الفصل الحادي والستُّون: إطفاء جبل اللهب
الملك البقر يسترجع المروحة بخداع. باجي يصل. معركةٌ ليليَّة طويلة. الملك البقر يتحوَّل إلى حيواناتٍ متعاقبة للهروب. أربعة ملوك كبار يسدُّون الطرق. نيزها يُحاصره بالنار. الأميرة الحديد تستسلم. سون يُطفئ جبل اللهب تسعًا وأربعين مروحة.
في الهواء المفتوح فوق الغيوم، الملك البقر يرى سون من بُعد — المروحة على كتفه، الخطوة خطوة من أنجز مهمَّته. وفي كلِّ من ينجح شيءٌ ينفتح كطعمٍ يُدرّ الغفلة: الفرحة بالإنجاز تُغطِّي بضع درجاتٍ من اليقظة. الملك البقر عرف هذا لأنَّه رجلٌ عاش كثيرًا وكسب كثيرًا وكان كثيرًا من المكتسبات في اللحظات التي فرح فيها خصمه مبكِّرًا. وكان يعرف طريقةً أخرى أسرع وأمضى من المواجهة المباشرة.
تحوَّل. وجهٌ آخر. جسدٌ آخر. باجي — الثاني في المجموعة، الوجه الذي ابتسامته ابتسامةٌ ساذجة وخطواته ثقيلة وصوته يحمل دائمًا شيئًا من الذعر الممزوج بالثقة.
قال بصوت باجي: "أخي الكبير! جئتُ أستقبلك."
سون أدار وجهه. باجي هنا؟ بدون أن يُرسله سانزانغ؟ نادرًا. لكنَّه كان سعيدًا بنجاحه — المروحة في يده، الخطر وراءه — وهذا السعيد المنتصر يشعر أحيانًا بخفَّةٍ تجعله أقلَّ يقظةً بمقدارٍ صغير.
"جاء أبو الأستاذ إلى هنا؟ قُل له المهمَّة انتهت."
"أعطني المروحة أحملها."
سون مدَّ يده وأعطى.
وفي اللحظة التي وصلت فيها المروحة إلى يده — يد الملك البقر متنكِّرًا في هيئة باجي — نهض الوجه الكامل وعاد الشكل الحقيقيُّ: الدرع الفضِّيُّ والقامة الكبيرة والعيون التي تُوقد غضبًا قديمًا.
سون قال الكلمة بصوتٍ مُنخفض. الكلمة التي تعني: "يا لي من غبيٍّ."
المروحة في يد الملك البقر. الغضب على وجه سون. والمعركة بدأت.
عصا مقابل عصا — مئة وعشر ضربات. لا غالب ولا مغلوب. الغيوم تحتهما تتشقَّق تحت وطأة الصدمات. سون لم يُحسَب عليه شيءٌ من قبل في مبارزةٍ مثل هذه — الملك البقر ليس أيَّ عدوٍّ، هو من كان أخًا له في زمنٍ سابق وخاضا معًا ما لا يُعدُّ من الملاحم. كلُّ ضربةٍ من الملك البقر تحمل معرفةً بجسد سون لم يتعلَّمها من عدوٍّ بل من صديق.
أرسل سانزانغ باجي لاحقًا — إله التراب دلَّه على الطريق.
حين رأى باجي الحقيقيُّ المعركة في السماء هبط ونادى. سون قال: "هذا المكذَّب الذي أمامي تنكَّر بهيئتك وسرق المروحة."
باجي بلا مقدِّمات رفع المخلب وانقضَّ.
ثلاثةٌ الآن: سون من الأمام، باجي من الجانب، وإله التراب مع جنوده يُضيِّق الحلقة من الأسفل. الملك البقر تراجع، يُدافع عن كلِّ جانب. لكنَّه لم يهرع ولم يتسرَّع — رجلٌ بهذه القوَّة يتراجع بطريقةٍ منظَّمة، كالجيش الذي ينسحب لا كالجنديِّ الذي يفرُّ. عيناه لا تتوقَّفان عن المسح: يبحث عن ثغرة، عن اتِّجاهٍ ناقص التغطية، عن لحظةٍ تُفضي إلى الخلاص. لا ثغرة. الأربعة يُكمل بعضهم بعضًا بشكلٍ ما يُشبه المصادفة المدروسة.
قاتلوا من منتصف النهار إلى منتصف الليل. ثمَّ من منتصف الليل إلى الصبح.
ليلٌ كامل من الضربات والتحوُّلات والأصوات التي تُوقظ الجبال. حين أطلَّ الفجر كانوا أمام كهف الملك البقر في جبل السحاب الزمرُّديِّ. الملك البقر في الداخل والباب موصد.
سون قال لباجي: "دمِّر الباب."
باجي ضرب بمخلبه مرَّةً. الصخر انهار.
الأميرة الوجه اليشمِّيِّ أرسلت خدمها. ثمَّ أرسلت حرَّاسها. ثمَّ الحرَّاس هربوا حين رأوا من يواجهون. باجي دخل الكهف وهدَّه ودمَّر ما فيه من حيلٍ وكائناتٍ محميَّة. الأميرة ذاتها كانت ذئبًا كبيرًا يُشعل حريقًا صغيرًا في زاوية الكهف — ضربها باجي بمخلبه وكانت حين هوى الضرب على شكلها الحقيقيِّ: ثعلبةٌ. ذكاءٌ قديم في صورة ثعلب.
الملك البقر خرج.
لم يخرج بالسلاح هذه المرَّة. خرج بالتحوُّل. طائرٌ كبير يسبح فوق الغيوم — فرسٌ من الريح بجناحَين كالخيمة. سون حوَّل نفسه إلى طائرٍ أسرع وتبعه. الملك البقر رأى ذلك وتحوَّل إلى صقر. سون صقرٌ أسرع. الملك البقر طائرٌ أبيض. سون ريحٌ تطير. الملك البقر غزالٌ على الصخر. سون نمرٌ جائع. الملك البقر فهدٌ متوَّج بالبقع. سون أسدٌ بعيونٍ ذهبيَّة. الملك البقر دبٌّ ضخم. سون فيلٌ بخرطوم كالسيف.
تحوُّلٌ وراء تحوُّل، كأنَّهما يتنافسان في من يملك المزيد من العوالم في جسده الواحد. كلُّ تحوُّلٍ للملك البقر جاء بأسرع ممَّا جاء سون عليه، لكنَّ سون أسرع في التحوُّل ذاته. كان التنافس قريبًا أكثر ممَّا يتوقَّع من يراه — ليس لأنَّهما متساويان بل لأنَّهما مختلفان بطريقةٍ تجعل كلَّ ميزةٍ لكلٍّ منهما تُقابلها ميزةٌ مختلفة للآخر.
ثمَّ الملك البقر توقَّف. عاد إلى شكله الأصليِّ.
بقرٌ أبيض ضخم رأسه كجبلٍ وعيناه كالشمس والقمر والقرنان كمئذنتَين وطوله ألف ذراع وارتفاعه ثمانمئة. وصوتٌ مثل الرعد. "ماذا يُمكنك أن تفعل الآن؟"
سون رفع يده وقال كلمةً واحدة.
الجسد تمدَّد. عشرة آلاف ذراع. الرأس كجبل طايشان. العيون كالشمس والقمر. اليد بعصاٍ كالعمود الكبير. "هذا ما يُمكنني."
ما جرى بعدها لم يكن مجرَّد قتال — صار محاصرةً.
من الجنوب جاء أميرٌ كبيرٌ بدرعٍ لا تخترق ووجهٌ كالصخر القديم. من الشمال آخر بسيفٍ بلون السماء قبل العاصفة. من الشرق ثالث. من الغرب رابع. أربعة من المقاتلين الكبار الذين يُرسَلون حين يكون المعنيُّ بالقبض عليه أكثر من مجرَّد عادٍّي — حين يكون عقبةً في مسارٍ كبير. جاؤوا بأوامر من بوذا. طريق سانزانغ معروفٌ في كلِّ المستويات وما يُعيق هذا الطريق يُعيق شيئًا تتبعه أطرافٌ أكبر ممَّا ترى العيون العادية.
الملك البقر وجد نفسه في مربَّعٍ من الأربعة يسدُّون كلَّ جهة. ثمَّ جاء الملك السماويُّ ناقل البرج مع ابنه نيزها من فوق.
نيزها — ذو الثلاثة رؤوس والستَّة أيدي — لم يُضيِّع وقتًا. رمى بعجلة النار على قرني الملك البقر ونفخ النار الحقيقيَّة — ليست نار الغضب الموقَّدة بل النار المُرسَلة من فوق، الصافية والمستقيمة.
الرأس الأوَّل أُزيل فعاد. ليس أمرًا مفاجئًا لمن يعرف كيف يُلجَم مثل هذا — الكائن الذي لا يموت من رأسٍ واحد يحتاج إلى ضغطٍ كامل وليس ضربةً واحدة. الرأس الثاني فعاد. ثمَّ العشر مرَّات، ثمَّ أكثر. في كلِّ مرَّةٍ يعود رأسٌ جديد من الرقبة في جنونٍ مستمرٍّ لا ينتهي. نيزها لم يتوقَّف — استمرَّ حتَّى أُحيطت القرون الكاملة بالنار المشتعلة من كلِّ زاوية وحتَّى أدرك الملك البقر أنَّ كلَّ اتِّجاه مسدود وكلَّ رأسٍ يعود يعود في دائرةٍ بلا مخرج. صاح: "أتوقَّف. أتوقَّف."
نيزها سحب العجلة. الملك البقر على الأرض — ليس ميِّتًا بل منهكًا بالطريقة التي تُنهك الجبال لو ضُرِبت بما لا تستطيع أن تمتصَّه.
"أعطوني المروحة."
الأميرة الحديد — التي أتت من كهفها وأبقت مسافةً بينها وبين ما تراه — خرجت بالمروحة. ليس لأنَّها هزمت. بل لأنَّها رأت ما رأت: زوجها في الأرض، القرون المشتعلة، الأطراف المسدودة من كلِّ جهة. وفي ما رأت شيءٌ كان يجلس في صدرها منذ بدأ هذا المسار — القرار الذي لم تتَّخذه بصوتٍ عالٍ لكنَّه اتَّخذ نفسه.
"خُذها. وأطفئ هذه النار."
سون حمل المروحة وأتى بها إلى جبل اللهب. كلُّ الكائنات المقدَّسة الأربعة في الخلف. سانزانغ على الجواد ينتظر منذ بالأمس — شا إلى يساره وشاي التراب يقف في الظلِّ البعيد يراقب.
ثمانمئة ليٍّ من النار أمامه. سون أمسك المروحة باليد اليُسرى وضغط بالإبهام على الخيط السابع كما قالت الأميرة الحديد حين ظنَّت أنَّها تكلِّم زوجها. هزَّ مرَّةً.
النار انخفضت.
هزَّها ثانيةً.
ريحٌ باردة جاءت من الغرب — ليست ريح العادة بل شيءٌ أهدأ وأكثر ثباتًا، كأنَّها ريحٌ تعرف وجهتها.
هزَّها ثالثةً.
مطر. غيوم تجمَّعت في دقائق وفتحت ما فيها.
ثمَّ استمرَّ. تسعٌ وأربعون مرَّة. تسعٌ وأربعون هزَّةً بالمروحة — حتَّى لا يبقى جمرٌ تحت الرماد، حتَّى لا تشتعل ثانيةً بعد سنةٍ أو خمس أو خمسمئة. النار التي أشعلتها جمرةٌ من فرن لاودزي قبل خمسمئة سنة أُطفئت بمروحة الموز في منتصف الليل والمطر يُغسل جسد الجبل شيئًا فشيئًا.
إله التراب وقف إلى جانب سون وعيناه تنظران إلى المكان الذي لم يره بلا نار منذ خمسمئة سنة. السواد الهادئ. الأرض الرطبة. السماء التي يسقط منها ماءٌ لا رمادٌ محروق. قال: "أستطيع الآن أن أعود."
سون لم يُجب. أنهى المروحة التاسعة والأربعين وأعطاها للأميرة الحديد التي وقفت في الجانب. "وعدتُ بالإعادة."
الأميرة أخذتها. لم تُشكِّك. طوَّت المروحة بين راحتَيها حتَّى صارت في حجم ورقة التوت ووضعتها في فمها. ثمَّ نظرت إلى سون نظرةً لا يُمكن تسميتها تحديدًا — فيها شيءٌ من الإجلال وشيءٌ من التعب وشيءٌ من راحةٍ لم تكن تنتظرها.
ثمَّ انصرفت.
الجبل رطبٌ وهادئ. المطر يتوقَّف ببطء. السماء التي كانت برتقاليَّة ليلًا نهارًا — بسبب الضوء المتصاعد من النار — أصبحت سوداء بالليل حقًّا للمرَّة الأولى منذ زمنٍ طويل. في القرى القريبة أطفالٌ أُيقظوا من نومهم — ليس بسبب الحرارة أو الضوء بل بسبب الغياب المفاجئ لكليهما. أمٌّ في إحدى البيوت الحمراء قالت لطفلها: "النار ذهبت."
الطفل سأل: "إلى أين؟"
"إلى المكان الذي تذهب إليه الأشياء حين تنتهي."
سانزانغ والأربعة استأنفوا الطريق مع الصبح. الأرض تحت أقدامهم رطبة ولطيفة. باجي قال: "أشعر أنَّ هواء هذا المكان مختلف."
شا قال: "لأنَّه يُشمُّ للمرَّة الأولى بلا دخان."
في القرى القريبة أطفالٌ أُيقظوا من نومهم — ليس بسبب الحرارة أو الضوء بل بسبب الغياب المفاجئ لكليهما. أمٌّ في إحدى البيوت الحمراء قالت لطفلها: "النار ذهبت."
الطفل سأل: "إلى أين؟"
"إلى المكان الذي تذهب إليه الأشياء حين تنتهي."
الرجل المسنُّ — الذي استضافهم في أوَّل يومٍ وأخبرهم عن المروحة والأميرة الحديد — وقف عند باب بيته ورأى المجموعة تمرُّ في الصباح. خطا خطوةً وسأل: "الجبل؟"
"أُطفئ." قال سون.
الرجل المسنُّ لم يقل شيئًا. لكنَّه دخل بيته وبعد دقيقةٍ خرج ووضع كعكًا ساخنًا في يد باجي. "للطريق."
باجي أكله قبل أن يُكمل الشكر.
سانزانغ نظر إلى الغرب حيث الطريق يُواصل امتداده. ثمَّ قال بصوتٍ هادئٍ مُتعمِّد: "امشوا."
ومشوا.