الفصل 4: منصب راعي الخيل لا يُرضي القلب، ولقب مساوي السماء لا يهدأ عنه الفكر
يُمنح سون وكونغ منصباً تافهاً في السماء فيثور ويعود إلى جبله مطالباً بلقب مساوي السماء.
حلّق سون وكونغ مع نجم تايباي الذهبي نحو عنان السماء، وكانت سحابته الدوّامة أسرع من ريح في سباق، حتى تركت الرسول خلفها كأنه وقف في الهواء. وما إن اقترب سون وكونغ من البوّابة الجنوبية للسماء حتى سدّ الحرسُ المدخلَ بالحراب والرماح. نادى سون وكونغ غاضباً: "هذا الشيخ الماكر! دعاني ثم أوصى بمنعي!" فلمّا لحق به تايباي أوضح له بصبر: "يا ملك القرود، أنت لم تُسجَّل بعد في السجلات السماوية، فكيف يعرفونك؟ حالما تُكلَّل بالمنصب وتُدرَج في القائمة، لن يجرؤ أحد على سدّ الطريق أمامك."
قبِل سون وكونغ الحجة، ودخلا معاً إلى قصور السماء. كانت الرؤية تسرق الأنفاس: أعمدة من الذهب تلفّها تنانين بمخالب حمراء، وجسور من الفضة تحوم فوقها طيور الفينيق الملوّنة، وثلاث وثلاثون رواقاً مرصّعاً، وسبعون قاعة منقوشاً كلُّ جدار فيها بالياقوت والزمرد. كان الجلال يطغى على المكان حتى لم يتبقَّ فيه مكان للتواضع.
اخترق تايباي الساحات المتتالية حتى وقف عند حضرة قاعة الخلود. وقف سون وكونغ في الجانب دون أن يُهوي رأسه بالسجود، وأنصت بينما قدّم تايباي البلاغ. رفع الإمبراطور الأعلى نظره وسأل: "أيّهم سون وكونغ؟" فأجاب سون وكونغ ببساطة مثيرة للاستغراب: "أنا بنفسي." تبادل الحاضرون نظرات المذهولين، وهمس بعضهم: "هذا القرد الوقح لا يعرف آداب الحضرة، يستحق العقاب." لكن الإمبراطور أشار بيده قائلاً بهدوء: "إنه قادم من البرية ولا يعرف أعراف البلاط، اعفوا عنه هذه المرة."
وبعد مداولة قصيرة، أُسند إلى سون وكونغ الإشراف على إسطبل الخيل الإلهية — ذلك الإسطبل الذي يضمّ ألف حصان من أرفع أنواع الكون: خيول يعدو بعضها كالريح، ويطير بعضها على السحاب، وتتلألأ جلودها كما يتلألأ الشهب في الليل البهيم. انطلق سون وكونغ مع مسؤول قسم الخشب إلى الإسطبل حيث استُقبل بالترحاب. فتّش السجلات وعدّ الخيول وانكبّ على عمله بجدّية لا تعرف الكسل: كان يُنظّف الحظائر وينزل الأعلاف ويملأ المشارب في آناء الليل والنهار، يسوق النائمة إلى المعالف ويردّ الشاردة إلى زريبتها. بعد أيام قليلة بدت الخيول بدينة متلألئة الجلد، وفاض نشاطها حتى كادت تكسر الحبال.
مضت أيام حتى دعا مساعدو الإسطبل زملاءهم إلى وليمة ترحيبية بالجديد. وفي وسط المجلس الصاخب رفع سون وكونغ كأسه فجأةً وسأل بهدوء: "وما درجة منصبي في السلّم السماوي؟" قال أحدهم بتردّد محسوب: "إنه خارج التصنيف الرسمي." قال سون وكونغ بثقة: "إذن لا بدّ أنه أعلى الدرجات!" فضحكوا بمرارة كتيمة وقال أحدهم: "لا، يا سيدنا، بل هو ما دون الأخير. لا رتبة له ولا راتب. إن الخيول أكلت جيداً قيل لك: أحسنت. وإن مرضت خيل واحدة حوسبت عليها. هذا مقام السائس لا غير."
اندلعت في وجه سون وكونغ نيران الغضب فشقّت ثنايا ابتسامته واحمرّت عيناه. قال وهو يقوم: "يخدعونني ويجعلونني سائسَ خيل؟ أنا ملك الجبال ومرهوب الآفاق، وهم يهينونني بهذا؟ لن أقبل هذا الذلّ لحظة أخرى." وثب إلى قدميه وأطاح بالمائدة وانتزع عصاه من أذنه وهزّها حتى صارت عرض جذع النخلة، ودفع الأبواب وانطلق يخرق فضاء السماء حتى ولج من البوّابة الجنوبية قبل أن يجرؤ أحد على وقفه بكلمة.
هبط إلى جبل الزهور والفاكهة كما تهبط الصاعقة من غيمة صافية، فإذا بالقادة الأربعة وملوك السبعة والسبعين كهفاً يتدرّبون في الميدان الفسيح. صاح سون وكونغ: "أيها الصغار، عدت!" وانكبّوا عليه يحتفلون. قال بعضهم: "لكنك غبت سنين يا مولانا!" فأجاب: "لا، لم تمر إلا نصف شهر في السماء. يومٌ واحد هناك يعادل سنةً هنا." سألوه: "فما الذي نلته في السماء؟" فأجاب بخجل مكتوم: "منحوني إشراف الإسطبل، منصب الخدمة الدنيا. لمّا علمت تركتهم وجئت."
في تلك الأثناء برز شيطانان من ذوي القرون الواحدة يحملان عباءةً ذهبية صفراء فاخرة هديةً لسيدهما، فارتداها سون وكونغ وأعطى أحدهما لقب طليعة الجيش. ثم أعلن بصوت ملأ المكان: "منذ هذه الساعة لقبي مساوي السماء الأعظم! فمن يناديني بغير هذا فلن أعبأ به. وأرسلوا إلى كل الكهوف والأودية: لا يُنادَى سون وكونغ إلا بلقب مساوي السماء!"
أما في السماء، فلمّا بلغ الإمبراطور الأعلى خبر الهروب، أوفد فوراً الجنرال توتو حامل برج النور وابنه هاتشي على رأس جيش من الملائكة المدرّعين. هبطوا أمام جبل الزهور والفاكهة ونصبوا معسكراتهم. ثم أوفدوا رسولاً يدعو سون وكونغ إلى الاستسلام.
خرج سون وكونغ بكامل زيّه الذهبي والعصا في قبضته. قال الرسول: "نحن رسل الإمبراطور، نطالبك بالاستسلام وإلا فالخراب لكل من في هذا الجبل!" ضحك سون وكونغ ورفع عصاه قائلاً: "عد إليهم وبلّغهم: لن أستسلم إلا إذا أعطاني الإمبراطور لقب مساوي السماء. وإن أبى فسأقتحم قاعة الخلود بنفسي!" فارتدّ الرسول يحمل الجواب المرّ.
ثم برز هاتشي بنفسه — شاب تتلألأ وجنتاه وتشعّ عيناه بنور الملائكة — يحمل ستة أسلحة ينتزع منها حين يشاء ستة أذرع. دار بينه وبين سون وكونغ قتال رهيب: الصواعق تتساقط من ضرب العصا، والجبل يرتجف من دوي الصراع. حوّل هاتشي نفسه إلى هيئة ثلاثة الرؤوس والستة الأذرع تنهال بأسلحتها من كل جهة، فحوّل سون وكونغ نفسه هو الآخر إلى مثله، وتحوّلت العصا إلى ثلاثة أعمدة تصطدم وتتكسّر كالرعد. لكن سون وكونغ في خضمّ الفوضى نتف شعرةً ومسخها صورةً منه ظلّت تقاتل، بينما قفز هو خلف هاتشي ووجّه ضربةً قويةً أصابت كتفه. انسحب هاتشي يحمل ألمه ونزف خيبته وعاد إلى أبيه.
اجتمع الجنرال توتو وابنه وقرّرا الانسحاب والرفع إلى الإمبراطور. وعادوا إلى السماء يُبلّغون بما شهدوا من قوة سون وكونغ ومن راياته التي تقرأ: "مساوي السماء الأعظم".
بلغ التقرير الإمبراطور فأُصيب بالقلق، ثم برز نجم تايباي الذهبي مرة أخرى قائلاً بصوت هادئ حكيم: "مولاي، إن منح هذا القرد لقباً فارغاً بلا وظيفة ولا راتب — مجرد كلمات منقوشة على رايته — قد يهدّئه ويجعله تحت سمعنا وبصرنا. أما مقاتلته فلن تُجدي في القريب العاجل." وافق الإمبراطور وأصدر مرسوماً جديداً.
جاء تايباي إلى الجبل حاملاً المرسوم، فاستقبله سون وكونغ مرحّباً. وحين أبلغه بما جاء به أشرق وجه سون وكونغ وقال: "هيا نذهب." وطارا معاً إلى السماء.
هذه المرة وقف الحرّاس جانباً مرحّبين. دخل سون وكونغ وسمع الإمبراطور يُعلن: "سون وكونغ، لقبك من الآن مساوي السماء الأعظم. والتزم بالنظام ولا تثر الفوضى." رفع سون وكونغ رأسه وقال ببهجة لا تخفى: "قبلت وأطعت!"
فأُنشئ له قصر فسيح بجوار حدائق الخوخ الإلهية، يضمّ ديوانين: ديوان الهدوء وديوان السكينة، وأُلحق به الخدم والحرّاس. وأُرسلت إليه زجاجتا نبيذ ملكي وباقة من أزهار الذهب تكريماً وترحيباً. وشارك سون وكونغ الملائكة في الاحتفال بقصره الجديد، ثم ودّعهم وعاش في رياض السماء مرتاحاً لا همّ له ولا شاغل، مدرجاً اسمه في سجلات الخلود، بعيداً عن أتون الزوال ودواليب الفناء.