الفصل الحادي والسبعون: سون يسرق الأجراس والبوذيسافا تُعيد الوحش وعودة الملكة
سون يتنكَّر في هيئة الجارية ويسرق الأجراس الحقيقيَّة ليلًا. يُواجه الشيطان نهارًا بالأجراس ويُحرق الجبل. غوانيين تنزل وتكشف السرَّ — الوحش كلبها. عودة الملكة والثوب السامِّ والخلاص.
الكهف في الليل يختلف عن الكهف في النهار. النهار يُعطيه الضوء من شقوق السقف فيبدو شيئًا أقرب إلى البيت. الليل يرجعه صخرًا بلا تعريف.
الذبابة على الصخرة السوداء تنتظر منذ المغرب.
الجنود تعبوا من البحث وأسلموا أنفسهم للحراسة. الطبل يُقرَع كلَّ دقيقتَين. الأبواب مغلقة.
سون تحرَّك.
طار من الصخرة إلى السقف ومن السقف إلى شقٍّ صغير وعبر الشقَّ إلى ممرِّ الجناح الخلفيِّ. وقف على إطار الباب وسمع — بكاءٌ خافت من الداخل. طار إلى الشعر الأسود للملكة الجالسة وحيدةً على الكرسي تبكي بالطريقة التي يبكي بها من لا يريد أحدًا أن يسمعه.
همس في أذنها: "جين شنغ — لا تخافي. أنا لا أزال هنا."
الملكة توقَّفت عن البكاء بالطريقة التي يتوقَّف بها من يرى شبحًا. "من الذي يتكلَّم؟"
"سون وكونغ. في هيئة الذبابة. أنا فوق رأسك."
"أنت لا تزال حيًّا؟"
"أنا الكائن الذي لا يُقتَل بسهولة. لكنَّني محاصر. نحتاج ليلةً أخرى."
الملكة مدَّت يدها اليسرى المفتوحة. الذبابة نزلت إلى الراحة — سوداء صغيرة على جلدٍ أبيض — وقالت: "أنا."
الملكة نظرت إليها وصدَّقت.
الخطَّة كانت بسيطةً كأفضل الخطط: خمرٌ وتمثيل.
قالت الملكة: "إحضروا الجارية كيف يجعلها تنام."
سون نزع شعرةً من ذراعه وأعطاها نفسًا من السحر. الشعرة أصبحت حشرةً صغيرة بلا شكل يُفهم. وضعها على وجه الجارية التي جاءت حين نادتها الملكة. الجارية وقفت لحظةً ثمَّ خارت ركبتاها ووجدت الجدار وانزلقت إليه نائمةً.
سون نفض جسده وأصبح الجارية — وجهٌ كالثعلب وقامةٌ متوسِّطة وثوبٌ الخدمة.
الملكة خرجت من باب جناحها نحو الجناح الأمامي والجارية المُزيَّفة خلفها. الشيطان حين رأى الملكة تقبل نحوه — قام كمن فوجئ بشمسٍ لم يتوقَّعها.
جلسا وشربا. الملكة تُقدِّم الكأس وتقبل الكأس. الجارية المُزيَّفة تصبُّ وتتراجع وتصبُّ مرَّةً أخرى. الموسيقى التي يقدِّمها الشياطين المتنكِّرون في هيئة النساء تملأ الغرفة بالثقل المُخدِّر.
الشيطان يشرب أكثر ممَّا ينبغي.
سون انتزع شعراتٍ من ذراعه وعجنها بريقه وألقاها على ثياب الشيطان في اللحظة التي نظر فيها إلى الكأس. الشعرات تحوَّلت إلى القمل والبراغيث والبقِّ — الثلاثة الذين يعرفون كيف يجدون الجلد تحت الطبقات.
الشيطان بدأ يتحرَّك.
"ما هذا؟"
الملكة قالت بالصوت الذي يُقلِّل ويُبسِّط: "الملابس الداخليَّة تحتاج إلى غسيل. ليس عيبًا — حتَّى الملوك يُصابون بهذا."
الشيطان مدَّ يده إلى طيَّات ثوبه. حكَّ. "أخرجتَ عندي؟"
"دعني أُساعدك."
الملكة مدَّت يدها وبدأت تخلع الطبقة الأولى. ثمَّ الثانية. الجارية المُزيَّفة اقتربت وبدأت تتظاهر بمساعدة الملكة.
في الطبقة الثالثة — اللصيقة بالجلد — لمعت ثلاثة أجراسٍ ذهبيَّة.
سون قال: "دعني أُمسك الأجراس كي أُسهِّل عليك."
الشيطان في وسط حرجه لم يفكِّر. "نعم."
سون أمسك الأجراس الثلاثة. رآها من قريب: ذهبٌ قديم مصبوبٌ بحرفةٍ ليست من البشر. في كلِّ جرسٍ ثقبٌ صغيرٌ في رأسه وفيه قطعة القطن التي أعادها الشيطان بعد محاولة السرقة الأولى.
ثمَّ نزع ثلاث شعرات من ذراعه وعجنها بالريق ونفخ عليها. نمت. استدارت. أصبحت ثلاثةً تُماثل ما في يده بلا نقصٍ حتَّى في وزن الذهب ولمعان الصنعة.
وضع الحقيقيَّة في كمِّه. الأجراس المُزيَّفة في راحة يده.
في هذا الوقت سحب الحشرات من جسد الشيطان — القمل والبراغيث والبقُّ عادوا شعراتٍ في كمِّه. الشيطان أطلق نفسًا طويلًا من الراحة. الحكَّة توقَّفت.
"أعطيني الأجراس كي أضعها في صندوق الملكة. قلتَ إنَّك تثق بها."
الشيطان نظر إلى الجارية المُزيَّفة لحظةً — شيءٌ في مكانٍ ما أراد أن يُفكِّر. لكنَّ الارتياح الجسديَّ بعد ساعةٍ من الحكِّ والشرب والحديث كان أكثر إلحاحًا من أيِّ تفكير. ناول الأجراس. الملكة وضعتها في الصندوق الخشبيِّ وقفلته وربطت المفتاح في كمِّها.
سون استأذن بالخروج لإحضار المزيد من الخمر. خرج. مشى إلى الباحة. تحوَّل. طار إلى الباب الرئيسيِّ. وضع أصابعه على القفل ونطق — القفل فتح كمن ينتظر الإذن.
خرج.
فجرٌ في الجبل. الشيطان يلبس ثيابه ويخرج إلى الباحة الأماميَّة ويسمع صوتًا من خارج الباب.
"يا ابن أختي — افتح. أنا قادمٌ من مملكة التنِّين الأحمر."
"من الذي يُنادي؟"
"خالك الأكبر. جئتُ لأُعيد الملكة."
الشيطان خرج بالفأس المُزيَّنة وأمامه سون وكونغ بالعصا.
دارا بالطريقة التي تدور بها المعارك المتكافئة — ضربةٌ تُردُّ بضربة، وتقدُّمٌ يُعقبه تراجع، والعصا والفأس يُصدران صوتًا يُسمع في أسفل الوادي. خمسون جولةً بلا فاصل وبلا حسم. الجنود خلف الأبواب يتابعون بالتحذير الذي يتابع به من يعرف أنَّ الهزيمة لن تُعلَن على الفور وأنَّ الكارثة تأتي بعد توقُّف القتال لا خلاله.
ثمَّ الشيطان قال: "انتظرني — لم أُفطر بعد."
سون قال: "اذهب وكُل. خذ وقتك. الصائم في المعركة يُقاتل بالغضب لا بالمهارة."
الشيطان دخل وطالب الأجراس. الملكة ترددت — إن أعطته الأجراس الحقيقيَّة يقتل سون. إن أعطته المُزيَّفة تكون قد خانته دون جدوى. لكنَّها لا تعرف أيُّها أيٌّ. ثلاث سنواتٍ في الكهف علَّمتها أنَّ الصبر يُنجي، لكنَّ الصبر وحده لا يختار.
أعطته ما في الصندوق.
الشيطان خرج يُهدِّد. "انظر — أجراسي."
سون أخرج من خصره ثلاثة أجراس: "وأجراسي."
الشيطان تجمَّد. "كيف — إنَّها مثلها تمامًا."
"لأنَّ إحداهما حقيقيَّة."
هزَّ الشيطان أجراسه. لا نارٌ. لا دخان. لا رمل.
هزَّ سون الثلاثة دفعةً واحدة.
النارُ خرجت كالجبل. الدخان من الخمسة ألوان. الرمل الأصفر يُعمي الجبل ويملأ الوادي. الشيطان يجري ولا مكان يذهب إليه.
ثمَّ من السماء صوت: "سون وكونغ — أنا هنا."
غوانيين نزلت باليسرى الإبريق وباليميني الغصن. رشَّت الغصن فانسكب ماءٌ لم يكن من الإبريق يُخمد النار ويُذيب الدخان ويُعيد الرمل إلى الأرض.
سون انحنى.
قالت غوانيين: "جئتُ لأسترجع هذا."
سون قال: "من هو؟"
"كلبي الذهبيُّ. في لحظة لهوٍ للراعي كسر قيوده وجاء إلى هنا."
"كلبٌ يخطف ملكات ويُطلق النار والدخان؟"
غوانيين قالت: "أسمعني. ملك تشوتزي — في شبابه قبل أن يتوَّج، في أيَّام الصيد حين الأمراء يُجرِّبون أنفسهم بالسهم — أطلق السهم على طائرَين صغيرَين في سفح الجبل. الطائران كانا فراخًا لأمِّ البوذة الخضراء. واحدٌ مات فورًا والآخر مات من الجرح. الأمُّ قضت: ثلاث سنواتٍ تفترق فيهما الملكان. ثلاثٌ بثنتَين. كلبي سمع القضاء في تلك الجلسة وقرَّر من نفسه أن ينفِّذه — لم يكن يُؤذي بل يُؤدِّي."
سون قال: "ثلاث سنواتٍ مضت. وهي عادت سالمة. فلماذا الآن؟"
"لأنَّ القضاء أتمَّه رجلٌ صالح جاء من الشرق."
سون نظر إليها ثمَّ قال: "إذن اجعليه يعتذر من ثلاثين ضربة عصا ثمَّ خذيه."
"لا."
"عشرًا."
"لا."
"لأنَّ الاعتذار يتطلَّب جسدًا يُتعَب."
غوانيين قالت: "يُتعَب جسده ويبقى الفعل. أنا مسؤولةٌ عنه. أنا الكافلة. دعه."
سون وقف. نظر إلى الوحش الكبير المُكوَّم في التراب. ثمَّ قال: "أجراسك."
"نعم."
"كانت من مُلكي لوقتٍ قصير."
"وهي تعود إليَّ."
أعطاها الأجراس وهي ربطتها في عنق الكلب ثمَّ ركبت وطارت جنوبًا. سون وقف ينظر حتَّى اختفى الضوء.
دخل الكهف وحده. ما مضى خمس دقائق. الجيش من الوحوش والشياطين يبقى — لكنَّ ما يُبقي جيشًا جيشًا هو قيادته. بلا الشيطان الكبير، الجيش ضجيجٌ دون اتِّجاه. سون مشى من غرفةٍ إلى غرفة والعصا تفعل ما تفعل العصا — وحين انتهى، الكهف خالٍ من كلِّ ما كان يسكنه سوى الحجر.
الملكة كانت في جناحها جالسةً تنتظر.
"ننزل؟"
"كيف؟"
سون جمع عشوشبًا من كلِّ ما وجده وجدله حتَّى صار تمساحًا من الحشيش. "اركبي. وأغمضي عيونَيك."
الملكة ركبت وأغمضت عيونَيها بالثقة التي لا تُبنى إلَّا بعد أن يثبت أحدٌ أنَّه يستحقُّها. سون رفع التمساح الحشيشيَّ برفقٍ ثمَّ صعد والريح تُعدِّل مسيرهم. طار جنوبًا شرقًا نصف ساعة بلا مطبَّات حتَّى رأى أسوار مملكة التنِّين الأحمر تحته — صغيرةً أوَّلًا ثمَّ كبيرةً كما ينبغي لها.
"افتحي عيونك."
الملكة فتحت عيونها. رأت الأسوار المألوفة والأبراج التي لم تتغيَّر وشوارع المدينة التي تعرفتها الآن من فوق بدلًا من الداخل. وبكت — لكن من الارتياح لا من الحزن. البكاءان يبدوان متشابهَين في الملمح ويختلفان في الوزن.
في القصر — الملك رأى الملكة وهرع نحوها ومسك يدها وصرخ: "يدي!"
باجي ضحك: "مصيبة — ما إن رآها حتَّى آذته."
شا شرح: "على جسدها أشواك الثوب السحريِّ."
سون قال: "لا يزال عليها ثوب الحماية."
وفي تلك اللحظة جاء الصوت من السقف: "سون وكونغ — أنا هنا."
نزل من أعلى على سحابةٍ خفيفة شيخٌ بمعطفٍ من الغاب المُجدَّل وحذاءٍ من ليف التبن ومكنسةٍ طويلة يمسكها كعصا. لم يكن يبدو كمن يُسرع ولا كمن جاء عن غير قصد — جاء بالوقت الذي تصله من يُتقن قراءة اللحظات.
قال: "أنا من وضع الثوب على الملكة قبل ثلاث سنوات. كنتُ مارًّا من هنا حين رأيتُ الشيطان يخطفها. لم أستطع إيقافه — القدر كان قد أقضى. لكنَّني استطعتُ حمايتها من الاتِّصال الحرام. حوَّلتُ ثوبًا قديمًا إلى درعٍ من الشوك الخفيِّ."
وقف أمام الملكة ومرَّر يده في الهواء بالإيماءة التي تُخبر بالنيَّة قبل الفعل. الثوب سقط كقشرة الشجرة في آخر يوم من الشتاء — لا فجأةً بل بطريقةٍ تقول إنَّه أتمَّ مهمَّته.
الملكة مدَّت يدها والملك مسكها. لم يصرخ.
الشيخ قال: "لا شكر واجب. مررتُ وأنا أمرُّ." وصعد قبل أن يُجيب أحدٌ بما يستحقُّ أن يُقال.
المأدبة في القاعة الشرقيَّة كانت الأطول في المساء. الملك والملكة جالسان جنبًا إلى جنب لأوَّل مرَّةٍ منذ ثلاث سنوات. سانزانغ يأكل ببطءٍ ومداراة. باجي يأكل بالسرعة التي تُعوِّض وقتًا ضائعًا. شا يشرب الماء لأنَّه يُفضِّله على الخمر.
سون يجلس ويتذكَّر — غوانيين والكلب الذهبيِّ والأجراس التي كانت في يده ساعتَين. لا يُعبِّر عن شيء.
حين انتهى المساء، الملك أعطاهم وثيقةً مختومة وخيلًا جديدة وطريقًا معبَّدًا إلى الغرب. الحاشية صفَّت على جانبَي الطريق. الملك والملكة وقفا عند البوَّابة حتَّى اختفى الأربعة في الأفق.
سون، آخر من دار إلى الأمام، سمع صوت الملك يُودِّع من بعيد. لم يكن في الصوت ما يُعبِّر عنه الكلام — كان صوت من استعاد شيئًا كان قد يأس منه. مثل هذا الصوت نادرٌ لأنَّه يتطلَّب أوَّلًا اليأس الكامل ثمَّ العودة الكاملة — والكمال في كلا الاتِّجاهَين شرطٌ صعب.
سون فكَّر في غوانيين والكلب الذهبيِّ والأجراس التي حملها وردَّها. الأشياء التي تمرُّ في اليد ولا تبقى فيها تُعلِّم شيئًا لا تُعلِّمه الأشياء التي تبقى.
لم يلتفت. الطريق للغرب لا يُقرأ من الخلف.