الفصل السادس والأربعون: المسابقات الثلاث المميتة وكشف حقيقة الحكماء الطاويِّين
يُصرُّ الحكماء الطاويُّون على ثلاث مسابقات مميتة — قطع الرأس وشقُّ البطن وحمَّام الزيت المغلي. سون وكونغ يفوز في الثلاثة بينما يُكشف أنَّ الحكماء في حقيقتهم نمرٌ وغزالٌ وماعز أتقنوا السحر الجانبي دون أن يصلوا إلى الأصل. يُعرَّف الملك على الحقيقة ويُعيد وضع الرهبان في مكانتهم.
الملك في الغرفة الداخلية بعد مشهد التنانين لم يُوقِّع الصكوك. جلس ونظر في الهواء نظرةً لا تبحث عن شيءٍ بل تُحاول أن تفهم ما رأته عيناه. أربعة تنانين فوق قاعته. وراهبٌ صيني استدعاهم كأنَّه يستدعي خدمًا.
قوَّة النمر جلس على ركبتَيه أمامه وقال ببطء:
"عشرون عامًا يا ملكنا. في هذا الوقت نشأت بلدك من جفافٍ لم يُفقِر بلدٌ منه. لا تمنح زاوية واحدة هذا الانتصار لمسافرين عابرين."
الملك لم يرفع رأسه. "أرى ما رأيتُه."
"ولذلك — مسابقةٌ واحدة أخيرة. أختار فيها السلاح والميدان. من يبقى يأخذ الحكم."
الملك رفع رأسه. في وجهه شيءٌ بين الإجهاد وما يشبه الراحة — راحة من يعرف أنَّه لو قال لا فالمسألة ستستمرُّ على أيٍّ حال.
"ثلاث مسابقات. بعدها أنا أحكم."
المسابقة الأولى: قطع الرأس.
قوَّة النمر أعلنها في الساحة أمام الملك والجمهور: "من يُقطع رأسه ثم يُعيده يكون صاحب الحقَّ."
باجي في الصفِّ الخلفي قال لشا وو جينغ: "هذا بيعٌ للأوهام."
شا وو جينغ لم يُجِب.
سون تقدَّم: "أنا أوَّلًا."
المنفِّذ في الساحة رجلٌ يُمسك سيفًا كبيرًا بالطريقة التي يُمسكه بها من مارسه. أمسك سون. أربطةٌ على الجسد. سكِّين في الهواء.
الرأس سقط.
الجسد بقي واقفًا. لا دم.
صوتٌ من الجسد: "هلُمَّ."
الرأس لم يتحرَّك.
الجسد استجمع — حركةٌ من الداخل لا يراها أحد خارجه — ودفع. ورأسٌ آخر بدأ يتشكَّل من الرقبة إلى الأعلى. في دقيقةٍ: رأسٌ جديد كأنَّه لم يُقطع.
شا وو جينغ قال بهدوء: "أعرف منذ متى يستطيع هذا وأنا لا أزال أتعجَّب."
قوَّة النمر نظر نحو تلاميذه. لم يتردَّد — الذي يتردَّد في هذه اللحظة يُعلن أمام الملك والحضور أنَّه أقلُّ ممَّا أعلن. "أنا بعده."
المنفِّذ أمسك قوَّة النمر.
الرأس سقط. الجسد بقي. وصوتٌ من الجسد: "هلمَّ."
الرأس تحرَّك في الهواء — قوَّة النمر ليس مُتحيِّلًا فقط، فيه ما يكفي من الحقيقة ليُتقن ما يُتقنه. درسُ سنواتٍ من الصيام في الجبل الشمالي لا يُفقد عبثًا.
لكنَّ الرأس في اللحظة التي بدأ يرتفع تعثَّر — كمن يرفع قدمه ليمشي فيجد حذاءه مُثبَّتًا في الأرض. وسون — الذبابة فوق حافَّة الرأس — رأى ما لا يراه أحد آخر، وتحوَّل في ثانيةٍ إلى كلبٍ أصفر ينزل إلى الأرض.
الكلب الأصفر أمسك الرأس بفمه وجرى حتى وصل إلى حافَّة خندق الماء وألقاه.
الرأس توقَّف.
قوَّة الغزال وقوَّة الماعز رأيا ما جرى — لكنَّ الكلب الأصفر اختفى في نفس اللحظة التي عاد فيها سون إلى صورته.
قوَّة النمر ناداه ثلاثًا. ثلاث أصوات من جسدٍ دون رأس تنادي رأسًا لا يملك أذنًا لتسمع.
ثم سقط الجسد.
حين حملوه ليروا من هو: تحت ثوب الحكيم — نمرٌ أصفر بلا رأس.
الملك على كرسيِّه أمسك الذراعَين.
"ماذا..."
وزيرٌ من الطرف الأيسر قال همسًا: "جبلٌ مُتخفٍّ في ثوب إنسان عشرين عامًا."
قوَّة الغزال وقوَّة الماعز في الصفِّ — الأوَّل يتماسك بإرادةٍ واضحة لكلِّ من يرى وجهه، والثاني يتعجَّل بطريقة من لا يستطيع الصبر لأنَّ الصبر يُتيح له التفكير فيما لا يُريد التفكير فيه.
قوَّة الغزال قال بصوتٍ يُريده هادئًا ولا يملك هذا الهدوء: "نواصل."
"بأيِّ وجهٍ نواصل وصاحبك وُجد نمرًا؟" قال سون.
"أنا لستُ صاحبه. أنا أنا." ثم نحو الملك: "المسابقة الثانية — شقُّ البطن."
الملك نظر نحو الأربعة. سون رفع يده قبل أن يُسأل.
المسابقة الثانية: شقُّ البطن وإخراج الأعضاء ثم إعادتها.
سون تقدَّم — خلع ثوبه الخارجي. السكِّين خطَّ من تحت الصدر إلى السرَّة. الأعضاء خرجت. سون نظَّمها بيديه واحدةً واحدةً كمن يُنظِّم خريطة ثمَّ أعادها. أُمر بإغلاق الجرح. جُرحٌ لا يوجد.
باجي في الخلف: "هذا المخلوق يعيش خارج منطق الحياة تمامًا."
شا وو جينغ: "أو هو منطق الحياة الحقيقي ونحن من يعيش خارجه."
قوَّة الغزال تقدَّم.
السكِّين. الأعضاء خارج الجسد. يدان تعرفان ما تفعلان — هذا حكيمٌ حقيقي، له سنواتٌ من التدريب.
سون في الهواء بصورة الطائر. مخالبُ صغيرة تنزل في ثانيةٍ واحدة وترفع الكبد والأمعاء وترفرف بها بعيدًا.
وقوَّة الغزال يفحص جوفه بيديه المرتجفتَين — لا يجد شيئًا. الجوف فارغ.
جسدٌ يسقط.
حين كشفوا عنه: غزالٌ أبيض بقرنَين. حيوانٌ عاش قرونًا في الجبل وأتقن الشكل البشري حتى نسي في كثيرٍ من اللحظات أنَّه لم يُولد به.
قوَّة الماعز الآن وحده.
الملك نظر إليه. الحضور نظروا إليه. وهو يقف بين ما يدفعه إلى الأمام وبين ما يعرفه — لأنَّه يعرف شيئًا واحدًا: له سلاحٌ لا يملكه الآخران، وهو السرُّ الذي احتفظ به.
لم ينتظر أن يُسأل. قال: "أنا أختار المسابقة الثالثة."
الملك نظر إليه — ملكٌ يرى اثنَين من أساتذته كشفا عن وجوهٍ لم يعرفها. ما تبقَّى من القرار في وجهه هو ما يتبقَّى من القرار في وجه من يُدرك أنَّه بنى عشرين عامًا على شيءٍ لا يعرف الآن ما إن كان حقيقيًّا.
"تكلَّم."
"الزيت المغلي." قال قوَّة الماعز. "من يدخله ويخرج."
المسابقة الثالثة: القدر الكبير مملوءًا بالزيت على نارٍ مشعلة.
سون نزل في الزيت المغلي كمن ينزل في مسبح في يومٍ صيفي — لا تردُّد ولا استعداد مُبالَغ فيه، بل بساطةٌ تُعبِّر عن الفرق بين من يخاف الشيء ومن لا يخشاه. تقلَّب. مرَّ فوق السطح ثم نزل إلى القاع. الزيت الذي يُذيب الحجر لم يؤذِ شعرةً واحدة من شعراته لأنَّ الجلد الذي صنعه الكيران من قبل والتعذيب الذي مرَّ به من قبل كلاهما تمرين مقارنةً بتسعةٍ وأربعين يومًا في أعلى فرن في الجنَّة.
ثم تحوَّل في القاع إلى شيءٍ أصغر من دبُّوس — شيءٌ لا تلتقطه المغرفة مهما أُدارت في الزيت الكثيف.
المراقب أعلن: "غرق. احترق."
المنفِّذ أخرج المغرفة فارغة.
ووزيرٌ من الشرفة أشار نحو سانزانغ: "قُبض عليهم."
ووسط الضجيج والأوامر — ظهر سون من فوق حافَّة القدر. جافٌّ. ثوبه كأنَّه لم يمسَّه ماء فضلًا عن زيت.
"الزيت بارد؟" قال باجي بجانب سانزانغ. "لا. رأيتُ اللهب."
"الزيت ساخن." قال سون. "أنا فقط أقدر."
قوَّة الماعز نزل.
كان يعرف السرَّ الذي يحمله — تنَّينٌ برودته من الجبل الشمالي يُرافقه من زمن، مُخبَّأٌ تحت الجلد في صورة قديرة. حين نزل الزيت كالنهر البارد مرَّ عليه — وابتسم.
لكنَّ سون في الهواء قبل أن ينزل الحكيم كان قد صعد إلى الشمال ونادى.
"تنَّين البرودة. أنا سون وكونغ. هذا المكان ليس مكانك. عُد."
التنَّين عاد.
الزيت عاد حارًّا.
وقوَّة الماعز في القدر بدأ يُدرك — الحرارة التي كانت باردة أصبحت حارَّة كالزيت الذي تنسج منه النار ما تنسج. حركاتٌ تسعى إلى الخروج لا تجد حافَّة. صوتٌ يريد أن يصرخ لكنَّ الصراخ في الزيت لا يُسمع بالطريقة التي يُسمع بها الصراخ في الهواء.
ثم صمت.
ثم لا صوت. لا حركة.
الجثَّة حين أُخرجت بالمغرفة الكبيرة والحبال: شكلٌ أبيض تحت طبقة الزيت. حين جُفِّف وكُشف عنه — ماعزٌ أبيض عظيم القرنَين. قرنان يُخبران عمرًا قضاه في الجبل يتعلَّم ما تعلَّمه.
الملك أغمض عينَيه ولم يفتحهما فورًا. حين فتحهما، كان في وجهه ما يكون في وجه من وقع على الحقيقة وأدرك أنَّ الحقيقة كانت دائمًا هناك لكنَّه لم يبحث عنها لأنَّ ما بُني فوق الأوهام يُحتاج إلى جهدٍ لهدمه حتى حين يُدرك صاحبه أنَّه أوهام.
الساحة هادئة. المستشار الكبير أحنى رأسه دون أن ينطق.
سون وقف أمام العرش — لا انتصار مُبالَغٌ فيه، بل ما يقوله من أنهى ما يجب أن يُنهى.
"أيُّها الملك. عشرون عامًا أخذها ثلاثة حيوانات جبليَّة تعلَّمت السحر الجانبي. أحضروا المطر لأنَّ المطر في وقته — ليس لأنَّهم أمروه. ومنذ ذلك اليوم بنوا مكانتهم على هذا التزامن."
الملك لم يُجِب.
"الرهبان الذين ظلَّموا — ردَّهم." قال سون. "الصكوك — وقِّعها. الجواد الأبيض ينتظر عند الباب."
الصكوك وُقِّعت.
الملك دعا كبار المستشارين حين خرج الأجانب من القاعة. الغرفة الداخلية هادئة وفي زاوية المدخل شمعتان. قال لهم ما قاله رجلٌ يُعيد بناء رأيه بصوتٍ عالٍ لا ليُقنعهم بل ليُقنع نفسه أوَّلًا: "ما أرسى دولةً عشرين عامًا لا يُنكر في يوم. لكنَّ ما بُني على زيفٍ لا يبقى على حاله." المستشار الكبير قال كلمةً واحدة: "أصبتَ." وهذه الكلمة الواحدة كانت كافية.
والرهبان الخمسمئة جُمعوا من الأحياء القريبة ومن مخابئهم التي اختبأوا فيها بعد أن منحهم سون التعويذة. واحدٌ بعد واحد عادوا — بعضهم يمشي بلا أعراض ما عداهم والبعض الآخر يمشي بحذرٍ كمن تعلَّم أنَّ المكان يتغيَّر ثم يتحقَّق من ذلك بكلِّ خطوة.
عادوا إلى معابدهم — معابد ما زال بعضها قائمًا يحتاج إلى تنظيف لا إلى إعادة بناء، وبعضها ركامٌ يحتاج أن تُعاد أحجاره بأيدٍ هي أيديهم. راهبٌ عجوزٌ وجد مكانه وقد نمت الأعشاب بين أحجار المدخل فجلس عليها لا لأنَّه تعب بل لأنَّه أراد أن يُتقن لحظة العودة كما يُتقن الإنسان شيئًا لم يظنَّ أنَّه سيعيشه مرَّةً ثانية.
الملك أصدر مرسومًا: لا حظر على الرهبان في المملكة. والمعابد التي هُدمت تُعاد. وأيُّ دينٍ أو طريقٍ يبني لا يهدم مرحَّبٌ به.
المستشار الكبير الذي حافظ على رأيه طوال المسابقة وقف أمام سانزانغ وانحنى. "سافروا بأمان."
كبير الرهبان وقف أمام سون آخرًا.
"في أحلامنا قالوا اسمك. عشرون عامًا نسمع الاسم."
"عشرون عامٌ طويل." قال سون.
"لكنَّك أتيتَ في الوقت الصحيح."
"أتيتُ لأنَّ معلِّمي يمشي نحو الغرب. وكلُّ ما في الطريق يحدث لأنَّه يمشي."
الرهبان انحنوا جماعةً — ليس لسون بمفرده بل لشيءٍ أكبر منه يمرُّ في صورته.
ثم سون انصرف نحو الباب حيث سانزانغ ينتظر على ظهر الجواد والطريق الغربي يبدأ من جديد بعد توقُّفٍ طال أكثر ممَّا ينبغي.
باجي حين رآهم يمشون قال: "أتمنَّى لو كان كلُّ توقُّفٍ ينتهي بأن يُطعمنا أحدٌ على الطريق."
شا وو جينغ: "اصمت."
باجي: "أنا أتمنَّى فقط."
الطريق بعد مملكة تشي تشي كان كما كلُّ طريقٍ قبلها — لا يُعطيك ضمانًا بل يُعطيك خطوةً واحدة في كلِّ مرَّة. وسانزانغ على ظهر الجواد قرأ في نفسه ما اعتاد أن يقرأه بعد كلِّ محطَّة صعبة: شكرٌ هادئ لا يحتاج كلمات كثيرة لأنَّ من يعرف ثقل الطريق يعرف أنَّ الوصول إلى اليوم التالي هو بحدِّ ذاته نعمة.