موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل الخامس والخمسون: عقرب الكهف وديك النجوم

سون يتعقَّب خاطفة سانزانغ إلى كهف العدوِّ السامِّ. يكتشف أنَّها عقربٌ شيطانيَّة ذات شوكة تُصيب رأسه. الديك السماويُّ من كوكب الثريَّا يُشلُّ العقرب. باجي يقضي عليها.

سون وكونغ عقرب شيطانيَّة ديك النجوم باجي الفصل الخامس والخمسون

الريح التي اختطفت سانزانغ تركت أثرها في الهواء — غبارٌ في خطٍّ شماليٍّ غربيٍّ يتلاشى ببطء. سون قفز عاليًا فوق خطِّ الغبار وتتبَّعه كما يتتبَّع الصيَّاد أثر القدم في الطين.

"تبعوني." نادى شا وباجي.

الجواد والأمتعة بين يدَي شا وو جينغ. باجي يعدو ثمَّ يقفز إلى الهواء. الثلاثة في الهواء يُراقبون أسفلهم حتَّى رأوا عبر ثنايا الجبل الشماليِّ الغربيِّ شيئًا يشبه خطَّ بلَّور في الهواء يدلُّ إلى جبلٍ كثيف الأشجار.


الجبل يُسمَّى جبل العدوِّ السامِّ. اسمٌ لا يحتاج تفسيرًا — ليس لأنَّ أهل الجهة وضعوه بالمعرفة بل لأنَّ المكان يفرض اسمه. الأشجار حوله كثيفةٌ لكنَّها كثافةٌ مُغلقة لا كثافة الحديقة، وأوراقها داكنة بدرجةٍ تجعل الضوء بين الفروع يبدو كالضيف لا كالمقيم.

في وجهه الجنوبيِّ حجرةٌ كبيرة كالشاشة تتقدَّم أمام شقَّين متقاطعَين. بجانب الحجرة لافتةٌ محفورة في الصخر: "كهف القيثارة". وراء الشقِّ الأعمق بابٌ مغلق من الداخل — أُغلق بعناية لا بالعجلة.

"أدخل وأتأكَّد." قال سون لشا وباجي. "أمسكا الجواد واستريا هناك."

تحوَّل سون إلى نحلةٍ صغيرة — جسدٌ أخفَّ من كلِّ أصواته وجناحان يصدران همسًا أكثر منه صوتًا. تسلَّل من تحت الباب.


في الداخل قاعةٌ واسعة تُضيئها مشاعل في حوامل صخريَّة. في المنتصف كُشكٌ مزيَّن بأعواد الخيزران تجلس فيه امرأةٌ ذات بشرةٍ بيضاء وشعرٍ أسود يتدلَّى على كتفَيها وثيابٌ خضراء داكنة وفي يدها شوكةٌ ثلاثيَّة الرأس بريقها نفاذٌ غير عاديٍّ.

خادمتان تجلبان صينيَّتَين: إحداها بمفطَّحات صغيرة مليئة بلحمٍ داكن يفوح منه عطرٌ لا يُصدَّق، والأخرى بمفطَّحات مليئة حلوى الفاصولياء.

"أخرجوا الراهب." قالت المرأة لخادماتٍ في الخلفيَّة.

من الغرفة الخلفيَّة جاءت خادمتان تُمسكان بذراعَي سانزانغ تُعينانه على المشي. وجهه أصفر ودموعٌ جفَّت على خدَّيه وعيناه منفتحتان لكنَّ فيهما الإرهاق الذي يأتي من مقاومةٍ طويلة لا من نومٍ قليل.

النحلة على العارضة تُصغي.

"أريحك." قالت المرأة لسانزانغ بلهجةٍ ناعمة لا تخلو من فخٍّ. "كلُّ هذا العناء في السفر لم يُعطِك شيئًا. هنا لديَّ كلُّ ما يحتاجه من يُريد الهدوء حقًّا. الكتب المقدَّسة موجودةٌ في كلِّ مكان يجد فيه القلب سكينته."

سانزانغ لم يجب.

"كُل شيئًا." قالت. "الحلوى على الأقلِّ. لن تأخذ منك عهدك."

السكوت من سانزانغ طال حتَّى صار نوعًا من الكلام.

النحلة رأت ما رأت وأحسَّت بما لا يحتمل الانتظار. ظهر سون بشكله الحقيقيَّ، عصاه في يده: "يكفي."

المرأة قالت لخادماتها بسرعةٍ: "خذن الراهب إلى الخلف." ثمَّ نهضت بالشوكة الثلاثيَّة. الخادمات جرَّت سانزانغ إلى الخلف وصوته يُنادي من هناك. الدخانُ من ناحية المرأة كثَّف الهواء وغيَّر شكل القاعة.

القتال خرج إلى خارج الكهف — وهو بالضبط ما أراد سون لأنَّ الداخل ضيِّقٌ والضيِّق يُفيد من يعرف المكان لا من يكتشفه للمرَّة الأولى.


باجي رأى سون يخرج وخلفه الشوكة الثلاثيَّة تُلاحقه. "أنا هنا!" قفز الخنزير وأمسك المُسلَّة.

المعركة أمام كهف القيثارة كانت من الصنف الذي لا تصحُّ فيه تنبُّؤات. المرأة لا تُقاتل بالشوكة فقط — في شكلها شيءٌ يتحرَّك بلا توقُّع، من أعلى ومن أسفل، وفي حركاتها سرعةٌ تجعل تتبُّعها عملًا مستقلًّا عن ضرب.

وفجأةً.

شيءٌ في رأس سون اشتعل.

ليس ضربةً قبضة. ليس حجرًا. نقطةٌ واحدة في أعلى الرأس كأنَّ إبرةً دخلت ولم تخرج. سون أمسك رأسه بيديه وصوتٌ خرج منه لم يُصدر مثله منذ زمن بعيد.

"أخ."

باجي رأى. المرأة سحبت ذاتها إلى الكهف والباب أُغلق.

شا وو جينغ ركض: "ماذا أصابك؟"

"رأسي." سون يمشي بخطًى كأنَّها تحسب نفسها. "شيءٌ ضرب رأسي. لا أعرف ما هو."

باجي مدَّ يده ليفحص. "لا جرح. لا أثر. كيف؟"

"كيف لا أعلم. لكنَّه يؤلم."


جلسوا على المنحدر أسفل الجبل. الشمس تُميل نفسها نحو الغرب والظلال على الجبل تبدأ بتغيير اتِّجاهها. الليل يقترب. سانزانغ بداخل الكهف وسون بيده على رأسه وباجي يجلس يُحدِّق في باب الكهف. الجواد مربوطٌ خلفهم يأكل ما وجد من أعشاب المنحدر بلا اكتراثٍ واضح بما يجري.

"يجب أن نفعل شيئًا." قال باجي.

"نفعل غدًا." قال شا. "الألم سيخفُّ حين يرتاح الدم. ونحن نحتاج ليلةً نُفكِّر فيها."

سون: "سانزانغ بخير. رأيته بعيني."

"تأكَّدت من شيء؟"

"هي تريده حيًّا ومعها. ليست ستقتله الليلة."

شا: "ماذا تعرف عنها؟"

سون رفع رأسه: "لا شيء بعد. لكنَّ الضربة التي أصابتني — لم تُصبني نارٌ ولا مياهٌ ولا حديدٌ هكذا من قبل. شيءٌ خاصٌّ بها وحدها."


في الداخل، بعد أن أخلت الكهف من الخادمات ومن أيِّ سمع، أمرت المرأة بإطلاق سانزانغ من الحبال. أحضرت الشاي مرَّةً أخرى وجلست أمامه على مسافةٍ ليست قريبةً جدًّا ولا بعيدةً جدًّا. سانزانغ جلس كالشجر الذي لا يذوب — وجهه نحو الأمام لكنَّ عيونه في مكانٍ آخر، في ذلك المكان الداخليِّ الذي لا يصله أحد من الخارج.

"أنت تعتقد أنَّك تنتظر نجاتك." قالت. "لكنَّ الذي في الخارج بيده رأسه يؤلمه."

سانزانغ لم يُجب.

"يُمكنك البقاء هنا بسلامٍ. لا أذى. الكهف واسعٌ. الطعام وفير. تلاميذك يُكملون الطريق بدونك. الكتب المقدَّسة ستصل."

"بدوني لن تكون هي الكتب المقدَّسة." قال سانزانغ أخيرًا.

المرأة صمتت.

"الرحلة لا تُفصَل عمَّن يسلكها." قال بصوتٍ هادئ الأطراف ثابت الوسط. "لو أردت الكتب دون الطريق كنت أرسلتُ الرسائل. المهمَّة لها من يؤدِّيها."

المرأة نظرت إليه نظرةً لم تكن فيها الخبث المعتاد — كأنَّها سمعت شيئًا لم تتوقَّعه. ثمَّ أمرت بحبله من جديد وانسحبت.


بالصباح. سون أفاق وألم الرأس لا يزال لكنَّه تحوَّل من حريقٍ إلى جمرٍ يُمكن تحمُّله.

تحوَّل إلى نحلةٍ مرَّةً أخرى. دخل. رأى سانزانغ حيًّا مربوطًا. عادل وصفيَّة المكان ما رأى.

"سانزانغ."

"أنت؟ رأسك؟"

"أتحمَّله. ألم آخر يُضاف للقائمة. اصبر قليلًا."

خرج. باجي ينتظر في المنحدر. "الأستاذ بخير. الآن نُفكِّر."

الثلاثة يتشاورون. سون يعرف أنَّ رأسه أُصيب بشيءٍ لم تُصبه أربعون عامًا من القتال. لا النار ولا السيف ولا المطرقة. يوم واحد في بئر القمر ثمَّ تجميدٌ آخر ثمَّ دخول الكهف... كلُّ هذا لم يُصبه. وشيءٌ في حركة المرأة — ليس الشوكة.

الذيل. كان ثمَّة شيءٌ في نهاية جسدها تحرَّك مرَّةً واحدة.

"هي عقرب." قال سون.

شا وو جينغ أخرج من ذاكرته: "إذن ما يُهزم العقرب؟"

"الديك." قال سون. "الديك السماويُّ الحقيقيُّ — ليس ديك الأرض."

"أين هذا؟"

"في نجوم كوكب الثريَّا. هناك نجمٌ على شكل الديك — إذا صاح تتلاشى قوَّة العقرب السامَّة."


سون طار إلى السماء. النجوم في وضح النهار لا تُرى من الأرض لكنَّ السماء الداخليَّة معروفة بمسالكها لمن عرف الطريق من قبل. كوكب الثريَّا في خريطة السماء يقع في الشمال الشرقيِّ من قوس الكواكب وقصره بيضاء جدرانه بضياءٍ مختلف عن ضياء السماء المألوف — كأنَّ المكان يُضيء من مادَّته لا من ضوءٍ يسقط عليه.

في قصر الضوء الساطع وجد سون الطريق مغلقًا — الكوكب في جولةٍ رقابيَّة على نجوم المجموعة. انتظر عند الباب. حين عاد المسؤول في ثيابه الذهبيَّة المرصَّعة بنقوش الكواكب والأبراج قال سون مباشرةً دون استهلال: "امرأةٌ من جنس العقارب أمسكت معلِّمي في جبل العدوِّ السامِّ. أُخبِرت أنَّ صوتك يُشلُّها."

نظر المسؤول إلى سون بعيون هادئة لم تتفاجأ: "صوتي قادرٌ على ذلك. العقارب تُحسُّ بصوت الديك كما تُحسُّ الظلمة بالنور الأوَّل. هيَّا."


أمام كهف القيثارة.

باجي يُحدِّث في الأبواب بمسلَّته ويصرخ حتَّى يستدرج الصراخ من الداخل. المرأة خرجت بشوكتها، وجهها فيه الغضب المُتراكم من ليلةٍ لم تُعطها ما أرادت.

"مرَّةً أخرى تأتون؟"

"مرَّاتٍ وأكثر." قال باجي.

المعركة انطلقت. الشوكة ثلاثيَّة الرأس والمسلَّة ذات التسعة تتقابلان في الهواء الجبليِّ البارد. المرأة تُحاول الشوكة التي أصابت سون ثانيةً لكنَّ باجي يتراجع قبل أن تصل.

"الآن!" صاح سون.

على الصخرة الكبيرة فوق الكهف ظهر مسؤول كوكب الثريَّا بشكله الحقيقيِّ — ديكٌ أبيض ضخم لا يُشبه ديوك الأرض في الحجم ولا في الطريقة التي يشغل بها المكان من حوله. تاجه مزدوجٌ كالتاج الملكيِّ، عيناه كالياقوت الأحمر في ضوء الشمس. استوى على الصخرة ومدَّ عنقه ببطءٍ مدروس ورفع صوتًا واحدًا.

صوتٌ لا يُشبه أصوات الأرض — ليس صوت الصباح ولا صوت الإيقاظ بل شيءٌ أقدم من كليهما.

المرأة في الميدان ارتعشت ارتعاشةً من الداخل لا من الخارج. ذراعاها سقطتا. الشوكة الثلاثيَّة ارتطمت بالأرض بصوت معدنيٍّ مجوَّف. الديك رفع رأسه مرَّةً ثانية وصاح صيحةً أعمق من الأولى — وجسد المرأة خُضَّ من الداخل خضَّةً أخرى حتَّى انهار على الأرض وتحوَّل إلى ما كان في أصله: عقربٌ بحجم راحة اليد، خضراء اللون ذات بريق مُقلق، شوكتها ترتجف وتحاول أن تشتدَّ لكنَّ القوَّة ذهبت مع الصيحة الثانية ولن تعود.

باجي لم ينتظر. قدمه الثقيلة على ظهر العقرب والمسلَّة في يده تُكمل ما بدأه الصوت. تسعة شُعَب نزلت بكلِّ ما في باجي من قوَّة — وهي قوَّةٌ لا يستهان بها حين تتَّجه في مكانٍ واحد.

الكهف صمت.

مسؤول الثريَّا عاد إلى السماء بخطواتٍ هادئة كمن يُؤدِّي مهمَّةً في صلب يومه ثمَّ يعود إلى ما كان يفعله. سون صاح بشكرٍ نحو الأعلى. الردُّ كان صمتًا — لكنَّه الصمت الذي يقول "لا داعي".


الخادمات في الداخل — حين دخل سون وشا — كنَّ يرتجفن بالزاوية. صغيراتٌ في السنِّ بملابس رثَّة وشعرٍ مبعثر. قال سون: "من أنتُنَّ؟"

"نحن من المملكة." قالت واحدةٌ بصوتٍ لم يُحكم ضبطه. "اختطفتنا هذه قبل أشهر بعد أن مررنا بالجبل. لسنا من جنسها ولا من طبعها."

شا وو جينغ فتح الغرفة الخلفيَّة. سانزانغ جالسٌ على الحصيرة ويداه مربوطتان خلف ظهره بحبلٍ لم يتفاجأ به. في عيونه الوضوح الكامل لمن انتظر طويلًا وتوقَّع أن يصل ما انتظره فجاء.

"انتهى؟"

"انتهى."

قطع شا الحبل. سانزانغ حرَّك معصمَيه ببطء وبعد لحظةٍ مدَّ يده نحو كوبٍ بارد كان على الأرض وشرب.

أكلوا من مؤن الكهف التي كانت وفيرةً بالشكل المُريب — من يحتاج كلَّ هذا الطعام؟ سانزانغ أكل بشهيَّةٍ بدت مفاجئة حتَّى لنفسه. أشعل سون النار في خشب الكهف وانتظروا حتَّى أكلت النار ما ينبغي أن تأكله. قادوا الخادمات خارجًا وأشاروا لهنَّ اتِّجاه المملكة.

الجواد ينتظر أسفل المنحدر كما تركوه — الأمتعة على ظهره والصبر فيه لا ينفد. والطريق الغربيُّ يستأنف منذ حيث توقَّف دون أن يسأل عن السبب.