الفصل التاسع والخمسون: جبل اللهب والمروحة الأولى
المجموعة تصل جبل اللهب ولا طريق غربًا بدون مروحة الموز. سون يذهب إلى الأميرة الحديد ليستعيرها. هي ترفض وتطرده. يعود بحبَّة الريح الثابتة، يدخل بطنها، يُجبرها على الإعطاء. لكنَّ المروحة مزيَّفة.
الحرارة أتت قبل أن يروا النار. أتت كطبقةٍ في الهواء — ليست الحرارة التي تأتي من الشمس بل حرارةٌ تأتي من الأرض نفسها كأنَّ شيئًا تحتها يتنفَّس. سانزانغ أوقف الفرس وقال: "نحن في أواخر الخريف. لماذا هذا الحرُّ؟"
باجي قال بطمأنينةٍ الجاهل الواثق: "لأنَّنا اقتربنا من المكان الذي تغرب فيه الشمس. شعبٌ كامل هناك يُضرب الطبول والأبواق عند الغروب كي لا يُصعَق أطفالهم بالصوت حين تسقط الشمس في البحر وتُغلي الماء."
سون نظر إليه: "كم يقولون بقي في الطريق؟"
"بضع سنوات على الأقلِّ."
"إذًا ليست الشمس."
شا وو جينغ قال بهدوء: "ربَّما الفصول خطأٌ هنا. خريفٌ يسير بمزاج الصيف."
استمرُّوا والحرُّ يشتدُّ. ثمَّ — في منعطفٍ بين التلال — رأوا البيوت الحمراء.
الجدران حمراء. البلاط أحمر. الأبواب بلونٍ بين الأحمر والبُنِّيِّ. حتَّى ظلالُ الأشجار كانت دافئةً أكثر ممَّا ينبغي — كأنَّ الأشجار نفسها أنتجت ظلالًا من نوعٍ آخر، يَقِي من الضوء لكن لا يَقِي من الحرارة. وعند كلِّ نافذةٍ ملاءةٌ رقيقة مُعلَّقة لا للستر بل لكيلا تدخل جمرةٌ طائرة من الجبل البعيد في الليل. خرج من أحد البيوت رجلٌ مسنٌّ — وجهٌ مثل النحاس الأحمر وشاربٌ مثل القطن الأبيض — ورأى سون أمام بابه فأُصيب بالذعر ثمَّ أعاد النظر.
"عفوًا. ظننتُ أنَّك... أنت شخصٌ غريب."
"الجميع يظنُّ ذلك." قال سون. "أخبرني عن هذا الحرِّ."
الرجل المسنُّ دعاهم للدخول. الشاي جاء. ثمَّ الشرح:
"هذا المكان يُسمَّى جبل اللهب. لا ربيع هنا ولا خريف. حرٌّ في كلِّ وقت. الجبل على بُعد ستِّين ليًّا من هنا وهو على طريق الغرب الوحيد — ثمانمئة ليٍّ من نيرانٍ لا تخمد. من يحاول العبور — حتَّى لو كان جسده نحاسًا وعظامه حديدًا — يذوب."
سانزانغ سمع هذا وابتلع. لم يسأل أكثر.
خرج من الباب رجلٌ شاب يدفع عربةً صغيرة. صاح: "كعك! كعك طازج!" والكعك على العربة يفور بالبخار.
سون نتف شعرةً وحوَّلها إلى قطعة نقود. اشترى قطعةً من الكعك. حملها — اليد اليُمنى إلى اليسرى إلى اليُمنى — وقال بصوتٍ عالٍ: "حارٌّ جدًّا. كيف تخبزون هنا أصلًا؟"
قال الشاب: "نستعير المروحة."
"أيَّة مروحة؟"
"مروحة الموز. عند الأميرة الحديد. بمروحةٍ واحدةٍ تُطفأ النار، ومروحةٍ ثانية يأتي النسيم، وبثالثةٍ يأتي المطر. هكذا نزرع ونحصد ونعيش. بدونها لا تنبت تبنةٌ واحدة."
سون وضع الكعك في يد سانزانغ وقال: "انتهى القلق. كُل، وسأُحدِّثك."
الأميرة الحديد — التي يُسمِّيها الناس أحيانًا المرأة الراكشاسيَّة — تسكن جبل السحاب الزمرُّديِّ، في كهف الموز. السفر ذهابًا وإيابًا شهرٌ كامل وفق خطوات البشر. لكنَّ سون ليس بشرًا في خطواته. الجبل يُعرَف بما قيل عنه: غاباتٌ قديمةٌ وصخورٌ بلون الزمرُّد وأشجارٌ فيها أوراقٌ بحجم السدود. مكانٌ جميلٌ لا يشتهر بجماله بل بصاحبته.
ما أزعجه لم يكن المسافة. أزعجه الاسم — زوجة الملك البقر. أمُّ الولد الناري الذي حاربه قبل أشهر. الأسرة التي لا تُشعره بالترحيب. قال للرجل المسنِّ وهو يقف عند الباب: "شكرًا. نعود بسرعة." وقبل أن يُكمل الرجل جملته — اختفى.
في جبل السحاب الزمرُّديِّ كانت الأشجار قديمةً بطريقةٍ لا تُقدَّر بالنظر. جذوعٌ تحتاج إلى أربعة أشخاص يحيطون بها. وورقٌ أكبر من أيِّ ورقٍ رآه سون في طريقه.
وجد الكهف. ووجد فتاةً صغيرة تحمل سلَّةً وتحرس المدخل.
"من أنت؟"
"راهبٌ من الشرق. جئتُ أستعير مروحة الموز لأعبر جبل اللهب."
الفتاة دخلت وعادت: "أنت سون وكونغ؟"
"نعم."
"انتظر."
دقائق. ثمَّ صوتٌ من الداخل — أمرٌ واضح. ثمَّ الفتاة: "تعال."
الأميرة الحديد خرجت بسيفَين أزرقَين. ثوبٌ ملوَّن وعصابةٌ على الرأس وتعبيرٌ يُوضِّح بلا غموضٍ أنَّ ما تشعر به ليس ترحيبًا.
"أنت سون وكونغ."
"أنا. وأنتِ الأميرة الحديد. ونحن نتقاسم ما يكفي من التاريخ المشترك لأن أناديكِ عمَّتي."
"لا تُنادِني عمَّتك."
"زوجة الثور الأكبر. والثور الأكبر كان أخًا لي في حلفٍ قديم. أليس كذلك؟"
"الحلف القديم انتهى حين أخذتَ ابني."
سون أبقى وجهه هادئًا: "لم آخذه. الملكة المتضرِّعة أخذته. وهو الآن تلميذٌ في خدمتها — وضعٌ أشرف ممَّا كان. لم يُؤذَ شعرةٌ من رأسه."
"لا أستطيع رؤيته."
"لو أعطيتِني المروحة سأذهب إليها وأطلب منها أن يزوركِ."
"لا تعدني بما لا تعرف." قالت الأميرة. "وأنت تعرف أنَّك لا تعرف." ثمَّ رفعت السيفَين. "جرِّب هذا."
ضربت مرَّةً ومرَّتَين وعشرًا. سون لم يتحرَّك من مكانه — لا يتحرَّك بمعنى أنَّه لم يتراجع. يتحرَّك بمعنى أنَّه يحيَّد كلَّ ضربةٍ بجسدٍ يعرف طريقها قبل أن تصل. الشيخوخة في فنِّ السيف ليست إبطاء الضربة بل معرفة أين ستقع قبل أن تبدأ، وسون امتلك هذا بطريقةٍ مختلفة — ليس بالخبرة بل بجسدٍ تلقَّى أكثر ممَّا يُحصى. الأميرة رأت ذلك وعرفت. بدَّلت — أخرجت المروحة.
والمروحة في يدها — ورقةٌ جبليَّة ضخمة كانت أصغر من راحة يدٍ حين طُوِيت — مالت وتموَّجت، والريح التي خرجت منها لم تكن ريح الطبيعة. كانت ريحًا تحمل المسافة داخلها.
سون طار.
لم يكن يعرف أين هو حين توقَّف. الجبل تحته صغير غير مألوف. جلس على أحد الصخور يُنظِّم أفكاره. ثمَّ عرف المكان — جبل سومير الصغير. آلاف الأميال من حيث كان. المروحة ترمي بمن تُصيبه ثمانيةً وأربعين ألف ليٍّ قبل أن يهدأ.
في معبد الجبل كان راهبٌ يعرف وجه سون. "الكبير! عُدتَ؟"
"لم أعد — ذهبتُ إلى مكانٍ وجدتُ نفسي فيه. هل الروحانيُّ لينغجي هنا؟"
"في الداخل."
لينغجي بوذيسات — الذي أعانه مرَّةً ضدَّ شيطان الريح في جبلٍ يبعد عن هذا آلاف الأميال — كان يجلس في قاعةٍ بمحاريب هادئة. الضوء في قاعته مختلفٌ عن ضوء الخارج — أهدأ وأكثر ثباتًا كأنَّه ضوءٌ خُصِّص لهذه القاعة لا ضوءٌ مرَّ بالصدفة. حين رأى سون ابتسم دون أن يتكلَّم أوَّلًا — وهو صمتٌ من النوع الذي يُتيح للزائر أن يقول ما جاء من أجله.
سون أخبره بالمروحة. بالأميرة. بالريح. بالمسافة.
لينغجي استمع وقال: "لم أتوقَّع أن يأتي يومٌ أُستدعى فيه لمواجهة مروحة."
"ليس للمواجهة. لمنحي حصانةً منها."
لينغجي أخرج من طيَّات ثوبه كيسًا صغيرًا. فيه حبَّةٌ واحدة — الحبَّة المُثبِّتة للريح. قال: "هذه أهدانيها بوذا منذ سنين وأنا أحتفظ بها دون أن أجد لها مستخدمًا. أكثر الأشياء القيِّمة تنتظر وقتها." ضعها في طيَّة ثيابك. ستُثبِّت كلَّ ريحٍ حولك ولن تُزيلك مروحةٌ بعدها."
سون أخذها وشكر بجملتين لا أكثر. الشكر الطويل يُبطِئ.
عاد إلى جبل السحاب الزمرُّديِّ. طرق الباب بعصاه. الكهف ارتجَّ من الطرق.
الفتاة الصغيرة أطلَّت: "أنت مجدَّدًا؟"
"أنا مجدَّدًا."
الأميرة خرجت بالمروحة مباشرةً هذه المرَّة — لم تأتِ بالسيفَين لأنَّها لاحظت شيئًا في المرَّة الأولى: الرجل الذي لا يؤلمه السيف لا يُهدَّد بالسيف. رفعت المروحة وأطلقتها.
سون لم يتحرَّك.
المروحة مرَّةً أخرى. ثمَّ مرَّةً. سون واقفٌ ثابتٌ كالجبل الذي خلفه. ابتسم: "أنا أعرف طريقة. هيَّا نتكلَّم مجدَّدًا."
الأميرة تراجعت ودخلت وأغلقت الباب.
سون انتزع شعرةً من جسده وحوَّلها إلى دودةٍ صغيرة لا تُرى إلَّا بصعوبة. دخل من خلف باب الكهف من ثغرةٍ في الأحجار. في الداخل كانت الأميرة تجلس على كرسيٍّ وتقول لفتاة: "جلبي شايًا بارداً. عطشتُ."
الشاي جاء. الفنجان رُفع. سون — في صورة الدودة الصغيرة — غاص في رغوة السطح قبل أن تُحرَّك الشفتان.
الفنجان فُرِغ. ثمَّ صوتٌ من الداخل: "عمَّتي. هذا أنا."
الأميرة وضعت الفنجان ووقفت. وقفت الفتيات حولها. الكهف كلُّه في صمتٍ مذعور.
"كيف—"
"الكيف غير مهمٍّ. ما يهمُّ أنَّني هنا، وأنَّ الأمر بيدكِ." صوتٌ كالمصارع الذي يجلس داخل خيمة خصمه ليشرب قهوته. "لا أُريد أذيَّةً. أُريد مروحة الموز. أُعطيكِها وأمضي، ولا نتكلَّم عن هذا مجدَّدًا."
"اخرج من جسدي."
"المروحة أوَّلًا."
صمتٌ طويل — من النوع الذي يزن فيه الشخص ما أمامه بعيونٍ مغلقة. ثمَّ: "حسنًا. تعال أرِني نفسك."
سون طلب من الأميرة أن تفتح فمها. صعد إلى الحلق وجلس في حافَّة الفم — الدودة الصغيرة التي لا تزال حيَّةً. الفتاة حملت مروحةً صغيرة كأوراق نبتةٍ طُوِيت. سون قفز عليها ولحظة وصلت قدماه إلى الورق تحوَّل إلى نفسه وقال: "شكرًا جزيلًا."
وقبل أن تتحرَّك الأميرة خرج بخطواتٍ عاديَّة من باب الكهف.
الطريق من الجبل إلى المجموعة قطعه في لحظة. وقف أمام سانزانغ رافعًا ما في يده: "هذا الوارد."
الرجل المسنُّ رأى المروحة وقال: "نعم! هذه هي!"
سانزانغ قال: "بارك الله فيك يا تلميذي."
سون أخبرهم بالقصَّة — الأميرة وزوجة الثور وابن النار. لم يشرح التفاصيل الصغيرة. قال: "اعطونا وقتًا وسأُطفئ النار ونعبر."
على مبعدة أربعين ليًّا من الجبل توقَّف سون. النار أمامه — لا تشبه نيران التلال ولا نيران المعارك. هذه نارٌ تملأ الأفق بالكامل كأنَّها جزءٌ من الأرض لا حادثةٌ فيها.
رفع المروحة. هزَّها مرَّةً.
النار ارتفعت.
هزَّها ثانيةً.
النار تضاعفت حتَّى لُفحت الوجوه من على بُعد أميال.
هزَّها ثالثةً.
لهبٌ ارتفع ألف ذراع. سون ركض. الوبر في ساقَيه لُفِح. وصل إلى سانزانغ وهو يقول: "ارجعوا. ارجعوا."
على بُعد عشرين ليًّا من النار أوقفوا الجواد. باجي نظر إلى سون نظرة غريبة: "أنت دائمًا تقول إنَّ النار لا تُحرقك."
"حين أكون مستعدًّا لها. لم أكن مستعدًّا. كنتُ أُطفئها لا أقاتلها."
شا قال: "والمروحة؟"
"المروحة زادت النار."
صمتٌ بين الأربعة.
ثمَّ صوتٌ من جانب الطريق — رجلٌ عجوزٌ بعصا وقبَّعة يُشبه إله التراب المحلِّيَّ في ملامحه وفي الطريقة التي يقف بها كمن هو في مكانه تمامًا ولا يحتاج إلى دعوةٍ. قال: "الكبير، دعني أُقدِّم لكم بعض الطعام وأشرح ما جرى."
الطعام جاء — بسيطٌ ودافئ. وإله تراب جبل اللهب قال وهو يضع الطاسات: "المروحة التي معك مزيَّفة."
سون نظر إلى المروحة في يده. "كيف؟"
"الأميرة الحديد أعطتك صورةً عنها لا هي. مروحة الموز الحقيقيَّة تُطفئ، هذه تُشعل. إن أردتَ الحقيقيَّة—" توقَّف.
"من أجدها؟"
"الملك البقر."
سون أغلق عينَيه لثانية. من بين كلِّ الكائنات في هذا العالم — الملك البقر. الصديق القديم. الذي صار الأمر بينهما أكثر تعقيدًا ممَّا كان في أيِّ سنةٍ مضت.
"أين هو؟"
"ذلك سؤال الفصل التالي."