الفصل الثامن والثلاثون: باجي يحمل جثَّة الملك من البئر وسانزانغ يُلزم سون بإحياء الموتى
يتسلَّل سون وكونغ وباجي إلى حديقة القصر ليلًا ويستخرجان جثَّة الملك من البئر. وحين يُدرك سانزانغ ما يُخطَّط له يُلزم سون بإعادة الروح إلى الجسد تحت تهديد طوق الرأس.
انتظرا حتى ساعة ثانية من الليل — الوقت الذي تغفو فيه الحراسة غفوتها الأولى وتكون الأسوار ساكنةً بالقدر الذي تُحسَّ معه أنَّ المدينة نفسها تنام.
المدينة من بعيد كانت أضواءً خافتة في جوف الجبل، خطوطٌ بيضاء تُعرِّف الأسوار وتُفرِّق ما بُني من الجبل وما نبت منه. سون وباجي طارا نحو الجنوب بلا ضجيج — لا يكفيان ضجيجًا حين لا يريدانه. مسافةً وراء مسافة حتى وقفا عند سور المدينة حيث الحجارة القديمة خشنة الملمس في ضوء القمر الذي كان لا يزال كاملًا من ليلة الأمس.
سون أخذ لحظةً ينظر في المدينة من الهواء — يرى ما لا يراه من يقف على الأرض. البيوت نائمة. الحارس الوحيد المتيقِّظ على البوَّابة الشرقية يتورَّم جانبه الأيسر تورُّمًا يُشير إلى أنَّه بات واقفًا وليس مستيقظًا. المسار نحو الجناح الداخلي خالٍ.
"من أين؟" سأل باجي.
"السور." قال سون. "من فوق."
"من يسرق من الباب الرئيسي؟"
"من لا يُعدُّ لصًّا."
"نحن لصَّان."
"نحن نُصحِّح خطأً قديمًا." قال سون وارتفع. "هذا مختلف."
الحديقة كانت وراء الجناح الداخلي للقصر — ثلاثة أبواب ومجرى ماء وسياجٌ من نخيل لا يزال حيًّا رغم ثلاث سنوات من الإهمال. الباب الرئيسي للحديقة كانت عليه أختامٌ رسمية.
باجي نظر إلى الأختام. "إذن."
"إذن." وافق سون.
مسلَّة باجي فتحت الباب بحركةٍ لا تستأذن.
وفي الداخل، حديقةٌ تركها ثلاث سنوات من الإهمال تعيش حياتها الخاصَّة: الأزهار التي لا يقطعها أحدٌ تتشابك وتموت ثم تُورق من جديد على شكلٍ لا يُشبه ما كان مقصودًا، وأوراق الشجر تراكمت في الزوايا حتى صارت أرضًا جديدة، والمسالك الحجرية تختفي تحت الأعشاب. حديقةٌ أُحكم إغلاقها لثلاث سنوات لا يزورها ملكٌ بعد أن صار الملك شيطانًا يخاف المكان الذي ارتكب فيه جريمته.
سون وقف وسمع.
الحديقة المُهملة لها صوتٌ مختلف عن الحديقة المعتنى بها. في الحديقة المعتنى بها، كلُّ شيء في مكانه ولا شيء يحتكُّ بغيره بغير المقصود. هنا: الأشجار التي تحوَّل بعضها وارًا تحتكُّ بالحجارة التي خرجت من تحت الطين، والأوراق الجافَّة على المسالك تُصدر صوتًا من باتِّجاه لا يتوقَّعه من لم يُرِد صوتًا. شيءٌ ما يُشبه الذاكرة يعيش في المكان الذي تركه صاحبه إلى غير رجعة.
"الصوت." قال باجي بهدوء.
"نعم."
حفيفٌ ليس حفيف الريح — ثمَّة ما يتحرَّك في الحديقة بطريقتها الخاصَّة. الأرواح الغاضبة أحيانًا لها حضورٌ يُحسُّ ليس بالعينَين.
"الشجرة الكبيرة."
الموز. شجرة الموز الوحيدة في الحديقة — أكبر من كلِّ ما حولها، خضراؤها أعمق، ورقها أعرض كما لو أنَّها استفادت من إهمال ما حولها. لا ماء مُوجَّه نحوها، لا تقليم، لا رعاية. لكنَّها الأكثر حيويةً في المكان. في الأساطير القديمة للحديقة، الموزة التي تكبر دون أسبابٍ مرئية تكبر لأنَّ ما تحتها يُغذِّيها بطريقةٍ لا يُغذِّي بها الماء العادي.
"هنا." قال سون.
باجي حفر بمسلَّته — ثلاثة أقدام، أربعة. الأرض رطبة أكثر ممَّا ينبغي في موضعٍ هذا. كأنَّ الرطوبة تأتي من الأسفل.
"حجر."
سون انحنى وكشف. لوحٌ حجري أُُحكم وضعه بعناية. تحته: فتحة بئر. وفي البئر — ضوءٌ رفيع من الأسفل كأنَّ هناك نجمةً سقطت.
باجي ألقى نظرةً. "ماذا في القاع؟"
"اذهب وانظر."
"أنا أسأل قبل أن أذهب."
"الملك." قال سون. "جثَّته. ومن قال لنا إنَّها محفوظة بجوهرة خاصَّة من المياه."
باجي نظر إلى العمق ثم إلى سون. "وأنا أنزل."
"أنت أفضل منِّي في الماء."
"هذا صحيح." أقرَّ باجي. "لكنَّه لا يجعل ما أفعله أقلَّ غرابةً."
سون مدَّ العصا إلى طولٍ كافٍ — ثمانية أذرع — وأمسك باجي بالطرف الآخر وخفَّفه نحو الأسفل ببطء الذي يُشعرك أنَّ الثقل مُحتوى.
الصوت حين وصل الماء: "هناك ماء."
"أعلم."
"أعني بارد."
"الماء تحت الأرض دائمًا بارد."
"هذا بارد أكثر."
"انزل."
صوتٌ من الاستسلام المُحسوب. ثم توقُّف. ثم خرير ماء. ثم لا صوت — دقيقة وربع، سون يُمسك العصا لكنَّه لا يشعر بثقلٍ في الطرف الآخر. باجي في الماء الآن يعمل بطريقته الخاصَّة.
انتظر.
باجي تحت الماء يعرف الماء كما تعرفه السمكة — يُحرِّك ذراعَيه في الاتِّجاه الذي يُعطي السرعة ويُقلِّل المقاومة ويصل إلى القاع دون إهدار ما في رئتَيه. في القاع: باب. وعلى الباب: كلماتٌ منقوشة لا يستطيع قراءتها في الظلام.
دفع الباب.
في داخل القاع، مكانٌ ليس بئرًا. قاعةٌ صغيرة من البلَّور — أو يشبه البلَّور — جدرانها تعكس الضوء من مكانٍ لا مصدر له. وعلى الأرض: رجلٌ مستلقٍ.
تاجٌ ذهبي. ثوبٌ ذهبي أحمر. نعلان بلا غبار. ووجهٌ كأنَّه نائم — لا الوجه الذي تركه الموت ثلاث سنوات في ماء، بل وجهٌ يبدو كأنَّ من وضعه هنا أوقف الزمن في جلده.
من الجانب: نداء. "من جاء هذا الوقت؟"
باجي قال الحقيقة بالقدر الذي يكفي: "من فوق. جئنا لأخذه."
خرج من الظلام: تنِّينٌ صغير — ليس الكبار الذين يملؤون البحار. هذا تنِّين البئر، محدود المقام والمكانة لكنَّ أمانته لا تنقص عن الكبار. نظر إلى باجي بعيون تُقيِّم.
"تيان بينغ." قال التنِّين بتهيُّب. "هل جئتَ بأمر؟"
باجي أدرك أنَّ التنِّين يعرف هويَّته من حياته السابقة. "أخي الكبير أرسلني. هو فوق ينتظر."
التنِّين أومأ. "هو محفوظٌ بجوهرة الجمال الثابت. لكن لا أحد يستطيع حمله إلَّا بإذن."
"الإذن معنا." قال باجي بثقة من عزم على الكذب النافع في وقت القضية الحقَّة.
التنِّين أشار لاثنَين من حرَّاسه. حملوا الجسد إلى الباب. وفي اللحظة التي خرج فيها الجسد من داخل البئر إلى الفتحة — توقَّفت الجوهرة عن الفاعلية.
وبدأ الوقت يعمل مجدَّدًا.
باجي شدَّ الجسد فوق الماء وأمسك بطرف العصا التي مدَّها سون. سون رفعهما معًا — باجي ثقيلٌ والجسد على ظهره أثقل.
حين خرجا من البئر ووضع باجي الجسد على الأرض وتنفَّس، نظر إلى الملك نظرةً طويلة.
"لم يتغيَّر." قال.
"ثلاث سنوات والجوهرة أوقفت التحلُّل." قال سون. "كأنَّه نام البارحة."
"وهل يمكن إيقاظه؟"
لم يُجِب سون.
عادا إلى المعبد قبيل الفجر. باجي يحمل الملك على ظهره ولم يُخفِ استياءه في أيٍّ من خطواته الألف وأربعمئة التي قطعها من سور المدينة إلى باب المعبد: الثوب المبلَّل الذي يُثقِّل بالبلل ضعف ما يُثقِّله جافًّا، والثقل الذي لا يُقلَّل بالحُجَّة مهما كانت الحُجَّة صادقة، والطريق الذي لا يصير أقصر مهما تذمَّرت — بل يبدو أطول كلَّما وصف أحدٌ لك صعوبته.
حين وصلا، وضع باجي الجسد على عتبة الحجرة وأيقظ سانزانغ.
سانزانغ فتح الباب ونظر.
أمامه: رجلٌ بوجه الحياة وهيئة الملوك مستلقٍ على البلاط. تاجٌ ذهبي لم يفقد بريقه. ثوبٌ ملكي لم يتآكل. ووجهٌ فيه عمر الأربعين بلا زيادة — كأنَّ الوقت حين يجمَّد يُجمِّد كلَّ شيء بدقَّة الفنَّان الذي لا يُخطئ.
"ما هذا؟"
"الملك." قال باجي من وراء الجسد الذي ما زال على ظهره. "من البئر. كما قلت يا سون." ووضعه على البلاط بحركةٍ تُعبِّر عن انتهاء مهمَّة لا يريد معرفة التفاصيل التي تجعلها مهمَّة.
شا وو جينغ كان خلف سانزانغ. نظر إلى الجسد ثم إلى سون ثم إلى الجسد مجدَّدًا بأسلوب من يُحاول التحقُّق من أنَّ ما يراه هو ما يراه.
"هل يمكن؟" قال في النهاية.
"لا أعرف." قال سون بصراحةٍ لا تأتي منه كثيرًا. "في حالاتٍ كهذه — الروح لا تنطلق حين تبقى الجثَّة. هو ما زال معلَّقًا بين المكانَين. لكن ثلاث سنوات وقت طويل. الروح ما زالت تنتظر أم ذهبت؟ هذا ما لا أعرفه."
سانزانغ انحنى وتأمَّل الوجه. شيءٌ في ملامح الملك جعله يُحسُّ بثقلٍ قديم: الزوج الميِّت. الأب الغائب. الرجل الذي رتَّب عناءه بدقَّة ثلاث سنوات كاملة كي تصل أخباره.
"يمكنك أن تُعيده؟"
سون لم يُجِب فورًا.
"يا سون." قال سانزانغ بنبرةٍ تتغيَّر. "أنا سألتُك."
"من الناحية النظرية —"
"ليس نظريًّا. سألتُك عمليًّا."
"الروح في الأعالي. الجسد هنا. إن وجدتُ طريقةً للإقناع —"
"الطوق."
سون توقَّف.
الطوق الذهبي على رأسه — أعطاه إيَّاه معلِّمٌ قبل سانزانغ، وسانزانغ عرف التعويذة التي تُشدِّده. كلَّ مرَّة استُخدمت فيه ضدَّه كانت لأسبابٍ لها ما يُسوِّغها. لم يتذكَّر مرَّةً واحدةً كانت فيها التعويذة خطأً. هذا لا يعني أنَّه يُحبُّها.
"الطوق على رأسك ليس للزينة." قال سانزانغ بهدوءٍ لا تُخطئه. صوتٌ لا يرتفع ولا ينخفض — أخطر الأصوات هي التي تحتفظ بمستواها حين يكون كلُّ ما حولها يتصاعد. "أنا لا أستخدمه إلَّا حين لا يبقى خيار. وهذا الآن لا خيار. أمامنا رجلٌ مات ظلمًا وجسده محفوظٌ كأنَّه ينتظر. أمامنا مملكةٌ تحت حُكم شيطان. وأمامنا أمير لن يستطيع أن يفعل شيئًا بلا أبٍ حيٍّ يقف معه."
باجي ابتعد خطوةً باتِّجاه أقلِّ خطورةً. شا وو جينغ اختار حائطًا يقف بالقرب منه ويُحسب من بُعد مُراقبًا حياديًّا.
"إن كنتَ اخترتَ أن تُخرج هذا الجسد من قاع البئر وتحمله إلى هنا." قال سانزانغ، "فلأنَّك تعرف أنَّ إحياءه ممكن. لا أُصدِّق أنَّك تتعب وتُتعب غيرك لشيءٍ لا معنى له. أنت مَن أقنع باجي بالنزول. أنت مَن خطَّط لهذه الليلة. وأنت مَن يعرف نتيجتها."
سون نظر إلى الجسد على البلاط. رجلٌ مات ظلمًا وكان الإهمال سيتركه ينتهي في قاع بئر لا يعرف مكانها أحد. الأمير حين رأى أباه ميِّتًا في المنام بكى. الأمُّ قالت إنَّ السرير بردَ. الجسد محفوظٌ كأنَّه ينتظر.
ثم نظر إلى معلِّمه.
"أحتاج أن أذهب إلى قصر الموتى."
"اذهب."
"وأطلب منهم إعادة الروح."
"اطلب."
"قد يرفضون."
"مَن رفضك من قبل حين كان الطلب عادلًا؟"
لم يُجِب. لأنَّ الجواب — في كلِّ ما مضى — كان: لا أحد.
"حسنًا." قال سون ببطء. "لكن هذا لا يحدث في الغرفة. حين أعود — إن عدتُ بالروح — يجب أن يكون الأمير هنا والملكة وشيءٌ من الديوان. الإحياء بلا شهود قصَّةٌ يرويها الإنسان لنفسه. الإحياء أمام الناس ينهي كلَّ جدل."
"أتمَّ ما يلزم." قال سانزانغ. "الشهود يأتون من تلقاء أنفسهم حين يكون ما يُشهَد عليه حقيقيًّا."
"وإذا رجعتُ بالروح، فأنت من يتولَّى الكلام أمام الديوان. ليس أنا. أنا أبدو كأنِّي أُريد شيئًا حين أتكلَّم أمام الملوك والوزراء. أنت تبدو كمن يُؤدِّي واجبًا."
سانزانغ أومأ. "هذا عادل."
وسون اختفى في الليل — ليس الاختفاء التدريجي، بل اللحظي الذي يُذكِّرك أنَّه حتى حين يكون موجودًا جسديًّا فهو ليس مقيَّدًا بالمكان بالطريقة التي يُقيَّد بها سائر من في الغرفة.