الفصل السابع والستُّون: المنهل المُنتِن وخنزير يفتح الطريق
المجموعة تصل إلى قرية يُرعبها مارِدٌ يأتي بالريح ويذهب بالفريسة. سون وباجي يكتشفان أنَّه أفعى عملاقة. سون يُبتلَع ويُقاتل من الداخل. ثمَّ يأتي دور باجي لفتح وادي الخراء.
ربيعٌ عميقٌ وطريقٌ يمشي ببطء البشر لا بسرعة السحاب. المجموعة الأربعة بعد أن تركت خلفها دير الرعد الصغير وما بقي من رماده — يمشون في هواءٍ دافئ تُثقِّله رائحة الأزهار والأرض الرطبة. الطريق تتوسَّع أحيانًا وتضيق أحيانًا وسانزانغ على فرسه يتأمَّل المشهد بعيون ترتاح من الأحداث الأخيرة.
ثمَّ جاء الليل والمكان بلا سقف.
سون رأى ضوءًا بين الأشجار — نوافذٌ صغيرة في مبنًى من الطين والقصب. "هناك بيت."
باجي قال: "أنا أرى بيتًا وأشمُّ طعامًا."
"أنت تشمُّ الطعام على بعد ثلاثة فراسخ."
"هذه موهبة."
الرجل العجوز الذي فتح الباب — يده على العصا وعيونه تُقيِّم قبل أن يُرحِّب — كان من النوع الذي اكتسب حذره من التجربة لا من الوهم. نظر إلى سانزانغ ثمَّ إلى سون. توقَّف عند سون. عصا لها وجهٌ مرعب. رأسٌ مثل النواة.
"أين ذاهبون في هذا الليل؟"
"غربًا. رهبان في الطريق إلى الجبل المقدَّس. ننشد ليلةً واحدة تحت سقف."
"الغرب صعب الآن. أمامكم سبعة أيَّام والطريق تمرُّ بجبلٍ يُقال له جبل السبعة البركات — وفيه وادٍ لن يُسعدكم. والمنطقة هذه—" توقَّف الرجل العجوز.
"ما في المنطقة؟" سأل سانزانغ.
الرجل العجوز أجاب بالصمت أوَّلًا ثمَّ بالإشارة إلى الداخل: "ادخلوا. طعامٌ وسقف وبعد الأكل نتكلَّم."
على الطاولة: خبزٌ وتوفو وجذور ولفتٌ وأرزٌ يفوح بالبخار. الأربعة أكلوا وباجي أكل أكثر من الأربعة. الرجل العجوز جلس واسمه لي.
قال: "منذ ثلاث سنوات — في شهر السادس — جاءت ريحٌ. الناس كانوا في الحقول. ظنَّ الجميع أنَّه عاصفة. لكنَّها لم تكن عاصفة. مرَّت على حقل أحمد وأخذت البقرَين. مرَّت على بيت الجيران وأخذت الدجاجات. وأخذت ابن الراعي — واحدٌ وعشرون سنة، في الحقل وحده." توقَّف. "ما تبقَّى لم يكن ما يجب أن يتبقَّى من ابن الراعي."
سانزانغ قال: "عاد بعد ذلك؟"
"كلَّ سنة. الآن القرية تحتاط — لا أحد في الحقل وحده، لا أحد يمشي بعد الغروب. لكن في الليل الريح تجيء من جهتها وأحيانًا يختفي شخص."
باجي نظر إلى سون وسون نظر إلى باجي بالنظرة التي تعني: هذا من عمل رجلَين.
سون قال للرجل العجوز: "أنا أُمسك بالمارِد."
الرجل العجوز نظر إليه بالنظرة التي تقول: سمعتُ هذا من قبل. "جاء قبلك واحدٌ يُقرأ الكتب المقدَّسة. المارِد كسر رأسه كالبطِّيخة الناضجة. وجاء ساحرٌ يُشعل الأختام. غرق في السيل بعد المعركة وسحبناه من الماء كالقطِّ المبلَّل. كلاهما دفنَّاه على حساب القرية."
"أنا لستُ هؤلاء."
"كلٌّ قال ذلك."
الرجل العجوز لي هزَّ رأسه. "جاء قبلك راهبٌ يحفظ الصحائف المقدَّسة. أشعل البخور وتلا الأدعية بصوتٍ عالٍ حتَّى جاء المارِد. المارِد جاء ونظر إلى الراهب ثمَّ ضربه بشيءٍ من الجانب. نجد الراهب بعدها ورأسه مفتوحٌ كالبطِّيخة. دفنَّاه ووفَّينا مستحقَّاته."
سون استمع.
"وجاء من بعده ساحرٌ من الجبل — ومعه طبلٌ وختمٌ وأوامر للأرواح. طرد الأرواح الصغيرة وبقي يُواجه المارِد مباشرةً. في الصباح التالي وجدناه في السيل المجاور. مبلَّلٌ كالقطِّ. لا يتنفَّس. أعطيناه للسيل مجدَّدًا بالطريقة التي تُعطي بها الكرامة المتوفَّى."
"ثمَّ توقَّفتم عن الاستعانة بأحد."
"ثمَّ عشنا بحذر."
سون ابتسم. "قل لجيرانك أن يستعِدُّوا للصباح."
في الساعة الثانية من الليل — حين تنام الريح العادية — جاءت ريحٌ لم تنم. اندفعت من الجنوب بالطريقة التي تندفع بها الأشياء التي لم تختر أن تكون هادئة. الجدران ارتعشت. النوافذ صرَّت. الرجل العجوز وجيرانه الثمانية الذين كانوا ينتظرون مع سانزانغ في الغرفة الداخلية — تجمَّعوا نحو الزاوية بغريزة من يُريد أن تكون الحيطان كلَّها خلفه.
باجي في فناء الدار عمل شيئًا لم يُتوقَّع منه: أنف في التراب. "يا أخي — ماذا هذه الرائحة؟"
شا: "ما الرائحة؟"
"لا أعرف. شيءٌ كبيرٌ. شيءٌ يأكل اللحم."
سون في الهواء بالفعل — قفزة واحدة أعلى من السطح. في الظلام شيئان يُضيئان — ليسا نجمَين ولا مصباحَين. عينان. حجمٌ لا يُرى في الظلام لكنَّ العيون ترسمان من خلفهما ما يجب أن يكون صحيحًا في الحيوانات العملاقة.
سون نزل. صرخ: "باجي! اصعد."
قاتلا من منتصف الليل إلى أذان الفجر.
المارِد لا يتكلَّم. لا صوت منه غير الريح. يضرب بشيءٍ مرنٍ من الجانب — ليس سلاحًا من حديد بل شيءٌ حيٌّ يُمسك ويلتفُّ. باجي قال في منتصف المعركة: "هذه عصا بلا مقبض." سون قال: "لأنَّها ليست عصا."
مع أوَّل ضوء الفجر — حين يخسر الظلام الكامل لكن الصبح لم يُصبح بعد — تراجع المارِد إلى الجنوب بالسرعة التي تتراجع بها الأشياء التي تعيش في الظلام. سون وباجي خلفه. ريحٌ ثمَّ سكون ثمَّ — على سفح الجبل الجنوبيِّ — ظهر ما أخفاه الليل.
أفعى.
ليست الأفعى التي تُؤكَل. الأفعى التي تأكل الجبال. حراشف حمراء بعدد الألف، ورأسٌ بحجم حجرةٍ متوسِّطة، وطول يمتدُّ من الضلع الشماليِّ للجبل إلى الضلع الجنوبيِّ.
باجي نظر وقال بصوتٍ خفيض: "إن أكلَت خمسةً في وقتٍ واحد — هي لا تزال جائعة."
سون قال: "الكهف هناك. ادخل من الخلف حين تدخل هي من الأمام."
ما جرى بعدها كان من نوع الأحداث التي لا تُصدَّق ولو رويتها.
الأفعى دخلت كهفها من مدخله الأماميِّ بالسرعة التي تدخل بها من لم تكسب المعركة لكنَّها لم تخسرها بعد. باجي دار الجبل يمشي. وسون — في اللحظة التي كانت الأفعى فيها بين المدخل والذيل — قرَّر أنَّ الأمر لا يحتاج إلى استئذان.
دخل من الفم.
ليس خطأً. قرارٌ.
في الداخل — الظلام من نوعٍ آخر. حرارةٌ ورطوبة وصوتٌ يُشبه الحيطان تتنفَّس. سون فتح عصاه وأسندها في الاتِّجاهَين. شيءٌ رجَف.
من الخارج رأى باجي الأفعى تتصلَّب فجأةً — وترتفع من مستوى الأرض ببطءٍ مُريب — وتتحوَّل في شكلها إلى ما يُشبه الجسر المعلَّق بين ضلعَين من الجبل. قال: "أُقسم بكلِّ ما أملكه أنَّ الجسر يتحرَّك." ثمَّ بعد لحظة: "أُقسم أنَّ الجسر يُصدر أصواتًا."
شيءٌ من الداخل: "يا باجي — هل يوجد سفينة أيضًا أم فحسب الجسر؟"
باجي: "ما—؟"
من الداخل: سون يُعدِّل الوضع بما يملك من مساحة. العصا تمتدُّ بالعرض ثمَّ بالطول ثمَّ تضغط على الجانب الداخليِّ للأفعى من ثلاثة محاور. الأفعى تُريد الحركة والحركة مستحيلة — الجسم يُضغَط من الداخل بدقَّة تُشبه المفتاح الذي يعرف القفل.
"الآن سفينة." قال سون للأفعى ولنفسه ولباجي الذي لا يفهم.
الأفعى ارتمت بطنُها على الأرض بما يُشبه السفينة الراسية. باجي وقف مبهوتًا ينظر. "أهذه—؟"
"نعم. جسر وسفينة واحد."
بعد وقتٍ معقول من التأمُّل الداخليِّ — سون أخرج العصا من الجانب الظهريِّ للأفعى كالشراع في السفينة. خمسة وعشرون ذراعًا من العصا تشقُّ الحراشف الحمراء من فوق.
الأفعى أطلقت صوتًا لم تُطلقه من قبل. انطلقت إلى الأمام — لا بالاختيار بل لأنَّ الألم يقود في اتِّجاه واحد. باجي تراجع. سون في الداخل يضحك.
عشرون ليًّا. ثلاثون. الأفعى تمشي وسون يُديرها من داخلها. حين توقَّفت وسقطت على الأرض لم تكن تتنفَّس بالإيقاع الصحيح بعد الآن.
باجي أخرج المخلب. ضرب ثلاثًا.
سون خرج من الجانب الذي دخل منه — لم يكن يريد أن يخرج من أيِّ مكانٍ آخر. "هي ماتت."
باجي نظر. "ماتت؟"
"ماتت."
"حسنًا. أنا فعلتُ الجزء المهمَّ."
القرية حين عادت المجموعة بالأفعى تجرُّ على الأرض — صوتٌ لم يُسمَع منذ ثلاث سنوات: فرحٌ حقيقيٌّ يخرج بلا أن يُستأذن. الرجل العجوز لي وثمانية جيران وخمسمائة عائلة جاءت تدريجيًّا ثمَّ كلُّها. العيون التي رأت الأفعى ميِّتة وطولها يمتدُّ أمام البيوت — أغلقت ثمَّ فتحت. الحيُّ ميِّتٌ. فعلًا.
قبل أن يُغادروا — الطريق إلى الغرب مرَّت بمسألة.
الوادي. الرجل العجوز لي ذكره أوَّل ليلة وسانزانغ لم ينسَ. "جبل السبعة البركات — فيه واديٌ بثمانمائة ليٍّ من الكاكي المتعفِّن."
"ثمانمائة ليٍّ من الكاكي؟"
"المتعفِّن. بمطر السنوات وثلج الشتاء وحرِّ الصيف. كلُّ ما سقط من أشجاره تراكم في الوادي الضيِّق وصار — يا من يعرف ما صار. نريد أن نُساعد في فتح طريقٍ جديد قبل أن ترحلوا."
سون قال: "لا حاجة."
الجميع نظر إليه.
"باجي يفعل ذلك."
باجي رفع رأسه: "أنا؟"
"أنت وحيدٌ قادرٌ على هذا النوع من العمل."
باجي فهم بالطريقة التي يفهم بها من يعرف أنَّه سيفعل شيئًا لا يُريده لكنَّه لن يرفض أمام الجميع. "والطعام؟"
"القرية تُحضر ما تحتاجه."
"حسنًا. لكن أريد أن أثبُت أنَّني ليس فحسب قادرٌ على هذا العمل — بل إنَّني الوحيد القادر عليه."
سون قال: "هذا صحيح. قلته."
الطعام جاء من كلِّ بيتٍ في القرية. خمسة عشر من الخبز المطبوخ وعشرة من الدقيق المخمَّر وما بينهما ممَّا لا تُذكر أصنافه. باجي أكل بلا انتقاء — المطبوخ مع النيِّئ، الحلو مع المالح. حين انتهى مدَّ يده لما حمله المُشيِّعون ثمَّ نهض وتنفَّس.
تنفُّس تنبئه من أراد أن يتنبَّأ.
خلع رداءه الأسود. وضع المخلب على الجانب. نظر إلى الوادي. قال: "هذا الوادي تحتاج له أنفٌ لا يشتكي وحجمٌ لا يشغله الاعتراض." ثمَّ تحوَّل.
خنزيرٌ بحجم الجبل — أسود الوجه والجسم، أذنان كالمراوح، ربعة الساق وطول البدن مئة قدم. دخل الوادي من أوَّله ووجهه للأمام.
سانزانغ أغمض عيونه.
شا قال بهدوء: "لا بأس. سينتهي."
يومٌ أوَّل. القرية تُعيد الطعام مع المُشيِّعين. باجي يأكل في المنتصف ويُكمل. يومٌ ثانٍ. الوادي يصبح طريقًا والطريق يصبح ممرًّا والممرُّ يصبح مسيرة.
في نهاية اليوم الثاني — شيءٌ يُشبه الضوء في آخر الوادي.
باجي خرج من الجانب الآخر بعيونٍ لم تحتج إلى الرؤية في الساعات الأخيرة لأنَّ الرؤية كانت تعني رؤية ما في الوادي. عاد إلى نفسه — حرفيًّا، الجسم يتقلَّص إلى الحجم المعتاد — ونظر إلى يده. ثمَّ نظر خلفه إلى الطريق المفتوح. قال: "أنا أستحقُّ أكثر ممَّا طلبتُ."
سون قال: "طلبتَ الطعام."
"أستحقُّ أكثر."
سانزانغ ركب فرسه. الممرُّ أمامه نظيفٌ من الأحداث التي مرَّت — الطريق المفتوح يبدو أبسط ممَّا كان قبل يومَين. الريح الغربيَّة من الجهة التي تسير فيها، ولا رائحة من أيِّ وادٍ. "شكرًا لكم جميعًا."
الرجل العجوز لي وقف عند مدخل الوادي ونظر إلى الطريق المفتوح ثمَّ إلى القرية خلفه. ثلاث سنوات من الحذر وثلاث سنوات من الخسائر وليلةٌ واحدة أنهتهما. قال لسانزانغ: "لا أعرف كيف أقول الشكر بقدر ما يجب."
سانزانغ قال: "الطريق الجيِّد خيرٌ من كلِّ شكر."
باجي وراءهم يمشي بإيقاعٍ أبطأ من المعتاد — جسمٌ يحتاج يومًا أو يومَين بعد يومَين من العمل. لكنَّه لم يشتكِ. الشكوى تحتاج إلى جمهور يهتمُّ وسون ليس من يهتمُّ بهذه الشكاوى.
القرية — ما بقي من مُشيِّعيها على حافَّة الوادي — وقفوا حتَّى اختفى الفرس في الخضرة الغربيَّة. المجموعة مشت غربًا. وراءها خمسمائة عائلة ترجع إلى حياتها بلا الريح التي جاءت كلَّ سنة — وأمامها طريقٌ مفتوح لأوَّل مرَّة منذ ثلاث سنوات.