الفصل الثامن والسبعون: الراهب يُنقذ الأطفال ويرسل الأرواح والقصر يكشف الشيطان
مملكة البيكيو وأطفال الأقفاص. المعلِّم الوطنيُّ شيطانٌ يريد قلب سانزانغ. سون يتنكَّر في هيئة أستاذه.
الشتاء جاء دون أن يستأذن — كما يجيء دائمًا. أطراف الأشجار فقدت أخضرها وصارت بلون ذهب قديم. الطريق المُعبَّد صار أبيض في الصباح بالصقيع. الأربعة يمشون بطبقاتٍ إضافيَّة من الثياب لا يُشعر بها البرد بل تعترف به.
ثمَّ مدينة. أسوارٌ وأبوابٌ وحركةٌ بشريَّة داخلها. سانزانغ قال: "نحتاج إلى التحقُّق من الوثائق هنا."
سون طار مرَّةً ونظر من فوق. مدينةٌ طبيعيَّة في الشكل. شيءٌ ما ليس طبيعيًّا في الهواء فوقها — ليس شرًّا واضحًا، شيءٌ أكثر هدوءًا. نزل. "نمشي."
الحارس العجوز عند البوَّابة كان نائمًا بالطريقة التي ينام بها من يعرف أنَّ لا شيء يُستدعَى منه هذا الوقت من اليوم — نومٌ بعين نصف مفتوحة، الحرس والنوم في الآن ذاته. سون أيقظه بخفَّة: دفعةٌ على الكتف دون توقُّع. الحارس رفع رأسه ورأى سون فظنَّه وجهًا من أوجه الرعد. "سيِّدي العظيم." ووضع يده على صدره.
"لستُ سيِّد رعد. نحن رهبانٌ من الشرق متَّجهون غربًا. ما اسم هذه المدينة؟"
الحارس تثاءب ومسح وجهه بظاهر يده. "كانت تُسمَّى مملكة البيكيو. الآن يُسمُّونها مدينة الأطفال الصغار."
"لماذا تغيَّر الاسم؟"
الحارس أغلق فمه. نظر يمينًا ويسارًا بحركةٍ لا يُسبقها تفكيرٌ. "اسألوا داخل." ثمَّ أغمض عينَيٍّه مجدَّدًا.
الشوارع مُتعمِّرة. ناسٌ يمشون بأشغالهم. تجارةٌ وأصوات. على السطح كلُّ شيءٍ طبيعيٌّ. لكنَّ سون لاحظ شيئًا واحدًا يتكرَّر على كلِّ باب: قفصٌ خيزرانيٌّ بحجم الطفل مُغطَّى بقماشٍ مُلوَّن — القماش المُلوَّن هو الشيء المُثير، كأنَّه محاولةٌ لإعطاء الشيء مظهرًا أجمل ممَّا هو عليه. تحوَّل إلى نحلةٍ وطار نحو أقرب قفص. رفع طرف الغطاء ونظر.
طفلٌ. ذكر. ست سنواتٍ على الأكثر. يجلس ويلعب بقطعةٍ خشبيَّة صغيرة في يده دون أن يُدرك أنَّ أحدًا يُشاهده. وجهه جميلٌ بالجمال الذي يجعل القسوة على هيئة القسوة عليه أصعب تسميَّةً.
القفص الثاني: طفلٌ آخر يُحدِّق في سقف القفص. الثالث: طفلٌ نائم بأنفاسٍ منتظمة. عشرة أبواب — عشرة أطفال ذكور جميعًا. ولا بنات.
عاد سون إلى هيئته وأبلغ سانزانغ. سانزانغ لم يردَّ مباشرةً. مشى بخطواتٍ أبطأ مما اعتاد كأنَّ الطريق فجأةً يحتاج مزيدًا من الانتباه.
المحطَّة البريديَّة استقبلتهم. المشرف رجلٌ نظيف الملبس هادئ العين — نوع الهدوء الذي يحمله من يعرف أشياءً كثيرة يختار عدم قولها. رحَّب بهم بالحرارة الرسميَّة التي تعني: "أنتم هنا وأنا أؤدِّي وظيفتي." أعطاهم غرفًا. أحضر شايًا وأرزًا بالخضروات وفطرًا طازجًا. الطعام جيِّدٌ. الجوُّ في الغرف دافئ.
في المساء، بعد أن ذهب الآخرون إلى غرفهم، بقي سانزانغ وحده مع المشرف على ضوء مصباحٍ واحد. سأل بنبرةٍ هادئةٍ لا تُلزم: "هذه الأقفاص على كلِّ باب — ما شأنها؟"
المشرف أغلق الباب. خطا نحو المصباح ثمَّ تراجع. نظر إلى سانزانغ طويلًا كأنَّه يزن شيئًا. "لا تسأل يا سيِّدي."
"أسأل. أنت تعرف والكتمان لا يُريحك."
المشرف وضع يديه على ركبتَيٍّه وتنهَّد تنهيدة الرجل الذي كان يحمل ثقلًا وقرَّر وضعه أخيرًا. قال بصوتٍ خافتٍ لا يُسمَع خارج الغرفة: "منذ ثلاث سنوات جاء شيخٌ يتنكَّر في هيئة تاويٍّ ومعه فتاةٌ في السادسة عشرة بجمالٍ استثنائيٍّ. أهداها للملك. الملك لم يرَ شيئًا غيرها منذ ذلك اليوم — لا الأميرات ولا الوزراء ولا الطعام ولا النوم. جسده نحَل. صحَّته انهارت. أطبَّاء القصر من عشرة مدن عجزوا.
الشيخ نفسه أصبح 'المعلِّم الوطنيَّ' وله الكلمة الأولى في كلِّ شيء. قال إنَّ لديه دواءً من جزر البحر البعيدة. الدواء مكتمل. لكنَّه يحتاج مادَّةً واحدة لتفعيله: قلب ألفٍ ومئةٍ وأحد عشر طفلًا ذكرًا تحت السابعة. هذه الأطفال التي تراها في الأقفاص — مختارون بعناية، وُزِّعوا على الأُسر المختارة. الآباء والأمَّهات لا يُجرؤون على الاحتجاج. يأخذون أطفالهم ويضعونهم في الأقفاص ويجلسون أمام الأبواب في صمتٍ كأنَّهم يحرسون ما يُدمِّرهم."
المشرف توقَّف. "غدًا عند الظهر يبدأ الطبيب."
سانزانغ لم يتكلَّم. أغمض عينَيٍّه لحظةً.
سانزانغ ذهب إلى الغرفة. وضع عصاه على الجدار. جلس على الأرض لا على السرير. لم يُطفئ المصباح حتَّى الفجر. كان يُصلِّي — لكنَّ الصلاة حين تجيء من مكانٍ بهذه الدرجة من الألم تبدو أقلَّ كأداءٍ وأكثر كصرخةٍ مكبوتة تجد طريقها كلمةً كلمة.
باجي قال في الصباح وهو يأكل بالإيقاع المنتظم الذي يأكل به دائمًا: "كيف وجهك؟"
"لم أنَم."
"لأنَّ أطفال الآخرين في أقفاص؟"
"نعم."
"لكنَّهم ليسوا أطفالنا." وقال ذلك دون قسوة — كان يُقدِّم معادلةً لا يُصدر حكمًا. باجي يُعالج العالم بالأرقام حين لا يعرف كيف يُعالجه بغيرها.
سون قال: "باجي." بنبرةٍ واحدة فقط.
باجي نظر إليه. ثمَّ نظر إلى سانزانغ الجالس بعيون مُنهَكة وكوبٍ لم يُلمسه. ثمَّ صمت ووضع ما في يده.
سون قال لسانزانغ: "أنا أعرف ما أفعله. لكن أحتاج منك الصبر لليلةٍ واحدة وأن تسمح لي بالتصرُّف."
منتصف الليل. سون خرج من المحطَّة البريديَّة دون صوت وطار إلى الفضاء فوق المدينة. الأضواء القليلة في الشوارع تبدو من فوق كنقاط دافئة في قماشٍ أسود. قرأ كلمات الاستدعاء — ليست كلمات تُرفع بصوتٍ عالٍ بل تُقال بالطريقة التي تُقال بها الأشياء الحقيقيَّة: بهدوءٍ وثقة. أرواح المدينة جاءت واحدةً تلو الأخرى — حارس الأرض، حارس المدينة، المسؤولون عن كلِّ ربعٍ من الأرباع الأربعة، والحرَّاس الستَّة الذين يحملون اتِّجاهات السماء. نظروا إليه في صمت الاحترام المختلط بالتوجُّس.
"الأطفال في الأقفاص. أنتم ترونهم كلَّ يوم. الليلة أُريد منكم أن تنقلوهم جميعًا مع أقفاصهم إلى الغابة خارج الأسوار الشماليَّة. لا تُخيفوهم. أعطوهم فاكهةً. احموهم من البرد. لا يجوع أيٌّ منهم ولا يُصاب بأذى. أعيدوهم حين أُخبركم."
الأرواح انتشرت. ريحٌ باردةٌ واحدة مرَّت على المدينة كلِّها في دقائق — ريحٌ من نوع خاص: لا تُلاحَظ إلَّا بأثرها لا بنفسها. الأقفاص اختفت ببطءٍ كاف لأن لا يستيقظ أحد.
في الصباح — الأقفاص فارغة. الآباء والأمَّهات في الشوارع يُحدِّقون في الأبواب الخالية. بعضهم بكى — بكاء الراحة المُخيفة لمن لا يعرف بعدُ هل يُحسن ما حدث أم يُسيء. بعضهم أدرك في تلك اللحظة أنَّ أطفالهم في مكانٍ آخر أسلم ممَّا كانوا فيه.
سانزانغ ذهب إلى القصر وحده مع سون المختبئ على قبَّعته في هيئة حشرةٍ صغيرة جدًّا دافئة في وهج المصباح. القصر من الخارج كبيرٌ وواسع كما ينبغي لقصرٍ ملكيٍّ. من الداخل — هواءٌ ثقيل. البلاط يُنقَّى كثيرًا كأنَّ من يُنقِّيه يحاول أن يُزيل شيئًا لا يُزال بالتنظيف.
الملك في قاعة العرش — رجلٌ لا يتجاوز الخمسين لكن بوجه رجلٍ في آخر عمره. العيون ضبابيَّتان كعيني من يُحاول التركيز على شيءٍ بعيد. اليدان ترتجفان ارتجاف الورقة في ريح خفيفة. أدَّى سانزانغ التحيَّة بالاحترام الكامل وقدَّم وثائق السفر. الملك نظر فيها بجهدٍ واضح ثمَّ التقط الختم بيدٍ حذرة وضغط.
ثمَّ صوتٌ من الباب: "المعلِّم الوطنيُّ."
رجلٌ بقامةٍ مستقيمة دخل دون أن ينتظر إذنًا. شيخٌ طويل بلحيةٍ فضيَّة طويلة وعينَيٍّن ذهبيَّتَيٍّن تضحكان قبل أن يضحك وجهه — وهذه هي المشكلة: حين تضحك العيون قبل أن يُعطي الموقف سببًا لذلك يعني أنَّ صاحبها يرى الأشياء كمسرحيَّة يعرف فيها نهايتها. ثيابٌ من الحرير الأبيض عليها طيورٌ مطرَّزة بخيوط الذهب. يداه خلف ظهره وهو يمشي — هيئة من يملك المكان. مشى إلى المقعد الأيسر وجلس كأنَّ المقعد يعرفه. لم يُحيِّي الملك ولم يُحيِّ سانزانغ.
الملك انتبه وانحنى قليلًا بالطريقة التي ينحني بها المريض نحو طبيبه. "معلِّمنا، هذا راهبٌ قادمٌ من الشرق متَّجهٌ إلى الغرب."
المعلِّم قال لسانزانغ بالنبرة التي تُشير إلى أنَّ الكلام موجَّهٌ إلى الهواء لا إلى شخص: "الطريق إلى الغرب فيه ماذا؟"
سانزانغ قال: "الرحمة والنور."
"الرحمة لا تُطيل العمر."
"لا. لكنَّها تُعطيه معنى."
المعلِّم ابتسم بالابتسامة التي تقول: "أنتَ لا تعرف ما تتكلَّم عنه." ثمَّ تكلَّم بصوتٍ أعلى للحاضرين: "التاويَّة هي الطريق الوحيد للخلاص. الجلوس في الصمت لا يُنتج طاقةً. السير في الجبال يُنتج. البحث عن الجوهر يُنتج. من يجلس يموت ببطء. من يتحرَّك مع الكون يعيش." رجال القصر أبدوا إعجابهم. الملك انتظر بعينَيٍّه المُتعَبتَيٍّن.
سانزانغ لم يردَّ. ليس عجزًا بل لأنَّ الردَّ في مكانٍ كهذا لن يُسمَع. سانزانغ أُعطي وعدًا بوجبةٍ نباتيَّة وأُرسل.
سون على قبَّعته يسمع. بعد خروج سانزانغ — المعلِّم وحده مع الملك. أرسلوا الخادمين بإشارةٍ من المعلِّم لا من الملك.
"سيِّدي، الأطفال اختفوا الليلة."
الملك: "بالريح؟"
"ريحٌ غريبة. لكن لا يُهمُّ." لم يُبدِّل المعلِّم وجهه. "التحق بي الحلُّ الأفضل صباحًا. هذا الراهب الشرقيُّ الذي دخل."
"ماذا عنه؟"
"جسدٌ نقيٌّ لم يُلطَّخ منذ ولادته. عشرة أجيالٍ من التعبُّد. قلبٌ واحدٌ من هذا الراهب يُساوي ألف قلبٍ من الأطفال — وربَّما أكثر. أعطِني إيَّاه وسيُعاف جسدك في يوم." توقَّف ثمَّ أضاف بالنبرة التي تجعل الاقتراح يبدو محسومًا: "هو نفسه أُعطي هذا الجسد ليُسلِّمه في الطريق إذا لزم الأمر."
الملك: "لكنَّه أُرسل."
"أرسل جنودك الآن. أغلق الأبواب قبل أن يخرج من المدينة."
سون طار من القبَّعة مسرعًا بالسرعة التي تُوجبها الدقائق.
بالمحطَّة البريديَّة — وصل قبل الجنود بدقائق. "أستاذ، الوقت قصير. أحتاج منك أن تفعل ما أقوله."
"ماذا تريد؟"
سون نزع شعرةً. خلطها بطينٍ جاء به باجي دون سؤالٍ كثير — باجي في مثل هذه اللحظات يُدرك أنَّ التساؤل يُضيع الوقت ويُحضر ما يُطلب منه بصمت. صنع سون من الطين والشعرة نقشًا وضعه على وجه سانزانغ ونفخ فيه. سانزانغ في المرآة — وجه سون. ثمَّ سون ارتدى ثياب سانزانغ — الثياب الكريمة الطويلة، القبَّعة الذهبيَّة. في المرآة — وجه سانزانغ على قامةٍ أقصر منه بأصابع وبيدٍ لا تُشبه يد راهبٍ هادئ.
باجي قال: "هذا حلٌّ إبداعيٌّ."
شا قال: "أو مشكلةٌ مُضاعَفة."
طرقٌ على الباب. جنودٌ. "نطلب الراهب الشرقيَّ."
سون — في وجه سانزانغ وثيابه — خرج نحوهم بهدوء وصدرٍ مستقيم. "أنا هنا."
الجنود نظروا إليه. ثمَّ أمسكوا بيده. "تعال معنا."
سون مشى معهم بخطوةٍ هادئة. لا يتظاهر بالخوف — الخوف يحتاج إلى تمثيلٍ يفهمه الجسد أيضًا، والجسد الذي اعتاد على ما اعتاد عليه سون لا يُقنَع بسهولة. لكنَّه يتظاهر بشيءٍ آخر: بأنَّه الشخص الذي يأخذونه. بأنَّه الراهب السلميُّ الذي لا يملك غير عصاه ووثائقه. الاثنان معه دائمًا تحت الثياب.
والذي لا يعرف ما ينتظره في الحقيقة أكثر خطورةً ممَّا يظنُّ من يمسك يده. هذا بالضبط ما سيكتشفه القصر في الصباح.