الفصل 73: السمّ القاتل وحكيمة الألف زهرة — نجاة من موت محقق
الطاوي الراهب يسمّ تانغ سانزانغ وتلاميذه بالشاي، وسون وكونغ يجرّ ذيله من الضوء الذهبي ليستنجد بحكيمة الألف زهرة التي تملك الإبرة المميتة.
لم يمضِ وقت طويل بعد احتراق مغارة الحرير حتى رأى المسافرون من بعيد برجاً طاوياً وقفز على الباب حجر منقوش فيه: "معبد الزهرة الصفراء". قال شا وجينغ: "معبد طاوي، يمكننا الاستراحة فيه وربما الحصول على طعام." وافق الجميع فدخلوا.
في الرواق الشرقي جلس راهب طاوي يحضّر حبوباً دوائية. كان وجهه كالحديد المصدأ وعيناه تومضان كنجمتين، يبدو في مظهره متعبداً حقيقياً. رحّب بالضيوف وأعدّ لهم مكاناً للجلوس وطلب من الأولاد إحضار الشاي.
غير أن في الجناح الخلفي من المعبد كانت العفريتات السبع قد أقمن! لم يعلم أحد من المسافرين أن هذا الطاوي كان زميلاً قديماً للعفريتات تلاميذ مدرسة واحدة. وحين رأى الغلمان أن بين الضيوف شيخاً أبيض اللحية وآخر طويل الأذنين أسرعوا إلى الجناح يبلّغون العفريتات، فعرفن على الفور أن هذا هو تانغ سانزانغ وصحبه.
أوصين الطاوي بإشارة خفية وهمسن إليه بكل ما جرى: كيف أسرن الشيخ وكيف نجا بمساعدة التلاميذ وكيف أهانهن تشو باجيي في النبع وكيف احترق كهفهن. غضب الطاوي وانحنت حاجباه وقال: "لا تخشين، سأتولّى الأمر بطريقتي. لا حاجة للقتال، لديّ ما يكفي."
صعد إلى الطابق الأعلى وأخرج من خلف خشبة السرير صندوقاً صغيراً من الجلد لا يتجاوز شبراً في طول شبر، مقفلاً بقفل نحاسي دقيق. وفي جيبه منديل من الحرير الأصفر علّقت بطرفه مفتاح صغير. فتح القفل وأخرج كيساً من السم. كان هذا السم من أقدر السموم في العالم، صنعه بشواء براز الطيور وطهيه وتقطيره مرات ومرات حتى صار منه ثلاثة حبوب صغيرة. قال: "للإنسان العادي يكفي قيراط واحد، وللمتعبد الراسخ ثلاثة قراريط. هؤلاء لهم بعض النفوذ الروحي فلنعطِ كلاً منهم قيراطاً ونصفاً."
وضع حبّات السمّ في اثنتي عشرة تمرة حمراء وقسّمها في أربعة أكواب شاي وأضاف في كوب خامس تمرتين سوداوتين، مزيفاً أنه نفس الشاي إلا أنه باللون الأغمق لأن التمر الذي وجده أقل جودة.
خرج إلى الضيوف متبسماً وبدأ يسأل: "من أين أنتم وإلى أين تسافرون؟" فلما عرف أن تانغ سانزانغ مبعوث من الصين إلى الغرب فتح وجهه بإطراء كبير ثم نادى على الغلمان: "أحضروا شاياً جديداً! هؤلاء ضيوف أجلاّء!"
حين خرج الغلام بالصينية رأى سون وكونغ بعين ثاقبة أن الكوب الخامس فيه تمرتان سوداوتان بينما الأربعة الأخرى تمر أحمر. قال سون وكونغ: "أيها الشيخ، هلاّ تبادلنا الكوبين؟" ضحك الطاوي وأجاب بعذر مقنع: "أنا فقير المنزل وهذا التمر الأسود يكفيني." قال سون وكونغ من جديد: "تبادل!" فتدخّل تانغ سانزانغ: "كفى يا وكونغ، لا تُسئ للضيافة." اضطرّ سون وكونغ للصمت، لكنه أمسك كوبه بيسراه وغطّى فمه بيمناه ولم يشرب.
لكن تشو باجيي كان جائعاً ظمآناً وابتلع التمر دفعةً واحدة، وفعل تانغ سانزانغ وشا وجينغ مثله. وبعد لحظات تغيّر وجه تشو باجيي واصفرّ وبدأ يُهمهم، ثم رأى سون وكونغ شا وجينغ يدمع وتانغ سانزانغ يتقيّأ الرغوة ويسقط على الأرض. عرف سون وكونغ في الحال ما جرى فرمى كوبه في وجه الطاوي وصاح: "يا حيوان، سمّمت أستاذي!" وأخرج عصاه.
قاتل الطاوي بسيفه في نحو ستين جولة حتى بدأ يضعف. فجأةً خلع معطفه وكشف عن ضلعيه حيث كانت ألف عين تتوهج بضوء ذهبي عنيف. كان هذا هو المارد الألف العين، وكان ضوءه يُعمي ويُربك ويسدّ الطريق في كل اتجاه. وجد سون وكونغ نفسه يدور في دوّامة من الذهب لا يجد مخرجاً، يحاول الصعود فيصطدم، يحاول اليمين فيعود، كمن وضع في برميل دائر.
غضب من نفسه وقفز بكل قوته إلى الأعلى فاخترق حاجز الضوء وخرج، لكنه سقط سقطةً أرضية أوجعت رأسه. لمس قمة رأسه فوجدها طريّة، وقال في دهشة: "في تاريخي قطعوا رأسي بالسيوف وضربوني بالفؤوس فلم يبكِ جلدي، فكيف صارت رأسي طريّة من ضوء؟"
حاول الدخول من جهات أخرى فلم يفلح. قرّر أن يذهب من الأسفل فتحوّل إلى الخَلَد حفّار الأرض وغاص في التراب وسار عشرين ميلاً تحت السطح قبل أن يطلع. قام على الأرض وبكى وقال مناجياً معلمه الغائب: "يا معلم، كم شررنا بكل الأخطار الكبرى وها نحن نتعثر في قناة صغيرة."
وفي تلك الساعة المحزنة سمع من وراء التلة امرأة تبكي وتحمل ماءً ومحارق ورقاً. اقترب منها وسألها عمّ تبكي، فقالت: "زوجي قتله طاوي معبد الزهرة الصفراء لأنه اشترى منه قصباً ثم اختلف معه في الثمن." بكى سون وكونغ معها فحسبته يسخر منها وأدارت وجهها عنه. فشرح لها قصته كاملاً: المعلم المسموم وتشو باجيي الملقى وشا وجينغ النائم والطاوي ذو الألف عين.
نظرت إليه المرأة وقالت: "أعرف هذا المارد. إنه المارد الألف العين وبريقه لا يُكسر إلا بإبرة خاصة في حوزة حكيمة تسكن جبل السحاب البنفسجي في كهف الألف زهرة، تبعد عن هنا ألف ميل جنوباً." ثم اختفت المرأة فجأةً قبل أن يرفع بصره، وفهم سون وكونغ أنها كانت عجوز الجبل الأنثى التي أرسلتها السماء رحمةً.
نشر أجنحته الغيمية وطار جنوباً كالبرق. لم يتأخر كثيراً حتى وجد الجبل وكهف الألف زهرة. دخل بأدب ووجد فيه امرأة ذات شيبة وقار تجلس بهدوء. حين ذكر اسمها قالت: "من أخبرك بي؟ لم أخرج منذ ثلاثمئة عام." ولم يصارحها بما أخبرته العجوز لأن العجوز كانت قد حذّرته ألاّ يذكر اسمها لأن الحكيمة تنفر من الإحراج.
قال: "أنا أبحث عمن يكسر ضوء المارد الألف العين لينقذ معلمي." قالت: "لديّ إبرة صغيرة تفعل ذلك." قال سون وكونغ في نفسه ضاحكاً: "لو كنت أعرف أن المطلوب إبرة خياطة لكنت أحضرت حمل حمار منها." لكنه لم ينطق.
قالت الحكيمة وهي تحمل الإبرة في أصابعها: "هذه ليست من حديد ولا نحاس، إنها من عين ابني صُنعت." قال سون وكونغ: "ومن ابنك يا ربّتي؟" قالت: "ابني نجم المِذنَب في السماء."
تذكّر سون وكونغ فجأةً أن نجم المِذنَب هو الديك الأول في السماء، والديك أعدى أعداء المارد الألف العين كما أن الدجاج أعدى أعداء العقارب وأبناء البيئة الدبقة.
طارا معاً إلى المعبد. من فوق الغيوم رأت الحكيمة الضوء الذهبي المبثوث. أخذت الإبرة ورمتها في الهواء فاخترقت الضوء كأنها خيط يمزّق نسيجاً فإذا بالألف عين تُغلق دفعةً واحدة ووقف الطاوي عاجزاً لا يرى ولا يتحرك.
دخل سون وكونغ بعصاه وأراد الضرب، لكن الحكيمة أمسكت بيده قائلةً: "اصبر، دعني أرى معلمك أولاً." دخلوا إلى الداخل ووجدوا تانغ سانزانغ وتشو باجيي وشا وجينغ ملقين على الأرض تخرج من أفواههم الرغوة. قالت الحكيمة: "لحسن الحظ أتينا في الوقت المناسب؛ هذا السم يذيب العظام في ثلاثة أيام." ثم أخرجت من كمّها ثلاث حبّات من التريّاق الأحمر وأعطت لكل واحد حبّة. في لحظات قاؤوا السمّ واستعادوا وعيهم.
أوّل من نهض كان تشو باجيي يشكو من الغثيان. ثم تانغ سانزانغ يلوك الهواء الطازج. ثم شا وجينغ يتفحص يديه وكأنه يتأكد أنه ما زال حياً.
حين رأى الطاوي ذلك العجز يسري في جسده أدرك أن نهايته قريبة. فكشف عن حقيقته وهي دودة المئة رجل العملاقة ذات الضوء السام. قالت الحكيمة للتلاميذ: "دعوني أخذه لأجعله حارساً في كهفي؛ لا حاجة للقتل ما دام لا يقدر على الأذى." فوافقوا وودّعوا الحكيمة بكلمات شكر خالصة.
حرق سون وكونغ المعبد كما فعل بالكهف قبله، ثم ساروا في طريقهم غرباً. وبعد أن ابتعدوا قال تشو باجيي: "أنا لن أسال مرة أخرى عن الطعام في بيت لا أعرف أصحابه." فضحك الجميع لأن هذا الذي قاله كان يجب أن يقوله تانغ سانزانغ، لا تشو باجيي.