الفصل الثامن والستُّون: سون طبيبٌ في مملكة تشوتزي
المجموعة تصل إلى مملكة تشوتزي. سانزانغ يروي تاريخ الصين للملك المريض. سون يسرق إعلان الطبيب ويُحشِّر باجي. ثمَّ يُجلِس الوزراء يُقبِّلون الأرض ويُعلن قدرته على تشخيص النبض بالخيط.
الصيف بلغ ذروته. الشمس تجلس في السماء بالثقل الذي لا يُستأذَن. الطريق ساخنٌ وظلُّ الأشجار يضيق عند الظهيرة. الأربعة يمشون ببطءٍ مُتعمَّد — الفرس وحاملو الأثقال والمشاة الثلاثة وسانزانغ فوق السرج بعيون تُقاوم الإغراء بالإغماض.
ثمَّ رأوا المدينة.
سون قال من أعلى: "ثلاثة أحرف على الراية."
سانزانغ قال: "الراية تتحرَّك في الريح، لا أستطيع القراءة."
"مملكة تشوتزي."
"تشوتزي — مملكةٌ غربيَّة. نحتاج ختم الوثيقة."
دخلوا من بوَّابةٍ تحترم من بناها — أعمدةٌ وأسوارٌ ومياهٌ تجري حول الأسوار. الشوارع من النوع الذي يُشير إلى أنَّ الناس هنا يعيشون لا فحسب يسكنون — بضاعةٌ وأسواقٌ وأصواتٌ تتراكب فوق بعضها.
لكنَّ الأصوات توقَّفت حين رأت المجموعة.
باجي بأذنَيه وفمه الذي يرفض الاستخفاء. شا بقامته وجلده الداكن. سون بوجهه الذي لا يصنِّفه المُشاهد بسهولة في الفئات المُتاحة له. الناس توقَّفوا أوَّلًا ثمَّ بعضهم تراجع. الأطفال والعاطلون لم يتراجعوا — بل تقدَّموا. أحدهم رمى قطعةً من الحجارة نحو باجي. ثمَّ رماها ثانٍ. ثالثٌ أضحك إذ رأى الأُذن الكبيرة. باجي لم يرفع رأسه — الأمر يتطلَّب صبرًا من نوعٍ لا يُوجد إلَّا في الكائنات التي اعتادت أن تكون الأكثر إثارةً للاهتمام في أيِّ مكانٍ تدخل إليه.
سانزانغ قال بصوتٍ خافتٍ: "رؤوسكم إلى أسفل. لا أحدٌ يستفزُّ أحدًا."
شا: أسفل. باجي: أسفل، يتحمَّل. سون: يمينًا ويسارًا وأعلى وأسفل، يرى كلَّ شيء بعيونٍ استمتعت بالمشهد.
دار الضيافة الرسميَّة — "هوِيتونغ غوان" — أخذتهم من هذا الفوضى. مسؤولون صغار في البداية نظروا باستغراب ثمَّ سمعوا "رهبان من تانغ في طريق إلى الجبل المقدَّس" وتغيَّر المشهد. غرفةٌ وتوفو ومشكلة: لا توابل.
شا قال: "الطعام موجود لكن لا ملح ولا سِمسِم ولا خلٌّ ولا زنجبيل."
سون قال لباجي: "اذهب إلى السوق واشترِ."
باجي: "أنا؟ رأيتَ كيف ينظرون إليَّ."
"قراءةٌ حرَّة ومشترٍ مدفوع الثمن. ما المشكلة؟"
"المشكلة وجهي في سوقٍ مزدحم."
سون قال بنبرةٍ تُعِد بأشياء أفضل: "في السوق هناك أكواخٌ للشاي وخبزٌ طازجٌ وكعكٌ مُحلَّى وطعامٌ بخاره يُرى من بعيد."
باجي استقام فجأةً. "ذكرتَ البخار."
"ذكرته."
"أنا أذهب."
سانزانغ في هذا الوقت في القصر.
الملك على العرش بوجهٍ أصفر وجسدٍ أنحل ممَّا ينبغي لملكٍ في سنِّ منتصف العمر. التوثيقة المختومة في يد سانزانغ — لكنَّ الملك لم يمدَّ يده فورًا. سأل بدلًا من ذلك: "يا راهب — أنت من كيف الدنيا قبلنا؟ حدِّثني عن مملكتك وملكها."
سانزانغ جلس وقال — وفي صوته ثقل الحكاية التي تحملها عمرًا:
"في البداية كان ثلاثةٌ نظَّموا الأرض وخمسةٌ قسَّموا البشر. ثمَّ ملوكٌ عُرفوا بالعدل حتَّى صارت الأرض مرعىً لمن يقوى. سبعة رجالٍ تصارعوا على الملك حتَّى أكل واحدٌ الستَّة. ثمَّ جاء هان وضبط القانون وانتقل العرش جيلًا بعد جيل. والآن في عهد ملكنا تانغ تايتسونغ — الملك الذي يُحكم ويرحم — جرى ما جرى: قاضٍ حكيمٌ أمر في حلمه بقطع رأس تنِّين النهر الذي خان وعده مع المطر، فمات التنِّين وأتى ملكَنا في المنام يشتكي. مرض الملك ومات ثلاثة أيَّام ثمَّ عاد — وعودته كانت بفضل وثيقةٍ كتبها وزيره إلى حاكم العالم السفلي يطلب منه عشرين سنةً إضافيَّة. ولإتمام الأمر — قرَّر الملك إرسالي لاسترداد الكتب المقدَّسة من بوذا، كي تُكفَّر كلُّ الأرواح التي ظُلمت."
الملك استمع. لم يقاطع مرَّةً واحدة — وهذا وحده نادرٌ في رجل الملك. كان يستمع بعيونٍ مفتوحة على غير عادة المرضى الذين يُغمضون عيونهم حين يُحدَّثون. حين انتهى سانزانغ — أطال الملك الصمت بالطريقة التي يُطيله بها من يُريد أن يتذكَّر ما سمعه لا أن يُجيب عنه. الكلمات تستقرُّ في بعض الناس كما تستقرُّ الأمطار في الأرض — ببطء وبعمق.
ثمَّ أنَّ أنينًا خفيفًا. "مملكتك فيها ملكٌ رجع من الموت. ومملكتي فيها ملكٌ يموت ببطء. الفرق شاسع."
سانزانغ رأى الوجه الأصفر. رأى الحركة البطيئة التي تنتمي إلى المرض لا إلى التأمُّل. "يا سيِّدي — كم سنةً وأنت هكذا؟"
"ثلاث سنوات. الأطبَّاء جاؤوا وذهبوا. الدواء لا يُفيد. الليل لا يتحوَّل إلى صباح بالطريقة التي اعتدتُها."
أُحضر الطعام. أكلا سويًّا ببساطة الزائر والمُضيف حين يتجاوزا المراسم ويجدان في الصمت ما لا تقوله الكلمات. الملك أكل أقلَّ ممَّا ينبغي وسانزانغ لاحظ لكن لم يُعلِّق — بعض الملاحظات تظلُّ في العيون فحسب.
في السوق قرب البرج الطبليِّ كان سون وحده الآن.
باجي يحمل القِدر ويبحث عن الأشياء التي وُصفت له. سون يمشي ببطءٍ في الزقاق الرئيسيِّ يرى ما يرى بعيونٍ لا تعبت من الرؤية. حشودٌ أمام البرج. ورقةٌ كبيرة مُثبَّتة على الباب.
سون تسلَّل وقرأ: "نحن ملك تشوتزي — وفي ملكنا مرضٌ لا يُشفى. بابٌ مفتوحٌ لكلِّ طبيبٍ من أيِّ مملكة. من يُشفي الملك يأخذ نصف ما في الخزينة. هذا الإعلان مُلزِم."
سون قال لنفسه: "هذا ليس شراء التوابل." ثمَّ بعد ثانية: "لكنَّه أكثر إثارة."
جلس في التراب. أخذ حفنةً من الأرض ورمى بها إلى الأعلى ونطق كلمةً في الريح. الناس حول البرج لحظةً واحدة أغمضوا عيونهم — ريحٌ في لحظةٍ لا تحتاج إلى ريح. وحين فتحوا عيونهم لم تكن الورقة على الباب.
أين ذهبت؟
سون كان في الطريق إلى حيث باجي يقف مسنودًا إلى الجدار بأنفٍ يستريح.
باجي نائمٌ واقفًا.
سون طوى الورقة ووضعها في جيب باجي بلطف من يُعبِّئ هديَّةً مفاجئة. ثمَّ مشى.
الضجَّة بعدها لم تتأخَّر.
الناس يبحثون عن الورقة. الحرَّاس يدورون. أحدهم رأى حافَّةً من الورق تطلُّ من جيب باجي. "أنت! أنت أخذت الإعلان؟"
باجي فتح عيونه. "ما—؟"
"في جيبك!"
باجي نظر إلى الورقة وعرف فورًا. "أقسم بكلِّ ما أملكه — أخي فعل هذا. هو الذي وضعها هنا وأنا نائمٌ لم أشعر بشيء! اسألوا أيَّ شاهدٍ!"
أحدٌ لم يُصدِّق. الشاهد الوحيد كان باجي في نومه.
"صفٌّ من الأسنان في فمٍ واحد لا يُثبت البراءة."
"وصفٌّ من الحرَّاس لا يُثبت الذنب!"
عشرة أشخاص يُمسكون بباجي وباجي ثابتٌ كالنخلة المزروعة — لا يتحرَّك إن لم يردِ الحركة. الحرَّاس يجذبون من ذراعيه ومن أذنَيه بالخطأ ثمَّ يتراجعون لأنَّ الأذن أكبر ممَّا توقَّعوا. باجي ينظر إليهم بعينٍ واحدة مغلقة: "إذا أردتم مرافقتي — فليكن. لكن أنا أمشي بنفسي ولا أُجرَّ."
"معنا إلى القصر."
"أنا لم أكن طبيبًا في حياتي ولا في حياةٍ سابقة ولن أكون في أيِّ حياةٍ قادمة."
"الإعلان في جيبك يقول غير ذلك."
باجي نظر إلى السماء نظرةَ من يُحادث إلهًا غائبًا. "أخي سون — حين أعود — سأتذكَّر هذه اللحظة."
دار الضيافة. سون جالسٌ يُحدِّث شا عن شيءٍ تافه حين دخل باجي بصحبة أحد عشر شخصًا. نظر إلى سون بنظرةٍ كافية لوصف ثلاثة فصول.
سون قال: "أهلًا."
باجي قال بصوتٍ هادئٍ كصوت من يضبط نفسه: "أنت."
"أنا."
"وضعتَ الورقة في جيبي."
"ورقة؟ أيُّ ورقة؟"
الوزراء الذين جاؤوا مع الحرَّاس قدَّموا أنفسهم بالطريقة التي يُقدِّم بها رجال البلاط أنفسهم — ألقابٌ ومناصب وإيماءٌ بالرأس يعني أكثر ممَّا تقوله الكلمات: "نحن من البلاط. الملك مريضٌ ثلاث سنوات. الإعلان الملكيُّ صادرٌ بأمره. وهذا الرفيق وجدناه حاملًا للإعلان في جيبه—"
سون قاطعهم بهدوء الكائن الذي لا يحتاج إلى رفع صوته ليُسمَع: "الإعلان لم تجدوه — وجدتُه أنا. قرأته وفهمت ما طُلب. المريض ملككم. سأكشف المرض وأعالجه."
صمتٌ في الغرفة — من النوع الذي يتساءل فيه الجميع إن كانوا سمعوا ما سمعوه.
"إذن معنا إلى القصر."
"لا." سون وضع يديه خلف ظهره. "الملك يأتي بنفسه."
انفتحت أفواهٌ. الوزير الأوَّل نظر إلى الوزير الثاني. الوزير الثاني نظر إلى الثالث. الثالث نظر إلى الأرض وكأنَّها ستُجيب.
الوزراء نظروا إلى بعضهم. ما هذا؟ من هذا؟ رسولٌ مخيفٌ في ثياب الراهب يجلس في دار الضيافة ويشترط أن يُؤتى إليه.
الرسالة ذهبت إلى القصر وعادت: الملك مريضٌ لا يستطيع الحركة. العلاج يأتي إليه.
سون قال: "إذن أنا أشخِّص من بعيد."
"كيف؟"
"بخيطٍ مربوطٍ في معصمه يمرُّ من الجناح الداخليِّ إلى حيث أجلس. أضع أصابعي على الخيط وأقرأ نبضه منه."
صمتٌ من نوعٍ آخر — الإعجاب يبدأ كصمت.
أحد كبار الأطبَّاء في مجموعة الوزراء قال لمن بجانبه: "هذا مذكورٌ في الكتب القديمة. تشخيص النبض بالخيط المُعلَّق — طريقةٌ لمن يُشخِّص من وراء ستارة الجناح الداخليِّ دون أن يرى وجه المريض مباشرةً."
الوزير الكبير قال: "أبلِغ الملك."
سون في هذه الأثناء أخرج ثلاثة شعرات من ذراعه ببطءٍ مُتعمَّد — أمام الجميع، في وضح النهار، بالأداء الكامل للطبيب الذي يعرف أنَّ الثقة تُبنى بالطقوس لا بالشهادات. أخذ نفسًا عميقًا وقال بصوتٍ منخفضٍ كأنَّه يُحدِّث العالم لا من في الغرفة: "تحوَّلوا." الشعرات الثلاث رجفت في يده ثمَّ امتدَّت واستطالت — طويلة، رفيعة، لونها بين الذهب والعسل الداكن تحت ضوء الشمس. وضعها أمامه على المنضدة بعناية الصائغ. "هذه خيوط التشخيص. كلُّ خيطٍ لمعصمٍ مختلف. النبض يمشي في الخيط كما يمشي في الوريد — من يعرف يسمعه."
صمتٌ من نوعٍ آخر — الإعجاب يبدأ كصمت.
أحد كبار الأطبَّاء في مجموعة الوزراء قال لمن بجانبه: "هذا مذكورٌ في الكتب القديمة. تشخيص النبض بالخيط المُعلَّق — طريقةٌ لمن يُشخِّص من وراء ستارة الجناح الداخليِّ دون أن يرى وجه المريض مباشرةً." ثمَّ صمت وأضاف: "لكنَّني لم أرَ أحدًا يُطبِّقها."
الوزير الكبير قال: "أبلِغ الملك."
ثمَّ رفع عينَيه إلى سانزانغ الذي عاد للتوِّ من القصر ويقف أمامه مندهشًا.
"أنت تعرف الطبَّ؟" قال سانزانغ.
"أعرف بعض الوصفات الشعبيَّة."
"الوصفات الشعبيَّة لا تكفي لعلاج ملك."
"الملك لا يحتاج ما يكفيه — يحتاج ما يُشفيه. هذا مختلف."
سانزانغ نظر إليه بالعيون التي تُريد أن تصدِّق. ثمَّ قال: "إن أخطأتَ—"
"الطبيب الذي يُخطئ يدفع غرامةً بسيطة. لا أحدٌ يُعدَم على خطأٍ طبِّيٍّ. هذا ليس القتل — وحتَّى لو كان، أنا لستُ سهل الإعدام."
سانزانغ قال بنبرةٍ تُوقِف ما بدأ يتكوَّن: "هذه جملةٌ لا تقلها أمام البلاط."
"صحيح." سون غيَّر وجهه فورًا إلى وجهٍ آخر — الطبيب المتواضع بدلًا من الشاهد على عظمته. "أعني: أنا راهبٌ متواضع لكنَّني رأيتُ بعض الوصفات في كتبٍ قديمة."
"وإن نجحتَ؟"
سون أخذ الخيوط الثلاثة وتوجَّه نحو الباب. "حين ننجح نُكمِل الطريق غربًا وفي ذاكرتنا قصَّةٌ جيِّدة نحكيها حول النار. باجي سيرويها بطريقةٍ يكون فيها البطل الحقيقيُّ هو طبعًا باجي — لكنَّ التفاصيل ستبقى."