موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل التاسع والستُّون: القلبُ يصنع الدواء ليلًا والملكُ يكشف سرَّ المرض على المائدة

سون يُشخِّص نبض الملك عبر الخيط الذهبيِّ ويصف داءَ الطائرَين المُفترَقَين. الدواء السريُّ من الزُّهرة والجرز ورماد القِدر وبول التنِّين. المطر من الأعماق وشفاء الملك والمأدبة وبوح الملك بسرِّ مرضه: الشيطان سرق الملكة.

سون وكونغ مملكة تشوتزي الدواء الملكة المسروقة الفصل التاسع والستُّون

الخيط الذهبيُّ الأوَّل دخل من نافذة الجناح الداخليِّ وامتدَّ حتَّى يد سون الجالس في الصحن. الخادم ربطه في معصم الملك الأيسر — عند ثلاث نقاط يعرفها الأطبَّاء منذ القِدَم: الإصبع والمفصل والكوع. سون أغمض عيونه وأخذ نفسًا وأسند أصابعه على الخيط بالخفَّة التي تُسند بها يدٌ متدرِّبة على ظهر طفلٍ نائم.

الخيط رجف — رجفةً لا تُرى لكن تُحسَّ.

قرأ النبض الأيسر بإصبع ثمَّ بإصبعَين ثمَّ بثلاثة. حوَّل الخيط إلى المعصم الأيمن وكرَّر. لم يتكلَّم خلال ذلك. الوزراء المُنتشرون في الصحن ينتظرون — والانتظار عندهم ثقيلٌ بسبب ما اعتادوه من الأطبَّاء الذين يُفتِّشون في الكتب بعد ما يحسُّون النبض. هذا لا يُفتِّش في أيِّ شيء.

بعد وقتٍ كافٍ ليطمئنَّ وكافٍ ليُقلق — جمع سون الخيطَين ونفضهما في الهواء ثمَّ ابتلعهما في فمه وخرجا من بين أصابعه شعراتٍ عاديَّةً من ذراعه. الوزراء الذين رأوا ذلك تبادلوا نظرات.

رفع صوته بلا مقدِّمة: "جلالة الملك — نبض المعصم الأيسر قويٌّ ومشدودٌ في المقطع الأوَّل، ومتقطِّعٌ ببطءٍ في المقطع الثاني، وعميقٌ متناثرٌ في الثالث. ونبض الأيمن طافٍ متزلِّقٌ في الأوَّل، وبطيءٌ عاقدٌ في الثاني، ومتسرِّعٌ محبوسٌ في الثالث."

صمتٌ من النوع الذي يحبس أنفاسه.

"أمَّا التشخيص — فهذا داء الطائرَين المُفترَقَين."

من داخل الجناح جاء صوت الملك متعجِّبًا: "أصابَ. أصاب. هذا بالضبط ما أحسُّه."

خرج سون من أمام الجناح والوزراء يتبعونه. أحدهم سأل: "ما الطائران المُفترَقان؟"

سون قال وهو يمشي: "طيرٌ ذكرٌ وأنثى يطيران معًا منذ أمد. يضربهما عاصفٌ مفاجئ فيتفرَّقان. الأنثى تبحث عن الذكر ولا تجده. الذكر يبحث عن الأنثى ولا يجدها. الاثنان يصيران إلى الحزن — وهذا الحزن حين يلتقي بطعامٍ تجمَّد في البطن يصير مرضًا من النوع الذي لا يُعالَج بالأعشاب."

الوزير الكبير قال: "ومع ذلك أنت تصف الأعشاب."

"أصف ما يُطلق ما تجمَّد. الباقي يُطلقه ما لم يتجمَّع بعدُ — والملك يعرف ما هو."


في مخزن دار الضيافة أحصى الوزراء ثمانيةً وثمانية وثمانمائة مستحضرٍ طبِّيٍّ — كلُّ نوعٍ بثلاثة أرطال — ووضعوها أمام سون الذي نظر إليها ثمَّ نظر إلى شا وباجي.

باجي قال: "ألفا وأربعمائة وأربعةٌ وعشرون رطلًا."

"لم أسألك عن الحساب."

"أحسبُ حين أرى طعامًا أو دواءً لأعرف الكميَّة المتاحة."

سون التفت إلى الوزير المسؤول: "اتركوا الأدوات وانصرفوا. لا أعمل أمام جمهور."

انصرفوا. أغلق سون الباب.

قال لشا: "خُذ رطلًا من الجرز وسحَّقه."

شا أمسك المدقَّ وعمل. ثمَّ قال بصوتٍ الطالب الذي يعترض: "الجرز مرٌّ بارد. لمرضٍ طال ثلاث سنوات وأنهك الجسد — هل يحتمل هذا؟"

"يحتمله حين يكون ما في بطنه أثقل من الجرز."

"وباجي — " قال سون بلا التفاتة — "رطلٌ من الحبَّة البيضاء. أزل القشرة والغشاء واسحق النفط منها."

باجي وقف: "الحبَّة البيضاء تُحطِّم الجبال من الداخل."

"هذا ما نحتاجه."

باجي سحق وهو يُمتمتم. حين انتهى وضع سون السحوقَين جانبًا ومدَّ يده إلى موقد القِدر في زاوية الغرفة وأخذ نصف طاسةٍ من الرماد الأسود.

شا نظر: "رمادٌ في الدواء؟"

"يُسمِّيه الأطبَّاء القدامى: البَرَد المئة العُشب. يُعدِّل ما يُفرط ويُوقِّع ما يطير. افعل ذلك بلا نقاش."

دمج السون الثلاثة ومزجها. شكَّل ثلاث حبَّاتٍ من الحجم الذي يُبتلع.

ثمَّ قال: "نحتاج شيئًا رابعًا. اذهبا معي إلى الفرس."


الفرس الأبيض نائمٌ في حظيرته على جانبه. باجي ركله برفقٍ — الرفق الذي يُخفي الرغبة في ركلةٍ أشدَّ. الفرس فتح عيونًا لم تكن تنام بالكامل.

قال سون: "أخي — نحتاج منك شيئًا."

الفرس أدار رأسه.

"قليلٌ من بولك."

الفرس جلس ببطء ثمَّ قال — بلسانٍ بشريٍّ واضح أسمعه الثلاثة — : "أتعلم من أكون؟"

"تنِّينٌ من البحر الغربيِّ تاب وتجسَّد فرسًا."

"إذن تعلم أنَّ ما يُخرجه جسدي ليس ما يُخرجه جسدٌ عاديٌّ. ماءٌ نزل في نهرٍ — السمك يشربه ويصير تنِّينًا. ماءٌ سقط على عُشبٍ — العُشب يصير طاقمًا خالدًا. أنا لا أُهدر هذا في التراب."

سون قال: "الملك غربيٌّ مؤمن. جسده المريض انتظر هذا الدواء ثلاث سنوات. نحن هنا لإتمام طريقٍ لم نُختَر له عبثًا."

طالَ الصمت.

ثمَّ قال الفرس: "انتظروا."

شدَّ جسده وعضَّ على أسنانه وتضامَّ. باجي يحدِّق من بعيد. بعد وقتٍ طويلٍ بما يكفي لإحراج الجميع — سقطت قطراتٌ في الطاسة التي أمسكها شا بعنايةٍ وامتنانٍ صامت.

باجي عدَّ: "واحدة... اثنتان... ثلاثٌ... تسعٌ..."

الفرس نهض ونفض ذيله. "كفى."

كان نصف طاسة.

سون أخذها وعاد إلى الغرفة. مزج القطرات بالمساحيق الثلاثة وعجن الحبَّات من جديد حتَّى صارت متماسكةً وصلبة كالحجر الصغير. ثمَّ وضعها في علبةٍ خشبيَّة ونامت العلبة في كفَّه.

قال: "اسمها في الصيدلة: حبَّة الذهب الأسود."

شا قال: "وبماذا تُبتلع؟"

"بماءٍ لا جذر له — مطرٌ لم يُلمس الأرض بعد."


خرج الوزراء فرحين حين سمعوا الاسم: "الماء بلا جذر — نعرفه. نذهب إلى النهر ونأتي بكوبٍ قبل أن يسقط."

سون قال: "النهر له قاعٌ وله منبع. هذا ماءٌ له جذر. الذي أقوله مطرٌ يُمسَك في اللحظة التي يقع فيها من السماء — لا قبل ولا بعد. لا يُلمس إناءٌ ثمَّ لا أرض."

صمتٌ. "وإذا لم تمطر السماء؟"

"ستمطر."


قال سون لشا وباجي: "قفا عن يميني ويساري." ثمَّ وقف في وسط الصحن ونظر شرقًا وقرأ شيئًا في الهواء لا يُقرأ بالعيون العاديَّة. ثمَّ نطق — لا بصوتٍ عالٍ بل بالنوع الذي يُوصِل ما يُريد توصيله.

من الشرق جاءت سحابةٌ واحدة. تحتها، خافيًا عن العيون: تنِّين البحر الشرقيِّ أوغوانغ.

قال أوغوانغ: "ابن عمِّي الكبير — دعوتني؟"

"للمطر. قطراتٌ فوق القصر. لا رعدٌ ولا ريح — فقط ما يُملأ به عشرة أكوابٍ."

"جئتُ بلا سحبٍ ولا مطرمة ولا مساعدين."

"إذن افعل ما يفعله التنِّين حين يُريد المطر بلا ضجيج."

الخادم أطلق أنفاسًا — شيءٌ بين الرذاذ والمطر — فنزل على القصر كالندى الكثيف. أمام القاعة، الوزراء والخدم يرفعون الأكواب والأطباق والأوعية. من رفع طاسةً صغيرةً أمسك ثلاث قطرات. من رفع وعاءً واسعًا جمع عشرًا. في ساعةٍ واحدة كان في القصر ما يكفي.


ابتلع الملك الحبَّة الأولى بكوبٍ من الندى. ثمَّ الثانية. ثمَّ الثالثة. ثمَّ انتظر.

لم يطل الانتظار.

صوتٌ في بطنه كالطاحون يدور. ثمَّ حركةٌ. ثمَّ حاجة. ثمَّ ثلاث مرَّاتٍ أُفرغ فيها ما لم يُفرَغ منذ ثلاث سنوات. الخادمتان اللتان فتحتا الإناء رأتا ما لا يُوصَف — وفي وسطه كتلةٌ بيضاء من الأرز لم تتحلَّل. ثلاث سنوات وكانت هناك.

الملك نهض ولبس ثوبه ومشى إلى القاعة بخطوةٍ لم يمشِها منذ وقتٍ طويل. جلساء المملكة نظروا إليه وبعضهم ذرف دمعةً لم يُعلنها.


المأدبة في الجناح الشرقيِّ — أربعةُ موائد لحمهنَّ نباتٌ وفاكهةٌ، وواحدةٌ للحم الذي لا يُقدَّم في مائدة الرهبان، وطويلاتٌ عن اليمين واليسار لمن حضر. الملك يرفع كأسه ويُقدِّمه لسانزانغ وسانزانغ يرفضه. الملك يُعيد تقديمه وسانزانغ يشير إلى تلامذته. سون يقبله ويشرب. الملك يُقدِّم ثانيًا. سون لا يرفض. ثالثًا ورابعًا — وسون يشرب بالمرونة التي يشرب بها من يعلم أنَّ الرفض في هذا السياق إهانةٌ مُقنَّعة.

باجي يرى الكأس يدور ولا يصله. عيناه تتبعان الحركة.

ثمَّ فتح فمه: "جلالة الملك — الفضل في الدواء يعود جزءٌ منه إليَّ أيضًا. والدواء كان فيه قليلٌ من بول ا—"

سون مدَّ كأسه عبر المائدة قبل أن يُكمل الجملة: "خُذ."

باجي أخذ الكأس وشرب وصمت.

الملك قال بارتياحٍ: "النعمة الإلهيَّة جاءت في دواءٍ غريب المكوِّنات."

سون قال: "المكوِّن الغريب كان نبات الجرس الخيليِّ — الذي يُنشِّط النبض ويُطلق ما انسدَّ في الصدر. اسمه مشابهٌ لما أراد أخي أن يقوله لكنَّ معناه مختلف."

طبيبٌ في الطرف الآخر من المائدة رفع رأسه: "جرسٌ خيليٌّ؟ فعلًا — هو الأنسب للسدَّة المزمنة."

وهكذا انقضت المسألة.


حين ثقُل الوجدان بالامتنان، الملك وضع كأسه وقال: "الشُّكر لا يُوفِّيه الكلام. لكن يا راهب — مرضُ الجسد الذي عالجتَه كان جزءًا. المرضُ الحقيقيُّ له قصَّةٌ أخرى."

سون وضع كأسه: "قل."

الملك أخذ نفسًا. "قبل ثلاث سنوات — في عيد بداية الصيف — كنتُ في حديقة القصر مع نسائي وحاشيتي. يومٌ هادئ وعيدٌ لطيف. ثمَّ انبعثت ريحٌ من الجنوب وفي الريح كانت شبحٌ كبير يُشبه الإنسان ولا يُشبهه. أعلن أنَّه يسكن في كهف الوحش ذي القرنَين في جبل قيلين، وأنَّ له كهفًا يفتقر إلى امرأةٍ جميلة، وأنَّ ملكتي — جين شنغ — هي المقصودة. وأنَّه إن لم أُسلِّمها طوعًا — أكلني ثمَّ أكل رجالي ثمَّ أكل المدينة."

الملك توقَّف. الغرفة لم تتنفَّس.

"أنا ملكٌ ومسؤوليَّتي الرعيَّة قبل الزوجة قبل نفسي. أخرجتُها."

صمتٌ.

"الشيطان أخذها وغاب. بقيتُ أنا — وفي بطني كعكُ الأرز الذي أكلته لحظة الفرح قبل أن يأتي الخوف مباشرةً. الأرز تجمَّد والخوف بقي. والملكة غائبةٌ ثلاث سنوات. منذ ذلك اليوم لم أنم ليلةً واحدةً كاملة."

الملك يحكي بصوتٍ لا يرتفع ولا يهبط — صوت من تعلَّم أن يُبقي عواطفه تحت السقف حتَّى لا تُحطِّمه. "الشيطان يأتي كلَّ بضعة أشهرٍ يطلب جارياتٍ لخدمتها. وأنا أُرسل. وأنا أبني برجًا تحت الأرض أختبئ فيه حين يأتي. وأنا أمرض."

سون قال: "وتريد استردادها؟"

الملك نظر إليه بعيونٍ لم تُعبِّر عن المستحيل: "أكثر من أيِّ شيءٍ."

"إذن سأذهب."

الملك نهض وأراد أن يجثو. سون مدَّ يده ومنعه. "في هذا المجلس لا أحدٌ يجثو لأحد. قل لي اسم الشيطان."

"ساي تايسوي — الكبير الذي يُساوي السماء."

باجي قال من طرف المائدة: "اسمٌ أكبر من صاحبه."

سون قال: "سيتبيَّن ذلك."


أراد الملك أن يُريهم البرج تحت الأرض — مخبأه من الشيطان — وسون قَبِل. ساروا عبر الحديقة حتَّى قطعةٍ فارغةٍ تبدو كأيِّ أرضٍ مكنوسة. أشار الملك. رفع خادمان لوحًا حجريًّا مربَّعًا — وتحته حفرةٌ تنزل ثلاثة أذرعٍ فأكثر، وفيها تسعة أجنحة مضاءةٌ بالزيت في أربعة أكواز كبيرة.

قال سون: "الشيطان الذي لا يستطيع الدخول هنا أيضًا لن يستطيع الاحتفاظ بملكتك."

والملك على وشك أن يُجيب — حين جاءت الريح.

من الجنوب. فجأةً. بلا مقدِّمة — الريح التي لا تشبه الريح العاديَّة لأنَّها تُحرِّك الغبار في اتِّجاهٍ واحدٍ وتحمل معها رائحةً ليست من المكان.

الوزراء قالوا متذمِّرين: "هذا الراهب وفمه! تكلَّم عن الشيطان فجاء الشيطان!"

الملك قفز إلى الحفرة. سانزانغ تبعه بلا تفكير. الوزراء اختفوا في أجوبةٍ مختلفة.

سون أمسك بذراعَي باجي وشا وشدَّهما.

باجي قال: "أتريدني أن أبقى؟"

"انظر معي."

"والرعب؟"

"انظر أوَّلًا ثمَّ ارعب إن وجدتَ ما يستحقُّ."

في نصف السماء — كيانٌ طويلٌ تسعة أقدامٍ. وجهٌ أزرقٌ وعينان كالمصباحَين ومخالبُ عشرة والوقوف في الهواء بالطريقة التي لا تكون إلَّا لمن يعتقد أنَّ الهواء ملكه. في يده رمحٌ رفعه تحيَّةً أو تهديدًا أو الاثنين معًا.

سون نظر وتأمَّل.

شا قال: "هل تعرفه؟"

"يشبه صنفًا رأيته من قبل."

باجي قال: "يشبه كلَّ من لا أُريد أن أعرفه."

سون أطلق يدَيه وانتزع نفسه من الأرض باتِّجاه الأعلى — ومن أمامه في السماء، الوجه الأزرق ينظر إليه بالعيون التي تُقيِّم وتُقرِّر. الفصل التالي سيُكتَب فوق هذه الحديقة وتحت هذه السماء، حيث كلُّ ريحٍ لها صاحبٌ وكلُّ ملكةٍ مسروقةٍ لها من يعود بها.