الفصل الرابع والسبعون: نجم الزُّهرة يُحذِّر والقرد يتسلَّل إلى جبل الأسود الأرجوانيِّ
جبل الثمانمائة ليٍّ. الشيخ المُحذِّر هو نجم الزُّهرة. الأبطال الثلاثة المعتدلون ومعهم أربعون ألفًا من الصغار. سون يتنكَّر في هيئة حارس وينشر الذُّعر بين الجنود.
الخريف جاء بعد صيف طويل — بالتبريد التدريجيِّ الذي لا يستأذن بل يتقدَّم ثمَّ يستقرُّ. العشب صفرَّ أطرافه أوَّلًا ثمَّ صار ذهبيًّا ثمَّ بدأ يتفتَّت عند اللمس. الأشجار التي تتقلَّب مع الفصول تقلَّبت فباتت بوجهين: خضراءٌ من الداخل، ذهبيَّةٌ وحمراءٌ على الأطراف حيث يُقرِّر الورق أن ينتهي قبل أن يُؤمَر بذلك. الأربعة يمشون بالإيقاع الذي يسير به من لا يعرف متى يصل لكنَّه متأكِّدٌ من الاتِّجاه — ذلك الإيقاع الذي اكتسبوه مشيًا عبر الجبال والأنهار والأوديةِ التي لم تكن في أيِّ خريطة. سانزانغ على الفرس. الثلاثة الآخرون على الأقدام. والفرس يمشي بسكينةٍ لا تصدر عن حصانٍ عاديٍّ.
ثمَّ رأوا الجبل.
ليس جبلًا يُوصَف بالكبر — الجبال الكبيرة تُبالغ في ارتفاعها لتُعلم أنَّها موجودة. هذا الجبل كان بنوعٍ من الثقل الهادئ، يملأ الأفق من الطرف إلى الطرف مثل خبرٍ لم يُقَل بعدُ. لونه بين البنفسجيِّ والأسود في الغسق، وشكله كحيوانٍ نائمٍ على جنبه يملأ نصف الأفق. الطيور في هذا الجانب من الطريق توقَّفت — ليس لأنَّ الشجر أقلُّ، بل لأنَّ شيئًا ما في الهواء يُشير إلى أنَّ من يمكث هنا يمكث لفترةٍ أطول ممَّا ينوي.
سانزانغ شعر بشيءٍ في مكانٍ قريبٍ من قلبه. ليس خوفًا بالضبط — الخوف له حرارة. هذا كان أشبه بالبرد الذي يجيء قبل المطر.
على منحدر الجبل — شيخٌ بشعرٍ أبيض وعصا برأس التنِّين وخرزاتٍ في عنقه. وقف ينادي بصوتٍ رفعه ليصل: "أيُّها الرهبان القادمون من الشرق — توقَّفوا. في هذا الجبل شياطين أكلت كلَّ من عبر."
سانزانغ وقف وكاد يسقط.
سون قال: "أنا أذهب وأسأله."
"وجهك لا يُشجِّع على الكلام."
"أتحوَّل."
نفض جسده وأصبح راهبًا صغيرًا بوجهٍ لطيف وعيونٍ هادئة وقامةٍ تُشير إلى السلام لا الشغب. سانزانغ نظر إليه. باجي نظر إليه من أعلى إلى أسفل ثمَّ نظر إلى يديه بنفس النظرة التي ينظر بها حين يرى شيئًا لا يُفسَّر.
الشيخ حين رأى الراهب الصغير الجميل توقَّف لحظةً — نوع التوقُّف الذي يحدث حين يرى المرء شيئًا جميلًا في مكانٍ لا ينبغي أن يكون فيه شيءٌ جميل. ثمَّ مدَّ يده ومسح رأسه بحنوٍّ حقيقيٍّ. "كم عمرك يا بنيَّ؟"
"خمن."
"سبعٌ، ثمانية؟"
"أضرب الرقم في عشرة آلاف."
الشيخ ابتعد خطوةً. نظر إلى الراهب الصغير بعينَيٍّ باحثتَيٍّن — يبحث عن أثر المزاح في الوجه. لم يجد. لكنَّ الراهب الصغير كان يتكلَّم بنبرةٍ لا تُخيف بل تُخبر. "ما الذي تعرفه عن الجبل؟"
الشيخ قال ما يعرفه. الجبل اسمه جبل الأسود الأرجوانيُّ ثمانمائة ليٍّ. في مركزه كهفٌ. في الكهف ثلاثة شياطين كبار وتحت إمرتهم ما يقارب الثمانية والأربعين ألفًا من الصغار. الكبير الأوَّل ابتلع عشرة آلاف جنديٍّ سماويٍّ في مرَّةٍ واحدة. الكبير الثاني يكنس الأعداء بخرطومه. الكبير الثالث يحمل قارورةً تُذيب ما فيها في ثلاث دقائق.
باجي كان يسمع من بعيد — يضع يده على أذنه بالطريقة التي يفعلها حين يريد أن يسمع دون أن يقترب. حين عاد الشيخ الصغير — وعاد سون إلى حجمه الفعليِّ بنفضةٍ واحدة — قال باجي: "أريد أن أسأله بنفسي."
"لماذا؟ سمعتَ كلَّ ما قاله."
"سمعتُ. لكنِّي أُريد أن أسأل بأسلوبي."
ذهب وعاد بالإفادة ذاتها. وبشيءٍ إضافيٍّ — رجليه تحملانه بالإيقاع المُتسرِّع الذي يدلُّ على خبرٍ سيئٍ. وجهه كان بلون السحاب قبل العاصفة.
"الثلاثة منذ خمسمائة عام يأكلون من عبر هذا الجبل. ومنذ خمس سنواتٍ قرَّر الثالث — الكبير الأكبر — أنَّه يريد أستاذنا تحديدًا. يقول إنَّ من يأكل منه لا يشيخ."
سانزانغ نظر إلى سون. سون نظر إلى الأفق بالنظرة التي تعني أنَّه يحسب ولا يتكلَّم بعدُ.
شا قال: "هذا الكلام يُكرَّر في كلِّ وادٍ وكلِّ جبل." نبرته كانت هادئةً — ليست شجاعةً بل هي نوع الهدوء الذي يأتي من رجلٍ رأى أشياءً كثيرة ولم يُفاجَأ بأيٍّ منها منذ وقت.
سون قال: "هذه المرَّة الجيش أكبر. وهذه المرَّة من يريد الأستاذ لا يريده لغداءٍ عابر — يُريده منذ خمس سنوات بالاسم. الفرق بين من يأكل ما يجده ومن يأكل ما خطَّط له هو الفرق بين حادثةٍ وقصد."
الشيخ اختفى. سون صعد إلى القمَّة ونظر في كلِّ الاتِّجاهات. في الهواء — شريطٌ من الألوان. طار نحوه. نجم الزُّهرة، لي تشانغ غنغ، في ثياب السماء لا في ثياب الشيخ.
"عرفتك."
النجم قال: "كنتُ أُحذِّر لا أُخيف."
"والفرق؟"
"الفرق أنِّي لا أُريد أن تنهار وتتراجع. أُريدك أن تمشي بعينٍ مفتوحة."
"ما الذي لم تقله في هيئة الشيخ؟"
النجم تردَّد — نوع التردُّد الذي ليس ترددًا حقيقيًّا بل اختيارًا للكلمات الصحيحة. "الثلاثة حقيقيُّون. ليسوا مبالغةً محليَّة. الكبير الأوَّل يستطيع فعلًا ابتلاع جيشٍ — وقد ابتلع عشرة آلاف جنديٍّ سماويٍّ مرَّةً واحدة ولم يشبع. الثاني يكفي ضغطة خرطومه — جبلٌ بأكمله لو وضع خرطومه تحته. الثالث — القارورة. القارورة الأخطر من كلِّ شيء. ما يدخل القارورة يذوب في ثلاث دقائق حتَّى لا يبقى منه أثر. لا عظام. لا روح. لا أثر."
توقَّف. "لكنَّك تستطيع الدخول من الجانب الخلفيِّ قبل أن يُحضِروا جيشهم. أرسِل إلى السماء كلمةً واحدة وعشرة آلاف جنديٍّ جاهزون."
"سأُجرِّب وحدي أوَّلًا."
النجم نظر إليه طويلًا. ثمَّ قال بهدوء: "أعرف." لم يُفاجَأ. طار.
على منحدر الجبل — صوت الطبل والجرس يأتي من الجنوب الشرقيِّ. إيقاعٌ منتظمٌ يتكرَّر كلَّ دقيقتَيٍّن تقريبًا — إيقاع الجنديِّ الذي يقوم بمهمَّته دون أن يفكِّر فيها. سون تحوَّل إلى ذبابة وطار نحو الصوت. في هيئة الذبابة كلُّ شيءٍ يبدو مختلفًا — الهواء أثقل بكثير، والأصوات أوضح، والعالم كبيرٌ جدًّا بما لا يُصدَّق.
حارسٌ صغير. في رأسه قُبَّعةٌ مدبَّبة بإبرةٍ واحدة من ريش الطيور المجمَّعة. يحمل الراية ويقرع الطبل الصغير ويتمتم بالتحذير بصوتٍ رتيبٍ كمن حفظه منذ زمنٍ ويؤدِّيه الآن دون أن يسمعه حتَّى هو. سون وقف على قبَّعته وأصغى.
الحارس يقول: "حذارِ من سون وكونغ — يتحوَّل إلى ذبابة." ثمَّ يُكرِّر. ثمَّ يُكرِّر.
سون على القبَّعة يبتسم في هيئة الذبابة. الشياطين تسمع عنه قبل أن يصل — هذا معناه أنَّ الشهرة تسبقه كالظلِّ الذي يصل قبل الجسد.
نزل عن القبَّعة في صمت. تحوَّل — ليس تحوُّلًا ضبابيًّا بل حادًّا كالتحوُّلات التي اتقنها سون من كثرة الممارسة. أصبح حارسًا كالحارس الصغير لكن أطول بأصابع ثلاث — لأنَّ سون حين يتحوَّل إلى شكل بشريٍّ لا يستطيع إخفاء حجمه تمامًا، جزءٌ من طبيعته يبقى كما هو تحت السطح.
"اصبر يا أخي."
الحارس التفت. "من أنت؟"
"أهلٌ لا يتعرَّفون بعضهم؟ أنا من قسم إشعال النار، رفِّعوني لحراسة الجبل."
"ما الدليل؟"
"البطاقة."
الحارس رفع ثوبه وأخرج بطاقةً ذهبيَّة من الجلد — اسمه عليها: "ريح الثقوب الصغير". سون نظر ثمَّ قال: "أخرج بطاقتك كي أرى بطاقتي بالمقارنة."
الحارس أخرج. سون نظر. ثمَّ نزع شعرةً من ذيله وحوَّلها إلى بطاقةٍ تشبه الأصل. عليها: "ريح الثقوب الأكبر".
"كبير؟" قال الحارس.
"رُقِّيتُ."
الحارس أدَّى التحيَّة بالجديَّة التي يُؤدِّي بها الصغير التحيَّة للكبير — تلقائيَّةٌ لا تفكير فيها. سون انتزع بطاقة الحارس ووضعها في كمِّه ثمَّ نظر إلى الحارس لحظةً. "عفوًا." ضربةٌ واحدة من الخلف — نظيفةٌ وسريعة. أنزله إلى الأرض بعناية نسبيَّة. "أنت أعطيتني كلَّ ما أحتاجه. ولم تفعل شيئًا يستحقُّ أكثر من ذلك."
بوَّابة الكهف. حجرها أسودٌ لامعٌ كأنَّه مُصقَّلٌ بأيدٍ كثيرة عبر سنواتٍ طويلة. البوَّابة عريضةٌ بما يكفي لدخول شيءٍ ضخمٍ جدًّا دون أن يُحني رأسه. وفوقها نقشٌ بالأحمر لم يقرأه سون لأنَّه ليس وقت القراءة. ثلاثون حارسًا في الصفِّ الأوَّل — خلفهم آخرون. سون مشى إليهم بالبطاقة والطبل والراية والخطوة التي لا تتردَّد. الخطوة المُطمئِنَّة ليست خطوة الشجاع — هي خطوة من لا يتصوَّر حتَّى أن يُشكِّك أحدٌ في وجوده.
"ريح الثقوب الأكبر عائدٌ من الجولة."
"ما الأخبار؟"
سون توقَّف. نظر نحو الجبل بالطريقة التي ينظر بها من رأى شيئًا. "سون وكونغ."
"أين؟"
"على النهر. يجلس ويُحدِّد عصاه."
صمتٌ ثقيل.
"وأنا سمعتُه يقول — " وقف سون، يُحكم التوقيت — "يقول لعصاه: أيَّتها العصا، لم تخرجي منذ وقت. اليوم أمامك ثمانيةٌ وأربعون ألف شيطانٍ صغير. كلُّها لك. والثلاثة الكبار — سأحتفظ بهم لأُحكم إجهازهم."
الصمت انتشر من الحارس الأوَّل إلى الثاني إلى العاشر إلى الصفوف كلِّها.
واحدٌ قال: "لماذا نموت من أجل أُذن جمل واحدة؟"
آخر قال: "الراتب لا يكفي لهذا."
ثالثٌ قال: "لنذهب كلٌّ في اتِّجاه."
الجنود تفرَّقوا كالذرِّ حين يجد ماءً في عشِّه. الأسود تركت مواقعها وجرت بعظمة تحاول أن تُخفي الهلع. النمور ذهبت بعجلة الحيوان الذي يتذكَّر فجأةً أنَّه لم يأكل منذ أيَّام ويجب أن يذهب بعيدًا يبحث عن فريسة — في الاتِّجاه المعاكس تمامًا للكهف. الثعابين الكبيرة انزلقت في شقوق الصخر. الذئاب والضبُع والطيور التي لا طير في الحقيقة بل مخلوقاتٌ بأجنحة — كلٌّ منها بالسرعة التي تُسرع بها حين لا يُريد أحدٌ أن يُلاحَق ولا أن يُسأل. في دقائق كانت المنطقة أمام بوَّابة الكهف فارغةً كأنَّها لم تكن مكدَّسةً بجيشٍ قبل قليل.
سون وقف عند باب الكهف الفارغ تقريبًا. البوَّابة الكبيرة ما زالت مفتوحةً — الذين هربوا لم يُغلقوها خلفهم. الهروب المُبكِّر لا يترك وقتًا للأدب.
في الداخل — أصوات. ليست أصوات خوف. أصوات ثلاثة يتحدَّثون بالنبرة التي يتحدَّث بها من يجلس في الوسط ولا يعرف بعدُ أنَّ الأطراف قد فقدها. الثلاثة الكبار لا يزالون. الكبار لا يهربون بكلمة — يحتاجون إلى ما هو أكثر من كلمة.
لكنَّ أربعةً وأربعين ألفًا من الصغار فرُّوا بجملةٍ واحدة. هذا أيضًا نصرٌ من نوعه. ليس كلُّ نصرٍ يُقاس بالضربات.
سون مسك العصا وتذكَّر ما قاله النجم عن ثلاثة أنواعٍ من القوَّة — الجيش والفم والقارورة. الجيش فرَّ. الفم يحتاج اقترابًا وفرصة ويمكن التعامل معه. القارورة — القارورة الأخطر. ما يدخلها يذوب ولا يخرج. لا عظام ولا أثر. الدخول سهلٌ دائمًا. الخروج يحتاج خطَّة.
مسح العصا بطرف كُمِّه. استمع إلى الأصوات في الداخل لحظةً أطول. ثلاثة أصوات. صوتٌ عميقٌ كالرعد الناعم. صوتٌ أكثر حدَّةً يقاطع. صوتٌ ثالثٌ هادئٌ نادرًا ما يتكلَّم — الهادئون دائمًا هم الأخطر. رتَّب ما في رأسه بالطريقة التي يُرتِّب بها من يعرف أنَّه قد يحتاج كلَّ شيءٍ في وقتٍ واحد.
دخل.