الفصل الثالث والخمسون: نهر الأمومة والحمل الغريب
سانزانغ وباجي يشربان من نهر الأمومة فيحملان. سون يُقاتل الحكيم رويي الخالد حارس نبع الإسقاط — عمُّ الولد الأحمر — ثمَّ يدبِّر مكيدة إشغاله بينما يأخذ شا الماء سرًّا.
الطريق الغربيُّ لا يتوقَّف عند انتهاء المحنة. انتهت محنة الجبل الذهبيِّ وبدأت المشي من جديد — الجواد يتقدَّم والأمتعة على ظهره والأربعة في صفٍّ متعوِّد على بعضه. الربيع الباكر في هذا الجزء من الطريق يُلقي لونًا على الجبال يُشبه ما يُلقيه الشاعر على القصيدة — أخضر فاتح على أخضر أعمق ثمَّ بقعٌ من الأصفر الباكر في المنحدرات والصخور البيضاء التي تُطلُّ كأسنانٍ بين خضرة الوادي. طيورٌ في الأشجار أصواتها لا ترسم مشهدًا بقدر ما تُؤكِّد أنَّ الحياة موجودة فيما يمرُّون به. سانزانغ على الجواد يُراقب المشهد بعيون قارئٍ لا متفرِّج — هذا النوع من المشاهدة الذي تعلَّمه على امتداد أشهر: أن يرى دون أن ينتظر من المرئيِّ شيئًا.
وفجأةً أمام الطريق: نهرٌ صغير.
الماء صافٍ صفاءً يجعل قاعه مرئيًّا — حجارةٌ بيضاء صغيرة وتيَّارٌ بطيء يُصدر صوتًا كالهمس المتواصل. على الضفَّة الأخرى يتدلَّى خضرة الصفصاف على الماء وخلفه يلمح سون سقفَ كوخٍ بين الأشجار.
"هناك قارب." قال سون مُشيرًا. "صاحبه بلا شكٍّ يعبر بالناس."
باجي ألقى الأمتعة عن كاهله وصرخ عبر الماء بصوتٍ لم يهتمَّ بحجمه: "أيُّها المعدِّي! أقبِل بقاربك!"
لم يأتِ جوابٌ فوريٌّ. بعد هنيهةٍ، تحرَّك قارب صغير من بين أعواد الصفصاف — يشقُّ الماء ببطءٍ رتيب. حين اقترب تبيَّن للجماعة أنَّ المعدِّي امرأةٌ عجوز بثيابٍ بسيطة وأصابع خشنة تمسك الدفَّة. نظرت إلى الجماعة بنظرةٍ قصيرة ثمَّ ابتسمت ابتسامةً لم تقُل شيئًا وسحبت لوح العبور إليهم.
العبور كان هادئًا. شا وو جينغ حمل الأمتعة إلى القارب. سون أعان سانزانغ على الصعود. باجي جرَّ الجواد من لجامه حتَّى استقرَّ بعد توتُّرٍ عابر. المرأة العجوز لم تتكلَّم — ضربت المياه ضربات منتظمة وعيناها في مكانٍ بين الأفق والماء.
في الجانب الغربيِّ من النهر، نزلوا على ضفَّةٍ رطبة. المرأة العجوز سحبت القارب ربطته بوتدٍ قديم ومشت نحو الكوخ دون أن تنتظر مكافأة.
سانزانغ عطش. الماء أمامه صافٍ وبارد وهو على الجواد منذ ساعات. "باجي. اغرف لي شيئًا من النهر."
"أنا كذلك أريد." قال الخنزير وأخرج إناءه دون أن ينتظر طلبًا ثانيًا. غرف وأعطى سانزانغ نصف الإناء فشرب منه. ثمَّ استوى الباقي في حلقه دفعةً واحدة.
الطريق استمرَّ.
لم يمضِ نصف ساعةٍ حتَّى بدأ الألم.
سانزانغ على ظهر الجواد رفع يده على بطنه بحركةٍ لا إراديَّة. باجي يمشي خلفه سمع أنين سانزانغ فأنَّ هو الآخر. الألم في البطن — ليس ألم الجوع ولا ألم التعب بل شيءٌ آخر يشبه حركةً من الداخل.
شا وو جينغ قال: "ربَّما الماء كان باردًا."
لكنَّ الألم تصاعد. وحين وضع سانزانغ يده على بطنه وأحسَّ بحجمه وجده أكبر ممَّا كان. باجي من خلفه يمشي ببطءٍ متزايد وبطنه ينتفخ أمام عيون شا وو جينغ بوتيرةٍ لا طبيعيَّة.
عند مطلع منعطفٍ في الطريق رأى سون كوخًا يتصاعد من دخانه دخانٌ رفيع. على بابه عجوزٌ جالسة تغزل. "سأدخل وأسأل عن طبيبٍ أو دواء." قال سون.
في داخل الكوخ الصغير الذي فاحت منه رائحة القشِّ المجفَّف، جلست العجوز وجلست معها امرأتان أخريان لم يُخفيا فضولهما من الجماعة الغريبة. سون سألها عن الألم مباشرةً. نظرت العجوز إلى بطن سانزانغ وبطن باجي ثمَّ ابتسمت بطريقةٍ تشبه من يسمع سؤالًا يعرف جوابه.
"من أين شربتُم؟"
"من النهر."
"أيِّ نهر؟"
"النهر قبل هذه المنطقة. النهر الصغير الصافي."
قالت العجوز: "هذا نهر الأمومة."
صمتٌ.
"أنتُم في مملكة المرأة الغربية. لا رجال هنا من أصل. هذا النهر ماؤه يُحمل به من يشرب منه بعد العشرين. بطن شيخكم وصاحبه تكوَّن فيهما شيءٌ الآن. ليس مرضًا — هو على طبيعته هنا."
باجي سمع وأطلق صوتًا بين الصراخ والأنين: "نحن رجال! من أين يخرج؟"
"عادةً من الجنب." قال سون بهدوء مُحاولًا أن يُخفي شيئًا يُشبه الابتسامة.
باجي عاد يئنُّ باكيًا.
قال سون للعجوز: "هل من علاج؟"
"علاجٌ واحد." قالت العجوز. "في الجبل جنوب هذا المكان، يُسمَّى جبل الحلِّ، كهفٌ فيه نبعٌ يُسمَّى نبع الإسقاط. كوبٌ واحد منه يُذيب ما في البطن دون ضرر. لكنَّ طريقه ليست سهلة."
"أذهب." قال سون. "الجبل على بُعد كم؟"
"ثلاثة آلاف ليٍّ." قالت العجوز. ثمَّ بعد وقفةٍ أضافت: "وهناك مَن يحرس النبع. أتى إليه خالدٌ يُسمَّى الحكيم رويي. أغلق الكهف وأسمى المكان خلوة الحشمة. من يريد الماء يُقدِّم له هدايا وخمرًا وكلَّ رسميَّات البشر. راهبٌ مسافرٌ مثلك لن يعطيك شيئًا."
"نرى." قال سون.
طار سون نحو الجنوب. الإناء الكبير الفخَّار في يده — أخذته العجوز من المطبخ وأعطته إيَّاه بصمت كأنَّها فهمت أنَّ الكلام لن يُفيد أكثر من الإناء.
الجبل ظهر وراء الغيوم: جبلٌ ذو أشجار متشابكة وصخور تبدو كأنَّها تعرف من مرَّ عليها. على الجانب المعتم منه كوخٌ صغير أمامه شيخٌ طاويٌّ يجلس يعزف على قيثارة لا يعزفها للإسماع بل للوجود.
سون هبط وسلَّم. الشيخ أجاب بسؤال: "من أين؟ وما حاجتك؟"
"معلِّمي شرب من نهر الأمومة خطأً وأحتاج ماء النبع."
قال الشيخ: "هذا الكوخ لكبير الحكيم رويي. أنا تلميذه. اسمك؟"
"سون وكونغ."
شيءٌ تغيَّر في التلميذ. نهض ودخل. صمتٌ. ثمَّ من داخل الكهف خرج رجلٌ في ثوبٍ أحمر ذهبيِّ الحواشي بعينَين كالجمر ولحيةٍ حمراء تتحرَّك مع خطواته. في يده خطَّافٌ من ذهب مُعقَّف الرأس.
"سون وكونغ؟"
"نعم."
"أنت قتلت ابن أخي." قال الحكيم رويي.
سون لم يرتبك: "الولد الأحمر الآن مع الملكة المتضرِّعة تلميذٌ طيِّب. حياةٌ أفضل ممَّا كانت. أخوك أنت — أيِّ نسبٍ بينكم؟"
"أنا أخو ملك الثيران. الولد الأحمر ابن أخي. وأنت أذقت أخي ما أذقته وسلبت ابنه."
"ملك الثيران وأنا كنَّا أصدقاء في صبانا. سبع أخوَّات. وابن أخيك الآن أفضل حالًا ممَّا كان في الجبل. إن كنت تريد النقاش نتناقش — لكن دعنا نُسوِّي الماء أوَّلًا."
الحكيم رويي لم يُجب. رفع الخطَّاف.
المعركة عند باب الكهف كانت من النوع الذي لا يُسمع له شاهد كافٍ. سون بعصاه والحكيم رويي بخطَّافه الذهبيِّ — والفارق أنَّ الخطَّاف لا يُصوِّب للأعلى بل يُصوِّب دائمًا للقدمَين. ضربةٌ فخطفٌ للكاحل وسون ينزلق. يقوم ويهجم وضربةٌ أخرى لفخذه وسون ينقلب. الخطَّاف في يد الحكيم ليس سلاح ذراعَين — هو سلاحٌ صُنع لمن يعرف أنَّ الساقَين أهشُّ من الكتفَين.
سون وقف للمرَّة الثانية محتكًّا بالأرض واضعًا يده على ركبته. جرَّب أن يصل إلى بئر النبع داخل الكهف فوجد الباب مغلقًا. كسره ودخل فوجد التلميذ فوق حافَّة البئر يحرسه. لم يجد دلوًا. وحين حاول يدًا واحدة تُدلِّي الحبل في البئر جاء الخطَّاف من الخارج وسحب قدمه للمرَّة الثالثة وسقط الحبل في البئر مع سون.
عاد سون بلا ماء.
سانزانغ على حصيرة في كوخ العجوز يئنُّ بعينَين واسعتَين. باجي بجانبه يحمل بطنه بيديه ويُصدر أصواتًا لا تنتمي إلى حيوانٍ واحد. شا وو جينغ ينظر إلى سون بسؤالٍ في عيونه.
قصَّ سون ما جرى. ثمَّ قال: "أحتاجك معي. لكن اسمع الخطَّة."
"قُل."
"الحكيم رويي يدافع لأنَّه يعرفني. إن اشتغل بي نسي أنَّ أحدًا آخر موجود. تأخذ دلوًا وحبلًا وتختبئ خارج الكهف. حين أشغله في الميدان — تدخل."
"وإن جاء أحدٌ من تلاميذه؟"
"تتصرَّف."
عادا معًا إلى جبل الحلِّ.
سون صرخ أمام الباب.
الحكيم رويي خرج.
المعركة الثانية كانت أطول من الأولى — لأنَّ سون هذه المرَّة لم يُحاول الدخول. قاتل في الميدان الواسع أمام الكهف، يتحرَّك بعيدًا عن الباب، يجذب الحكيم نحو المنحدر نحو الأشجار نحو الصخور. الخطَّاف يضرب وسون يشتبك ولا يُعطي منفذًا للعودة.
شا وو جينغ بالدلو والحبل دخل من الجانب.
في داخل الكهف وجد التلميذ. لم يكن وقت الكلام — رفع عصاه وضرب التلميذ ضربةً واحدة موضوعة على ذراعه. التلميذ صرخ وانكفأ. شا قال: "أنت إنسان. لن أقتلك. تنحَّ."
البئر أمامه. الدلو ينزل. الحبل يتدلَّى. الماء يصعد.
من خارج الكهف صوت سون: "أخذت الماء؟"
"أخذته! انسحب!"
سون كفَّ عن الهجوم وقفز نحو السماء. الحكيم رويي رآه يصعد وأراد ملاحقته ثمَّ أدرك فجأةً أنَّ شيئًا جرى خلفه. جرى نحو الكهف وسمع صرخة تلميذه ووجد البئر قد فُتحت ودلوًا فارغًا على الأرض.
صرخ بكلماتٍ لا تُناسب الخالد.
في الكوخ الصغير، أفرغت العجوز قليلًا من ماء النبع في إناءٍ من الفخَّار الملوَّن وأعطته لسانزانغ. "اشرب رويدًا. قليلٌ يكفي."
سانزانغ شرب.
باجي مدَّ يده نحو الدلو كلِّه. قالت العجوز: "لو شربت الدلو كلَّه لذابت أمعاؤك."
باجي سحب يده.
شرب من الإناء الصغير.
لم يمضِ وقتٌ طويل. الألم بدأ يتحوَّل إلى حركةٍ مختلفة، وتلك الحركة صارت صوتًا، والصوت صار مسارًا طبيعيًّا للجسد يسلك طريقه كما تسلكه طبيعة الأشياء حين يُعاد لها توازنها. سانزانغ وباجي لم يتكلَّما عن التفاصيل. الجسد انتهى من شأنه واستقرَّ.
باجي مسح جبهته وتنهَّد تنهيدةً طويلة كاملةً تُريح ثلاث ساعات من التوتُّر: "ما كنت أتوقَّع يومي أن تكون هذه تجربتي."
شا وو جينغ: "في المرَّة القادمة لا تشرب من كلِّ نهرٍ تجده."
"في المرَّة القادمة أترك الشرب لغيري."
سانزانغ على حصيرته تنفَّس بعمق ثمَّ جلس مستقيمًا للمرَّة منذ ساعات. وجهه لا يزال شاحبًا قليلًا لكنَّ عيونه رجعت إلى وضوحها.
قالت العجوز وهي تُرتِّب الأواني: "أنتم من أرض بعيدة. لم نرَ رجالًا في مملكتنا منذ وقتٍ طويل." وفي صوتها شيءٌ بين الفضول والحياء القديم.
سون قال: "نحن مسافرون فحسب. الطريق لا يتوقَّف." ثمَّ أضاف بعد لحظة: "شكرًا على الكوخ والإناء والكلام الذي أنقذ صاحبَيَّ."
جمع سانزانغ عباءته ونهض. الجواد الأبيض كان مربوطًا في الخارج يأكل من حزمة عشبٍ تركتها إحدى نساء البيت. الأمتعة كما هي.
خرج الأربعة إلى الطريق والمملكة التي لا رجال فيها كانت تنظر إليهم من خلف الأبواب والنوافذ والأشجار — نظرة المكانٍ الذي رأى شيئًا لم يكن في حسابه. نساءٌ على حواف الأزقَّة، عيونٌ فوق منديلٍ نصف مُرخًى، وفضولٌ لم يكن فيه خطر. مملكةٌ تمشي بقوانينها الخاصَّة التي لا تحتاج من الزوَّار تصديقًا. لم يقُل أحدٌ من الأربعة شيئًا — ليس من البرود بل لأنَّ الكلام هنا كان سيبدو ناقصًا أمام ما أمامهم. الطريق الغربيُّ أخذهم من جديد كما يأخذ الطريق دائمًا — بلا مقدِّمات وبلا ختام، مجرَّد استمرار.