الفصل 72: مغارة الحرير وسحرات العناكب — حين أسرت الشبكة قلوب الرجال
تانغ سانزانغ يقع في فخ سبع عفريتات العنكبوت في مغارة الحرير، وتشو باجيي يفقد رشده في نبع الاستحمام، وسون وكونغ يستعيد الأمل بخدعة ذكية.
لمّا ودّع تانغ سانزانغ ملك مملكة البنفسج وسار غرباً مع تلاميذه الثلاثة، جاء الخريف وذهب الشتاء وأطلّ الربيع بخضرته، فإذا بالطريق يمتد بين سفوح مزهرة وجداول متدفقة. وكان القلب يرتاح في ذلك اليوم لو لم يكن الخير مقروناً دائماً بالشر.
رأى تانغ سانزانغ عن بعد ما يبدو دوّاراً ريفياً جميلاً، فأناخ فرسه ونزل عازماً أن يستجدي وجبة بنفسه. وكم حاول سون وكونغ أن يصرفه عن هذا القرار قائلاً: "يا معلم، دعني أذهب أنا"، وقال تشو باجيي: "أنا المناسب لهذه المهمة"، غير أن الشيخ النقيّ أصرّ، قائلاً إن المكان قريب والنهار صافٍ وقد آن له أن يفعل شيئاً بيديه.
عبر الجسر الحجري القديم فوق الجدول الصافي ووجد أمامه كوخاً وادعاً تجلس أمامه أربع فتيات يشغّلن الإبر والخيوط. كان المشهد في ظاهره بريئاً كصفحة ماء راكد، لكن الأعماق كانت تخفي ما تخفي.
حين اقترب الشيخ متوسلاً، أقبلت الفتيات بوجوه طلقة وابتسامات دافئة، فاطمأنّ قلبه وتبع إحداهن إلى داخل الكهف. وما إن تجاوز العتبة حتى رأى أن الكوخ البسيط الذي تخيّله ليس سوى واجهة تخفي كهفاً واسعاً من الحجر البارد، مرصوفاً بطاولات وكراسٍ من الصخر، تسري فيه رطوبة المقابر.
ارتعد قلبه وقال في نفسه: "هذا المكان لا يبشّر بالخير"، إلا أن الفتيات ألحّن عليه بالجلوس وسارعن إلى تقديم الطعام. وحين وضعن الطبقين أمامه فاحت رائحة كريهة لا تشبه طعام البشر النظيف. قال الشيخ: "أنا نذر نفسي للحياة الخضراء منذ وُلدت، لا آكل اللحم"، وقالت الفتيات: "هذا نباتي خالص"، لكن الشيخ أصرّ بحزم أنه يعجز عن أكله.
حينئذٍ خلعت الفتيات مشابكهن وفجأةً من سرّة كل واحدة منهن انبثقت حبال من الحرير كغلظ البيض، تتدفق كتدفق الجداول وتلمع كالفضة. بسرعة خاطفة نسجن شبكتهن السحرية وأوثقن الشيخ من يديه وقدميه وعلّقنه من سقف الكهف في وضع "الحكيم الدالّ"، يديه للأمام وقدميه للخلف وبطنه للأسفل.
كان الشيخ في أوجاع جسده يبكي بصمت ويتمنى لو جاء أحد تلاميذه ليخلّصه من هذه الورطة التي جلبها على نفسه بإصراره الطيب.
في تلك الأثناء كان سون وكونغ يثب على أغصان الشجر ويقطف الفاكهة، حين التفت فجأةً ورأى ومضة بيضاء تعلو فوق الكوخ كأنها قماش يسبح في الهواء. قفز إلى الأرض وصاح: "الأمر سيئ! المعلم وقع في شرّ!" وأومأ إلى تشو باجيي وشا وجينغ. رأوا جميعاً ذلك الضوء الأبيض المعلّق كالحجاب فوق البناء واتفقوا على أن معلمهم وقع في يد مخلوقات شريرة.
قال سون وكونغ: "اصبرا. سأذهب أتعرف الأمر وأعود." ولأنه لا يحب الانتظار كما لا يحب مصارعة الخيوط الناعمة، تحوّل إلى ذبابة صغيرة وطار خفية إلى الكهف. رأى معلمه معلّقاً فاستيقظت في صدره حرارة الغضب، لكنه تمالك نفسه. كان يعلم أن الخيوط السحرية لا تُقطع بالعنف، فإن ضربها تفلطحت دون أن تنكسر وربما التفّت حول ذراعيه.
همس مستنجداً بإله الأرض المحلي فظهر الشيخ الوديع وهو يرتعش من الاستدعاء المفاجئ وقال إن هذا المكان يُسمّى وادي الحرير وإن الكهف اسمه مغارة الحرير، وإن ساكناته سبع عفريتات عناكب، وإن ثمة نبعاً ساخناً على بعد ثلاثة أميال اسمه نبع الطهارة، وكانت يوماً بركة تستحم فيها حوريات السماء قبل أن تستولي عليها العفريتات. وقال إله الأرض: "إنهن يذهبن إليه ثلاث مرات في اليوم للاستحمام وها هو الظهر يقترب."
قال سون وكونغ: "استحسنت." وودّع الشيخ الرعوب وطار إلى النبع. وجد الماء فيه يغلي في هدوء كأنه قلب يتنفس. جلس على غصن منتظراً فلم يمضِ وقت طويل حتى خرجت الفتيات السبع من الكهف يضحكن ويتشابكن بأذرعهن وعبرن الجسر صوب النبع.
حين رأى سون وكونغ الفتيات رأى أنهن في الواقع حسنات المظهر، وفي نفسه قال: "لعلّ هذا ما أوقع المعلم في فخّهن. إن أمسكت بهن الآن وضربتهن بالعصا قلتم: سون وكونغ يضرب الفتيات! إن ذلك يُنقص من قدري." ثم تبسّم لأنه رأى فكرة أجمل. حين نزعت العفريتات ثيابهن ونزلن إلى الماء تحوّل سون وكونغ إلى عقاب جائع وانقضّ على السياج وخطف الثياب السبع كلها ثم حلّق بها بعيداً.
عاد إلى تشو باجيي وشا وجينغ وأراهما الغنيمة. قال تشو باجيي: "أستاذي، أحسنت، لكن كان ينبغي قتلهن." قال سون وكونغ: "أريد أن تذهب أنت وتقتلهن قبل أن نذهب لتخليص المعلم، لأن المخلوقات الحيّة خلفنا أخطر من العقبة أمامنا." قال تشو باجيي: "أعطني المهمة."
ذهب تشو باجيي إلى النبع ووجد العفريتات جالسات في الماء يلعنّ العقاب الخاطف. ضحك واستأذن في النزول معهن فصحن بوجهه: "هذا لا يليق!" فقال: "يومٌ حارّ، ما في الأمر شيء." قبل أن ينتهي الكلام ألقى مسمار الخنزير وقفطانه وقفز في الماء. ولأن تشو باجيي ابن الأنهار وابن الماء تحوّل فيه إلى سمكة الجرّي الزيتية وراح ينزلق بين أرجل العفريتات المذعورات. لاحقنه فلم يقدرن عليه، يجري من اليمين فيسبحن اليسار ومن الخلف فيرتد إلى الأمام، حتى أنهكهن الجري وخرج هو يقطر ماءً وينفخ نفخاً ومعه مطرقته يهزّ ذيله الطويل.
صحن في وجهه: "من أنت؟" فقال: "أنا تشو باجيي، تلميذ تانغ سانزانغ المسافر إلى الغرب." وحين سمعن الاسم اصفرّت وجوههن. وحين أشهر مطرقته للضرب تراجعن، وقالت إحداهن خائفةً: "سنعيد لك معلمك." قال تشو باجيي: "لقد جرّ بلاؤكن كفى." ورفع المطرقة ليضرب، لكن العفريتات دورن خصورهن وأطلقن من السرّة حبال الحرير السحرية لتُشكّل قبةً تحت السماء، ثم نثرن بالأرض شبكة تلفّ القدمين. وقع تشو باجيي في الفخّ وغرق في الحبال يقلب رجليه ويسقط مرةً بوجهه ومرةً بقفاه، حتى دوّخ وتعبت جوارحه وانبطح لا يقوى على الحركة.
وحين تقلّصت الحبال وأُفرج عنه عاد إلى رفيقيه يترنّح. قال سون وكونغ: "تعال، سنذهب معاً لإنقاذ المعلم." ثلاثتهم اندفعوا إلى الكهف، والعفريتات في تلك الأثناء كنّ قد عدن واستبدلن ثياباً قديمة وأرسلن إلى أبنائهن السبعة من الحشرات: النحل والزنابير والبعوض والذباب الملوّن وبقر الهواء والشمع والفراشة الزرقاء.
وقفت الحشرات السبع أمام باب الكهف وصاحت بالثلاثة: "توقفوا! نحن أبناء الأمهات السبع." ضحك سون وكونغ من صغرهم، لكنهن أطلقن صيحة "تحوّلوا!" فتضاعف عددهم من واحدة إلى عشرة إلى مئة إلى ألف إلى ما لا يُحصى، وغطّت السماء بأجنحتهم السوداء وانقضّت على الوجوه والرؤوس واللحى.
صاح تشو باجيي: "يا سماء، حتى الحشرات تؤذينا في هذا الطريق!" قال سون وكونغ: "لا تخف." ونتف شعيرات من ذيله ومضغها وبصق بها في الهواء فتحوّلت إلى سبعة أنواع من الصقور والعقبان: الأصفر والبنّي والأشهب والأبيض والنسر والصيّاد وعقاب الليل. والصقور تصطاد الحشرات، فانقضّت على الأبناء السبعة فرقةً فرقةً وبمنقارها التقطتهم حتى طُهّرت السماء.
اقتحم الثلاثة الكهف فوجدوا المعلم معلّقاً ما زال يبكي بهدوء. قال تشو باجيي: "يا معلم، ألا تكفيك هذه الرياضة؟ لم تطلب مني التعليق بدلاً عنك؟" قال شا وجينغ: "دعنا ننزله أولاً." قطع سون وكونغ الحبال وأنزل المعلم برفق. ثم أشعلوا ناراً في الكهف وساروا في طريقهم.
وسار المسافرون بعيداً عن مغارة الحرير، وشعر تانغ سانزانغ بخجل حقيقي من إصراره الذي أوقعه في المصيبة. قال سون وكونغ: "يا معلم، درسنا اليوم أن الطيبة لا تكفي وحدها. لا بدّ لها من بصيرة." فأومأ الشيخ ولم يردّ، لأن الحكيم يعترف بخطئه دون أن يشرح.