصغار — خرجوا وأبصروا سون وباجي وشاشاجو فجرت أقدامهم بهم حتَّى الداخل. "الشياطين في الباب!"

سانزانغ ضحك: "ليسوا شياطين. هم تلاميذ — قبيح المنظر كثير النفع. أرجوك أرسِل إليهم."


الراهب الصغير خرج يرجف وركع أمامهم: "الأستاذ الكبير يدعوكم."

باجي: "لماذا ترجف؟"

الراهب: "أنتم... مختلفون عمَّا توقَّعتُه."

سون: "الكلُّ يقول ذلك. ادخل أمامنا."


دخلوا وتركوا الحصان مربوطًا. تركوا الأمتعة. جلسوا مع الراهب التبِّتيِّ الكبير. المرأة التي أُنقذت من الأشجار جلست في الزاوية — هادئةٌ، تنظر، لا تتكلَّم أكثر ممَّا يضطرُّها الكلام.

سون حين ينظر إليها تُنزل عيونها. وحين يصرف نظره تُعيدها إليه.

تلك العيون التي تنزل حين تُرى وتعود حين لا تُرى — هذا ليس خجل الإنسان. الإنسان حين يخجل يُنزل عيونه ولا يرفعها. لكنَّه لم يُقرِّر بعد. قرَّر فقط أنَّه لن يغفل.

الراهب التبِّتيُّ أمر بإحضار الطعام. الأربعة أكلوا — حتَّى باجي أكل دون أن يطلب المزيد، وهذا في حدِّ ذاته شيءٌ يستحقُّ التأمُّل.

الليل نزل على المعبد. اللاجوردُ يلمع بضوء المصابيح. الطبلة الصغيرة تدقُّ بيدٍ نائمة تقريبًا. باجي مدَّ رجلَيٍّه وأغمض عينَيٍّه وأصدر صوتًا يعني أنَّ نفسًا مُتعبًا وجد أخيرًا مكانًا ملائمًا. شاشاجو جلس مُتأمِّلًا الجدار أمامه. سانزانغ يتلو بصوتٍ خافت. والمرأة في زاويتها تنتظر ما لا يعرف أحدٌ بعد ما اسمه — إلَّا سون الذي لا ينام وعيناه عليها.