موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل الثالث والسبعون: الحقدُ القديم يُنتج السمَّ وسون يستغيث بالبوذيسافا الألف عين

شياطين العنكبوت يشكين لأخيهم الطاوسيِّ الذي يُسمِّم الأربعة بالشاي. سون يُقاتل الشيطان ذا المائة عين فيُحاصَر بالضوء الذهبيِّ ويهرب من تحت الأرض. بوذيسافا بيلان تُحطِّم الضوء بإبرة الابن الديك.

سون وكونغ شيطان المائة عين بوذيسافا بيلان السمِّ الفصل الثالث والسبعون

بعد الكهف المُحترق بميلَين. طريقٌ أمامه مرصوفٌ بالربيع الذي لا يعبأ بما سبقه. الأربعة على الجادَّة حين لمح سانزانغ ما بدا كمعبدٍ أو دارٍ كبيرة.

"مرصدُ الزهرة الصفراء."

سون قرأ اللافتة وقرأ من خلفها. "هذا معبد تاوي. بخارٌ ونار وأوانٍ ومراجل."

سانزانغ نزل عن الفرس. "نحن جميعًا نسعى للجبل المقدَّس بطرقٍ مختلفة. لا ضرر في الزيارة."

دخلوا.


الكاهن الذي خرج من الرواق الشرقيِّ كان يُحضِّر أقراصًا دوائيَّة. وجهٌ كالقار الداكن وعيون تنيرانه وقامةٌ تختلط فيها الضخامة مع التقطُّب. رأى الأربعة فوقف ثمَّ رحَّب بالكرم الذي يُخفي شيئًا لا يُعلن — كرمٌ سريع جدًّا لغريبٍ لم يُتوقَّع.

أدخلهم. جلسوا على كراسٍ باردة من الصخر.

في الوقت الذي ذهب فيه الكاهن إلى الداخل — كانت الشياطين السبع يجلسن في الجناح الخلفيِّ يخطن ثيابًا من المخزن. حين سمعن الكاهن قادمًا سألن الولد الصغير: "من الضيوف؟"

"راهبٌ أبيض بدينٌ وراهبٌ بأذنَين طويلتَين وراهبٌ أسمر وراهبٌ صغير."

الشياطين السبع نظرن إلى بعضهنَّ. "هم."

أشَرن للولد أن يُرسل الكاهن.


الكاهن حين سمع — اكتسى وجهه شيئًا لم يكن فيه قبل دقيقة. بالطريقة التي يتغيَّر بها الوجه حين يسمع ما يُريد فعل ما يريده بمبرِّرٍ جاهز.

قصَّة الشياطين السبع كانت ملائمةً للغاية: الراهب الذكيُّ سرق الثياب، والراهب الكبير الأذنَين انتهك الخصوصيَّة، والاثنان مسَّا ما لا يُمسُّ. أيُّ أخٍ يسمع هذا ويصمت؟

الكاهن قال: "وأنتنَّ تريدن؟"

"الانتقام. أو الثأر. أو الاثنَين. ويُفضَّل الاثنَين."

الكاهن قام وصعد السلَّم الخلفيَّ ورفع الصندوق الصغير الجلديَّ من فوق العوارض. مفتاحٌ في منديله ينفتح على مسحوقٍ بلون الأرض. هذا المسحوق — قُطِر من برازِ مئةِ طائرٍ مُجمَّعٍ ومُطهَّرٍ بالنار خمسًا وعشرين مرَّة حتَّى صار دهنًا ثمَّ صار مسحوقًا ثمَّ صار ما هو عليه — لا يحتاج لكثير.

أخذ ثلاثة أصابع وأخفاها في التمر الأحمر. تمرةٌ لكلِّ فردٍ.


الشاي جاء في طاسٍّتَين. الكاهن ناول سانزانغ واحدةً. رأى باجي الأكبر جسمًا فأعطاه الثانية وشا الثالثة وسون الرابعة.

لكن سون رأى أنَّ في الصينيَّة طاسَّةً خامسةً بتمرتَين سوداوَين بدلًا من الحمراء. "أتبادلك."

"لا لزوم —"

"أتبادلك."

الكاهن شرح: صحنه الشخصيُّ، تمرٌ أقلُّ جودةً، لا يُقدَّم للضيف. سانزانغ قال لسون أن يكفَّ. سون أمسك الطاسَّة بيده اليسرى وبيده اليمنى غطَّى التمرة.

نظر وهم يأكلون.

باجي أوَّلًا — ابتلع التمرة بلا تفكير. سانزانغ أكل ببطءٍ وأدبٍ. شا بالرتابة التي يفعل بها كلَّ شيء. سون لا يزال يُمسك.

ثمَّ —

وجه باجي تغيَّر أوَّلًا لأنَّ باجي ابتلع أوَّلًا. شيءٌ كالغثيان ينتشر من المعدة إلى الرقبة إلى الوجه. عيناه لم تُغمضا بل ارتبكتا. سانزانغ توقَّف عن الكلام في منتصف جملةٍ لم تكن مهمَّةً لكنَّها الآن تبقى في الهواء بلا نهاية. شا استند إلى الجدار ببطءٍ منضبطٍ حتَّى اللحظة التي ما عاد بمقدوره الانضباط فيها.

الثلاثة على الأرض.

سون رمى بطاسَّته في وجه الكاهن. انكسرت على الأرض بالصوت الذي يُلخِّص الغضب الذي لا يجد كلمة.


الكاهن سحب السيف. سون أخرج عصاه.

"أنت وشياطين العنكبوت — أخٌ في المعبد؟"

"أخٌ في التعليم. وهنَّ أخواتٌ في الخيبة."

"ما هذه القصَّة عن الأذى؟"

"هنَّ قلن ما يُناسب."

"باجي غير معصوم لكنَّه لم يفعل ما يستوجب السمَّ لأستاذه."

"ما حدث حدث."

العصا والسيف تبادلا الموضع في الهواء خمسين مرَّة. الكاهن ثابتٌ وسريعٌ وعنده تقنيَّة — يُقاتل كمن يُقاتل من حقٍّ لا من هجوم. ستون جولة ولا حسم. الكاهن لا يُقهر بالضرب المباشر.

ثمَّ من الخلف — السبع يخرجن. خيوطهنَّ لم تكن جاهزةً بل كانت جزءًا من الخطَّة. الشبكة تنزل من الجهات الثلاث في آنٍ واحد — سون رأى اثنتَين وفاتته الثالثة.

الشبكة فوقه. الهواء انسدَّ بالحرير الذي لا يُقاوَم بالضرب المباشر. سون تذكَّر درس كهف الشيطان وقفز للأعلى بكلِّ قوَّةٍ — انكسر شيءٌ في الشبكة وخرج بجانبٍ واحد مُهتِمًا.

في الخارج تحوَّل ونظر من الأعلى. الكهف الآن يختفي تحت طبقاتٍ من الحرير اللامع.


الكاهن خلع ثوبه.

تحت الثوب — جسمٌ عادٌّ بذراعَين. لكنَّ الذراعَين مفتوحتان. وفي كلِّ إبطٍ — عيون. مئةٌ في كلٍّ منهما وربَّما أكثر. كلُّ عينٍ أطلقت خيطًا من الضوء الذهبيِّ.

ضوءٌ يملأ الهواء من تحت وفوق ويمين ويسار. ليس الضوء الذي يُعمي — بل الذي يُحبس فيه. كلُّ خطوةٍ لسون تنتهي بجدارٍ. للأمام لا — للخلف لا — لفوق لا — للجانبَين لا. مثل وعاءٍ شفَّاف.

سون قفز للأعلى بكلِّ ما فيه — ضوءٌ صلبٌ في السقف وكأسه يصطدم بزجاج. رأسه أُذِيَ بالقدر الذي يستغرب فيه سون أن يُذاء. سحق رأسه يحتاج أكثر من ضوء ذهبيٍّ.

ثمَّ جلس في وسط المكعَّب النوريِّ وفكَّر. الشعبيُّ يقول: المحبوس يختار الاتِّجاه الذي لم يجرِّبه. لم يُجرِّب الأرض.

تحوَّل إلى الحيوان الذي يعرف الأرض أكثر ممَّا يعرف الهواء — أرماديلُّو الصين، المُسمَّى عند الأطبَّاء بنبات الجبل المُجوَّف. مخالبٌ أربعةٌ كحديد الجذل وجلدٌ مُقشَّرٌ يمنع الأشواك والخيوط والضوء.

حفر.

المخالب في الأرض أسرع من الأرجل في الهواء حين يكون الهواء مسدودًا. عشرون ميلًا في الأرض الرطبة المُضغوطة والضوء لا يزال شريطًا فوقه. ثلاثون — والشريط أرقُّ. أربعون — ولا شيء. خرج من الأرض بأصابع طينيَّة ورأسٍ يُعيد التجميع.


عيونه كانت مدموعة. ليس من الحزن — من الضغط.

جلس على حجرٍ وصارَحَ نفسه: الأستاذ والأخوَّة الثلاثة مسمومون. السمُّ الذي رآه يعمل على المُغنٍّ والراهب والجنديِّ والفرس بالتدرُّج. لا يُعرَف الوقت المتبقِّي.

من بعيدٍ — صوت بكاء.

امرأةٌ بملابس العزاء. يدٌ تحمل كوبًا من الماء البارد وأوراق محروقة وهي تمشي وتبكي في آنٍ واحد. سون نهض وسألها.

"زوجي مات من شاي الكاهن نفسه. اشترى منه خيزرانًا فخاصموا فنتقم."

"أعرف الكاهن. أعرف سمَّه. أخبريني — من يستطيع كسر ضوءه الذهبيِّ؟"

المرأة توقَّفت. نظرت إليه نظرةً قيِّمة. "في الجبل الأرجوانيِّ — كهف الألف زهرة — بوذيسافا بيلان. هي وحدها تملك ما يكسر ذلك الضوء."

سون قال: "وسمُّ التمر —؟"

"بيلان تملك الترياق أيضًا. اذهب الآن. السمُّ يعمل بثلاثة أيَّام."

سون أراد أن يشكر فالتفت — لا أحد. الحجر خالٍ. الطريق خالٍ. في الأعلى شيءٌ كالسحابة يتحرَّك جنوبًا.

سون فهم. المرأة التي في الوقت المناسب في المكان المناسب مع المعلومة الصحيحة لا تأتي صدفةً في كون القصص العظيمة. لم يُعلِّق.


كهف الألف زهرة كان من النوع الذي يبدو أصغر من الخارج ممَّا هو من الداخل. كانت بيلان جالسةً على مقعدٍ منخفض تقرأ في لا شيء بعينَيها المُغمضتَين. سون وقف أمامها.

"جئتَ بسبب الكاهن ذي المائة عين."

"نعم."

"وأستاذك مسموم."

"نعم."

"وتريد الترياق وكسر الضوء."

"نعم."

"ثلاثة من الأسئلة الصحيحة." فتحت عيونها. "آتي معك."


من كمِّها أخرجت إبرةً. بحجم شعرة الحاجب، بطول أصبعَيه المنضمَّتَين، ليست من الحديد ولا من الذهب ولا من الفضَّة. سون نظر إليها ثمَّ نظر إلى كفِّه المليء بإبر مماثلة.

"عندي كمٌّ منها."

"إبرك من معدن. هذه من عين."

"عين من؟"

"ابني — نجم الثريَّا. وهو في أصله ديكٌ." قالتها بالبساطة التي يُقال بها ما لا يحتاج تبريرًا.

سون فهم فجأةً ما لم يفهمه من قبل. الديك يأكل المئويَّات. والمئوية هي...

"الكاهن مئوية؟"

"بالضبط. وابني ديك. والديك يعرف المئوية أكثر ممَّا تعرف المئوية نفسها. هذه ليست إبرة بمعنى الخيَّاط — هي معرفةٌ مُكثَّفة في معدنٍ تحرَّر من المعادن."

الضوء الذهبيُّ يلمع في الأفق حين اقتربا من المرصد — كالشمس في غير موضعها ووقتها. بيلان رفعت الإبرة بأصبعَيها ورمتها نحو مركز الضوء بالهدوء الذي يرمي به من يعرف النتيجة قبل الحركة. الإبرة في الهواء أصبحت نقطةً واحدة ثمَّ انغرست في مركز الضوء.

صوتٌ كانكسار الزجاج بلا صوت — صمتٌ يشغل نفس الموضع الذي يشغله الصوت.

الضوء انقلب.


الكاهن في الداخل واقفٌ بلا حركة. لحظة انكسار الضوء كانت اللحظة التي فقد فيها ما يُتقن فيه — ما أتقنه، ما انتظره، ما بنى عليه الثقة بنفسه. بلا الضوء الذهبيِّ الكاهن مجرَّد جسدٍ مع سيف.

بيلان وقفت أمامه وأشارت إليه بأصبعٍ واحد — الأصبع التي تعرف ما تفعل وأين تُشير. الكاهن سقط ثمَّ تقلَّص ثمَّ أصبح ما هو عليه حقًّا: مئوية بطول ذراع الإنسان، سوداء، بأرجلٍ تُعدُّ لا تنتهي — وكلٌّ من الأرجل يتحرَّك بمنطقٍ مستقلٍّ عن البقيَّة.

بيلان رفعتها بالأصبع الصغير. "أُبقيها حارسةً لبيتي."

باجي قال من الأرض حيث كان لا يزال يُعاني: "سمحتِ لها بعد ما فعلت؟"

"الخدمة كفَّارة."

سون أعطى باجي يده لينهض. ثمَّ قال لبيلان: "الترياق؟"

أخرجت قطعةً من الورق المُبلَّل بثلاث كُريَّات حمراء. "واحدةٌ لكلٍّ."


سانزانغ وشا وباجي — الثلاثة بلعوا كُريَّةً واحدة لكلٍّ. في الدقائق العشرِ التي تلت كانت أصواتٌ لا تُكتَب والمعدة تُقرِّر الاستسلام للترياق. ما كان فيهم من السمِّ ذهب بالطريقة التي يذهب بها ما ليس في مكانه الطبيعيِّ. حين انتهى: الثلاثة يجلسون يتنفَّسون بالنهم المُسالم للكائنات التي أُعيدت إلى التنفُّس.

باجي قال: "أنا بخير."

شا قال: "وأنا."

سانزانغ قال: "نشكر."

بيلان لم تنتظر الشكر — رفعت يدها بالإيماء الذي يعني "هذا ما كان يجب" وذهبت. سون نظر إلى ظهرها حتَّى اختفى في الطريق. تذكَّر المرأة في ملابس العزاء التي اختفت في السحابة على الطريق. ربَّما كانت هي. ربَّما لا. لكنَّ القصَّة تسير بطريقةٍ تُشير إلى أنَّ المساعدة تأتي حين يُحتاج إليها وليس دائمًا من حيث يُتوقَّع ولا بالشكل الذي يُعرَّف به الطرف المُساعد.

باجي سمع كلمة "مؤونة" فانتصب بالسرعة التي يُعافى بها من الدوار حين يُوجَد سببٌ كافٍ لذلك.

"ابحث في المطبخ. هو معبد تاوي — فيه دائمًا شيء."

وجد الأرز والبصل وبضعة جذورٍ جافَّة وزجاجةً من الخلِّ وبعض العشب المُجفَّف. طهَى بالمعرفة التي اكتسبها في سنواتٍ من العثور على ما يكفي من لا شيء تقريبًا. لم يكن يُطهِّي لأنَّه يُحبُّ الطبخ — بل لأنَّه يُحبُّ الأكل والطبخ شرطٌ للأكل. الطعام لم يكن مميَّزًا لكنَّه كان حاضرًا وساخنًا — وهذا في كثيرٍ من الأوقات يكفي.

الأربعة أكلوا في صمتٍ راضٍ من النوع الذي يأتي بعد الخطر والنجاة وقبل الحديث عن الخطر والنجاة. الحديث يأتي لاحقًا عادةً حين تبرد الذاكرة قليلًا.

حين خرجوا كان المرصد يحترق خلفهم. الدخان ربيعيٌّ — يرتفع في الهواء النظيف بلا ثقلٍ لا ضرورة له وبلا حسرةٍ على ما يحترق.