الفصل السابع والأربعون: النهر الواصل إلى السماء وطفلا عائلة تشن
يصل الحجَّاج إلى النهر الواصل إلى السماء ذي الثمانمئة لي، فيجدون قرية عائلة تشن تُقيم مأدبة تأبين أسبق للأطفال الذين سيُقدَّمون قربانًا لملك روح السمكة الذهبية. يتطوَّع سون وكونغ وباجي للحلول محلَّ الطفلَين.
خرج الحجَّاج من أبواب مملكة تشي تشي والشمس لا تزال في منتصف السماء. ورائهم خمسمئة راهبٍ قائمون عند بوَّابة المدينة — لم ينصرفوا بعد، ينتظرون ما يجب على من أُعطوا شيئًا أن يُعطوه في المقابل.
كبيرهم تقدَّم إلى سون وفتح راحتيه. حبَّات الشعر — التعويذة التي حفظتهم في مخابئهم عبر الطريق الطويل — عادت واحدةً واحدةً. خمسمئة حبَّة إلى جسدٍ لا يتحمَّلها.
"كنَّا نعرف أنَّ من أعطاها سيأتي ليأخذها." قال الراهب الكبير.
سون استقبل الشعرات دون أن يتحقَّق من عددها. من شعره ألفٌ مثلها ولا يُحصى. "الطريق لا يزال طويلًا." قال. "أصلحوا معابدكم."
الملك وقف على درج القصر يراهم يبتعدون. المستشار الكبير بجانبه يُدوِّن في السجلِّ ما لا يُعلَّق على الجدران — ذلك النوع من الأحداث الذي يعرفه كلُّ من شهده ولا يقتنع به من لم يشهد.
الطريق بعد مملكة تشي تشي لم يكن شاقًّا بالمعنى الذي عاشه الحجَّاج من قبل. أشجار عند الأفق. جبالٌ في المسافة تبدو أقلَّ حدَّةً ممَّا اعتادوا. سانزانغ على ظهر الجواد يقرأ في نفسه. باجي يمشي ويشكو بالتبادل مرَّةً من الثقل ومرَّةً من الجوع. شا وو جينغ يُضبط بين الاثنَين كما يضبط الصخر موج البحر.
فصولٌ مرَّت.
الربيع نثر ما ينثره ثم انصرف. الصيف جاء بحرارته المألوفة وذهب. وحين بدأت الأوراق تتلوَّن بالحمرة والصفرة وعرف الإنسان أنَّ الخريف جاء، كانوا ما زالوا يمشون — لأنَّ هذا الطريق لا يعترف بالفصول بل يُكمل ما بدأه بغضِّ النظر عمَّا يتبدَّل حوله.
ليلٌ.
سانزانغ أوقف الجواد: "أين ننام الليلة يا أبنائي؟"
سون قال: "المسافرون يقيمون حيث يجدون. لا تنظر إلى المسافة — انظر إلى الخطوة."
باجي: "أنا أنظر إلى ظهري. الحمل ثقيلٌ وأنا لم آكل منذ الظهر."
شا وو جينغ: "تذمَّرتَ منذ الفجر."
باجي: "كلَّما تذمَّرتُ أتقدَّم خطوةً. هذه طريقتي."
ثم — قبل أن يستأنفوا الجدل — صوتٌ.
ليس صوت ريح ولا صوت طير. صوتٌ متَّصل ومنخفض كأنَّه آتٍ من أسفل الأرض وليس من فوقها. طرقعةٌ تراكمت فيها ألوف الأميال من تيَّارٍ دفعته قوَّةٌ لا تتعب.
"ماء." قال شا وو جينغ.
وكان الماء.
النهر الواصل إلى السماء — هذا اسمه على الحجر الكبير المنتصب عند الشاطئ. تحت الاسم بخطٍّ أصغر: "ثمانمئة لي بلا حافَّة، منذ القديم قلَّ من عبره."
باجي أمسك حجرًا وألقاه في الوسط. صوتٌ ثقيل يغرق في الماء دون صدى.
"عميق." قال.
"وواسع." أكمل سون الذي كان قد قفز إلى السحاب وعاد. "من ارتفاع الطائر لا ترى الشاطئ الآخر. ثمانمئة لي كلمة، لكنَّ من ينظر من الأعلى يُصدِّق الكلمة."
سانزانغ أنزل رأسه: "كيف نعبر؟"
لم يُجِب أحد. ليس لأنَّهم لا يعرفون بل لأنَّ الليل ليس وقت الحلول — الليل وقت البحث عن مكانٍ دافئ وطعامٍ يسدُّ الجوع، ثمَّ في الصباح تُفكَّر الأمور.
"صوتٌ." قال باجي.
وكان صوتٌ — طبولٌ وأجراسٌ تأتي من داخل القرية على بعد ربع ساعةٍ مشيًا في الاتِّجاه المعاكس للنهر. ليس موسيقى الأفراح — إيقاعٌ أبطأ وأثقل.
"نحيا في الليل ونبحث في الصباح." قال سانزانغ. "نذهب نحو الأصوات."
القرية رابضةٌ على ضفَّة النهر — أربعمئة أو خمسمئة بيتٍ تختفي أبوابها وراء حاجب الخيزران. أبوابٌ موصدة، دواجنٌ راقدة، ضوءٌ خافتٌ يرشح من بعض النوافذ. قريةٌ تعرف أين تضع حدودها بين الداخل والخارج.
بيتٌ واحد أبوابه مفتوحة — أو مفتوحةٌ نصف الفتح، بحيث يُمكن لمن يريد أن يرى فيها إذنًا ولمن يشكُّ أن يرى فيها استياءً.
سانزانغ ترجَّل وتقدَّم وحده. الثلاثة توقَّفوا — لأنَّه أدرى منهم بكيف تنظر العيون إلى وجوهٍ كوجوههم في الليل أمام باب غريب.
عجوزٌ بمسبحةٍ في يده خرج ليُوصد الباب ووجد سانزانغ أمامه.
"جئتَ متأخِّرًا." قال العجوز.
"أجئتُ في وقتٍ خاطئ؟"
"الإطعام انتهى. كلٌّ أخذ نصيبه وانصرف."
"لستُ جائيًا للطعام بل للمبيت. راهبٌ من الشرق في طريقه إلى الغرب."
العجوز رفع عينَيه. نظر بالطريقة التي ينظر بها من سمع هذا الادِّعاء من قبل ولم يُصدِّقه قبل.
"من الشرق إلى الغرب — خمسةٌ وخمسون ألف لي. جئتَ وحدك؟"
"معي ثلاثة تلامذة. لكنَّ وجوههم تُخيف الناس. هل تأذن؟"
التلامذة الثلاثة دخلوا.
العجوز سقط على الأرض.
العجوز الثاني — الأخ — جاء من الداخل يسمع الصوت فرأى ما رآه أخوه ففعل ما فعله.
باجي وقف ينظر إليهما بالطريقة التي ينظر بها إلى كلِّ من يقع عند رؤيته — ليس بشيءٍ بين دهشةٍ وضيق.
الخدم جاؤوا للنور فرأوا فانتثروا.
الرهبان الذين كانوا في القاعة يُتمُّون صلاةً انفضُّوا كما تنفضُّ البذور في الريح.
سانزانغ رفع العجوزَين وجلس الجميع في النهاية على الكراسي.
"أنا أعتذر عن تلامذتي." قال سانزانغ. "خُلقوا هكذا."
"لكنَّهم يُخضعون التنانين." قال العجوز.
"يُخضعون أكثر من التنانين."
العجوز الثاني أحضر الشاي. قدَّمه وهو ما زال يُراقب باجي من طرف عينه.
الطعام جاء — ما تبقَّى من عشاءٍ كثير. باجي أكل بالطريقة التي وصفها العجوز لاحقًا: "كأنَّ الطعام يسقط في بئرٍ لا قاع لها." ثم طلب المزيد. ثم طلب مرَّةً أخرى.
سانزانغ وضع يده على ذراع باجي: "كفى."
باجي نظر إليه: "علَّمتني أن أكون شاكرًا لمن أطعم."
"الشكر كلمةٌ لا بطن."
تبادلا نظرةً. باجي أمسك نفسه.
ثم الأسئلة.
"أيُّ عيدٍ هذا؟" سأل سانزانغ.
العجوزان نظرا إليه. في وجهَيهما شيءٌ واحد لكنَّه آتٍ من مكانَين مختلفَين — الأوَّل من العيون، والثاني من الزاوية التي يُمسك بها العجوز الثاني كوب شايه كأنَّه يحتاج إلى شيءٍ يُمسكه.
"وليمة تأبين." قال الأوَّل.
"تأبين لمن مات."
"لا. تأبين لمن سيموت."
اسم القرية: قرية عائلة تشن. النهر الذي يمرُّ خلفها كان يجفُّ كلَّ عشر سنوات حتى جاء ملكٌ يسكن قاعه وطلب ثمنًا مقابل المطر.
الثمن: طفلٌ ذكر وطفلةٌ أنثى في كلِّ عام.
هذا العام جاء الدور على بيت تشن — وتشن ليس اسم أسرةٍ واحدة هنا بل اسم أخوَين: تشن تشنغ (الأكبر، ثلاثةٌ وستون عامًا) وتشن تشينغ (الأصغر، ثمانيةٌ وخمسون). بين الاثنَين في عمرٍ تجاوز المئة سنة جمعها: طفلٌ واحدٌ وطفلةٌ واحدة.
الطفلة: تشي جين — "ميزان الذهب". الابنة الوحيدة لتشن تشنغ. ثمانُ سنوات. وُلدت بعد أن أنفق أبوها ثلاثين جينًا من الذهب على المساجد والجسور والصدقات يطلب نسلًا. ثلاثون جينًا هو وزن الميزان. ومن وزن الميزان جاء اسمها.
الطفل: تشن قوان باو — "الطفل المحمي". ابن تشن تشينغ الوحيد. سبعُ سنوات. وُلد بعد أن قضى أبوه سنواتٍ يُصلِّي عند تمثال الإله القديس وعاهده إن جاءه ولدٌ أن يُسمِّيه باسمه.
"ولماذا لا تشترون بديلَين؟" سأل سون.
"سألنا." قال تشن تشنغ. "الملك يعرف أسماءنا وأعمارنا وأسماء أطفالنا وأعمارهم. يأتي بصورة الريح ويُعدِّد ما نأكله ومن وُلد ومن ذهب. يريد الأصيل لا البديل."
"وكم صرفتم على السنين المنصرمة من جيوبكم ليحفظ القرية؟"
"لم يطلب شيئًا غير الطفلَين."
"ولم يحمِ من رفض؟"
"الذين رفضوا — جفَّت أراضيهم. والذين نقلوا بيوتهم بعيدًا — لم أسمع عنهم بعد ذلك."
سون وقف ومشى إلى الغرفة حيث الطفلان ينامان.
باجٌ صغير على وجه الولد ينتفض ببطء مع تنفُّسه. الفتاة أمسكت طرف غطائها وسحبته قريبًا من وجهها. لا يعرفان — أو ربَّما يعرفان بالطريقة التي يعرف بها الطفل أشياءً لا يملك كلماتها بعد.
سون عاد إلى القاعة.
"أنا أذهب بدلًا من الولد." قال. "وباجي يذهب بدلًا من البنت."
باجي رفع رأسه فجأة: "أنا؟"
"أنت."
"لماذا أنا بالتحديد؟"
"لأنَّك الوحيد الذي يُمكنه تغيير شكله إلى ما يكفي. وشا وو جينغ يحفظ الشيخ."
"أنا أستطيع تغيير شكلي إلى الجبل. إلى الشجرة. إلى الفيل الضخم. إلى رجلٍ سمين. أمَّا إلى فتاةٍ صغيرة رقيقة — هذا صعب يا أخي."
"ثلاثٌ وثلاثون تحوُّلًا في جعبتك."
"التحوُّل يحتاج موهبة."
"التحوُّل يحتاج إرادة."
سانزانغ قال: "إنقاذ نفسٍ واحدة يعدل بناء سبع صوامع. إنقاذ نفسَين..."
باجي قاطعه: "حسنًا حسنًا. لكن إن أكلني ذاك الملك فأنت المسؤول."
"لن يأكلك." قال سون. "ثق بي."
"أثق بك حين تكون بجانبي. أمَّا حين يكون الملك بيني وبينك فالمسألة أصعب."
أحضروا الطفل: تشن قوان باو. سبعُ سنوات وفي يديه تفَّاحة يأكل منها بالطريقة التي يأكل بها من لا يعرف أنَّ هذه ليلته الأخيرة ربَّما.
سون وقف أمامه ونظر في وجهه. ثم قرأ كلمةً في داخله وهزَّ جسده هزَّةً خفيفة.
الولد في المرآة.
تشن تشينغ نظر بين الولدَين مرَّتَين وثلاثًا. "يا إلهي." قال. "الوجه ذاته. الصوت ذاته. اللباس ذاته."
سون بصورة الولد: "هل أشبهه؟"
"أكثر منه."
"إذًا اذهبوا بالأصلَين إلى الداخل. لا تُخرجوهما حتى الصباح. ولا تتركوهما يبكيان بصوتٍ عالٍ — الملك يعرف كلَّ شيءٍ كما قلتم."
ثم الفتاة.
تشي جين — ثمانٌ وعليها ثوبٌ أحمر مزرَّر بالذهب وفوق رأسها ثلاث جديلات مربوطة بخيط أخضر. تمشي وتنظر في كلِّ اتِّجاه بالفضول الذي لا ينطفئ عند الأطفال حتى في أصعب الليالي.
باجي ابتلع ريقه. "تلك البنت."
"نعم."
"أنا أريدك أن تفهم كم أختلف عنها في كلِّ شيء."
"افهم وحوِّل."
باجي قرأ تعويذته وهزَّ رأسه. مرَّةً. ثم ثانيةً. ثمَّ ظهر وجهٌ يُشبه الوجه لكنَّ الجسد لا يزال ضخمًا كجسد من أكل في كلِّ محطَّة من هذه الرحلة.
"الرأس نجح." قال سون. "الجسد؟"
"الجسد يتعب."
"اضغط من الداخل."
نفخةٌ عميقة. جسدٌ يتقلَّص ببطء كالعجين تحت اليد. ثم — فتاةٌ صغيرة في ثوبٍ أحمر.
تشن تشنغ قرَّب النظَّارة. "يا ربِّ."
"لا تبكِ." قال سون. "اذهب باثنَيهما الأصليَّين إلى الداخل. صنُّ الأصوات. الليل سيمرُّ."
الطبول خارج الباب الآن.
قرعٌ منتظم يعني أنَّ الوقت جاء. أبناء القرية يحملون المشاعل ويُسيرون الموكب. طاولتان من الخشب الأحمر المطليِّ، عليهما صينيَّتان حمراوتان.
سون بصورة الولد جلس على الصينيَّة الأولى. رفعه أربعةٌ من الشباب بهدوءٍ كمن يُدركون أنَّ ما يحملونه ثقيلٌ بمعنًى آخر غير الوزن.
باجي بصورة البنت جلس على الصينيَّة الثانية. "سريعٌ يا أخي." قال همسًا باتِّجاه سون وهو يمرُّ أمامه. "أتمنَّى أن يبدأ بالولد."
"ابدأ بي. أعرف كيف أتصرَّف."
"وأنا؟"
"أنت تتبعني. ومتى تحرَّكتُ تحرَّك أنت."
الموكب انطلق في الليل. النهر في الأسفل يصدر صوته المستمرَّ. المعبد على مقربةٍ من الشاطئ، أضواؤه تُضيء أعمدته الخشبية.
والملك في القاع — ملكٌ لا يعرف بعد أنَّ ما يُقدَّم إليه هذه الليلة ليس ما اعتاد.