الفصل الثلاثون: الشيطان يعتدي على الطريق الحقِّ وباجي يعود إلى الجبل ليستجلب المُنقذ
يتحوَّل المارد إلى إنسانٍ جميل ويُحوِّل سانزانغ إلى نمر في قصر الملك، والفرس الأبيض يُحارب المارد ويهزم، وباجي يُسافر إلى جبل الزهور والفاكهة ليطلب من سون وكونغ العودة
المارد يُفكِّر.
هذا كان واضحًا للأميرة بي هوا شيو حين رأت وجهه — ليس الغضب الساذج الذي يأتي ويذهب بسرعة، بل شيءٌ أبطأ وأخطر: مارد يُراجع ما حدث ويُعيد تركيب الأجزاء. الراهب الذي أُطلق سراحه. والأجنبيَّان اللذان جاءا إلى بابه للمرَّة الثانية. والاتِّجاه الذي جاءا منه.
قال: "من أين علم أبوك بأنَّك هنا؟"
"لا أعرف." قالت ببطء وعيناها لا تتحرَّكان.
"الراهب كان يعرف. والأجنبيَّان جاءا بأمرٍ من الملك." توقَّف. "إذن كان معه شيء."
الأميرة لم تُجب.
في الغرفة حيث شا وو جينغ مُكبَّل، سمع الخطوات تقترب. المارد دخل بخطوةٍ لا تعترف بالحواجز — خطوةٌ من يملك المكان ويعرف أنه يملكه.
"أيُّها الراهب. تكلَّم."
شا وو جينغ رفع رأسه. وجهٌ بشرته كلون الليل وعيناه كلون الجمر — وجهٌ لم يُصنع ليُبدي الخوف.
"لا أعرف عمَّ تسأل."
"الأميرة أرسلت رسالةً مع الراهب إلى أبيها. أنتم جئتم بناءً على أمرٍ ملكي. هذه ليست صدفة."
"سمعنا الحديث في القصر عن الأميرة المفقودة منذ ثلاثة عشر عامًا. شيخنا أخبر الملك عمَّا رآه حين كان في الكهف. هذا كلُّ ما في الأمر."
كان يكذب بصوت من لم يتعلَّم الكذب ولذلك يكذب بشكل مُقنع — لأن الكذبة التي تُقال بطريقة الحقيقة أشد إقناعًا من الحقيقة نفسها. قرَّر في لحظةٍ أن يحمل هذا الكذب وحده — أن الأميرة التي أنقذت شيخه لن تدفع ثمن إنقاذها.
المارد نظر إليه. ثم التفت وخرج.
عاد إلى الأميرة بيدَين فارغتَين من الدليل وصدرٍ لا يزال يشكُّ.
ثم قرَّر بطريقة المارد الذي يُريد أن يُثبت شيئًا: سيذهب إلى القصر بنفسه ويرى.
"سأذهب لأرى أبيكِ."
"لا تستطيع."
"أنا أستطيع ما أشاء."
"أعني: لن تصل." قالت الأميرة — وصوتها يُوازن بين ما يُريحه وما يُنبِّهه. "أنتَ تعرف أنَّك مختلف الشكل. الناس الذين لم يروا مثلك سيُصابون بالرعب."
"إذن أتحوَّل."
"إلى ماذا؟"
تحوَّل أمامها.
الرجل الذي وقف حيث وقف المارد كان شيئًا مختلفًا تمامًا — قامةٌ متناسقة ووجهٌ فيه ما يجعل الناس يتوقَّفون لا من الرعب بل من شيء آخر. حسنٌ مُعتدل ومُدروس ونظرةٌ فيها الثقة التي تجلسها بعض الناس كأنها ملكٌ ورثوه لا كسبوه.
"هكذا أفضل؟" قال بصوتٍ اختار أن يُلطِّفه.
الأميرة نظرت إليه. ثلاثة عشر عامًا مع هذا المارد علَّمتها كيف تُقرأ تحوُّلاته — ما يُريد أن يُخفيه وما لا يستطيع. هذا الشكل مُقنع. لكنَّه يبقى هو.
"اذهب." قالت. "لكن كن حذرًا."
"أنا لا أحتاج الحذر."
"الجميع يحتاجه."
في قاعة العرش، حيث سانزانغ يجلس في زاوية هادئة ويعدُّ سوتراته بأصابع تعمل من الذاكرة لا من الانتباه، حيث الملك يُحاول أن يتذكَّر أنَّه ملك وأن ابنته ربَّما تعيش — في هذه القاعة وصل رجلٌ جميل وأعلن عند البوابة أنَّه الزوج الثالث لابنة الملك.
الملك تجمَّد. وزراؤه تبادلوا نظرات. الملك لا يملك إلا بنتَين متزوِّجتَين.
"اسمحوا له بالدخول."
الرجل الجميل دخل وأدَّى التحيَّات بطريقة من درس كيف يُؤدِّيها — لا تحيَّات رجل نشأ في قصر لكن تحيَّات مَن شاهد ما يكفي. الملك نظر إليه بعيون لا يعرف ما يُريد أن تجد.
"من أنتَ؟"
"أنا من جبل وعاء الطين ومغارة موجة القمر. زوج ابنتك منذ ثلاثة عشر عامًا."
"ثلاثة عشر عامًا وهذا أوَّل لقاء؟"
"لم أكن أعرف أصلها. إن كنتُ أعرف كنتُ جئتُ من البداية." ثم: "لكنَّ الراهب الذي تحميه الآن — هذا الذي يجلس هناك — ليس من يقول إنه هو."
الجملة الأخيرة أوقفت كلَّ حركة في القاعة.
"تكلَّم."
"أنا من ينبغي أن يتكلَّم. أنا كنت في تلك المنطقة منذ ثلاثة عشر عامًا أصطاد وأعيش. ورأيتُ في تلك الليلة نمرًا يحمل فتاةً — فتاةٌ لم تقل إنها أميرة، بل قالت إنها من بين عامَّة الناس. أنقذتها من النمر وتزوَّجتها." توقَّف. "ثم النمر الجريح ذهب وعاد بعد سنوات مُتعافيًا مُتحوِّلًا — وهذا الراهب أمامكم هو ذلك النمر."
سانزانغ سمع الكلام ولم يحرِّك شيئًا. ليس الصمت الذي يُخفي خوفًا — بل الصمت الذي يسبق الكلام حين لا يستطيع الكلام أن يُجادل ما يُقال. قال فيه شيءٌ: الكذبة الكبيرة لا تُردُّ بالكلمات بل بالأدلة، والأدلة هنا عند المارد وحده.
"هذا كذبٌ." قال سانزانغ بهدوء.
"إذن أُثبت ما يقوله." قال الملك — وصوته فيه شيءٌ يُريد أن يُصدِّق الرجل الجميل لأن تصديقه أسهل.
"أعطني قطرات من الماء الصافي." قال المارد — بصوت من يعرف الجواب مسبقًا.
الماء جيء به.
الكلمات التي قيلت عليه لم يسمعها أحدٌ بوضوح — همسٌ بين الشفتَين وحركة يد وشيء انتقل من المارد إلى الماء ومن الماء إلى الهواء بين المارد وسانزانغ.
ثم سانزانغ لم يعد هناك.
مكانه نمرٌ مخطَّطٌ جالسٌ على الأرض — ضخمٌ وبعيون تُسجِّل المكان بطريقة النمور التي تُميِّز بين ما يعرفه وما لا يعرفه. ليس نمر يفهم ما حدث. نمرٌ يبحث.
القاعة انفجرت. الوزراء تراجعوا. الحرَّاس أمسكوا أسلحتهم بلا أمر. الملك وقف من كرسيِّه وجسمه يُخبره بشيء والعقل يتأخَّر.
قبل أن يُفكِّر أحدٌ، أُمسك النمر وقُيِّد وأُدخل في قفصٍ حديدي.
النمر داخل القفص — وروح سانزانغ داخل النمر — نظر إلى القاعة بعيون لا يستطيع من يراها أن يعرف ما فيها.
المارد في الليل جلس على كرسي الملك وشرب خمر القصر. الفتيات اللواتي أُرسلن ليَّخدمنه جلسن بالمسافة التي تُحدِّدها الرهبة لا الأدب. المارد كان سعيدًا بطريقة من يرى خطَّته تسير كما رسمها.
ثم في لحظة، وسط السعادة، نظر إلى واحدة منهن — ومدَّ يده.
الصيحة التي صدرت ملأت الردهة. ومن بعدها الأصوات السبعة عشر الأخرى التي جرت نحو الأبواب.
الفرس الأبيض في المبيت الملكي سمع الضجَّة. لكنَّه كان يعرف عن الضجَّة قبلها — كان يسمع كل شيء منذ وصل المارد إلى القصر. فرسٌ أبيض في الظاهر، لكنَّه في الحقيقة تنِّين المحيط الغربي المصغَّر — نزل من السماء بجريمة ارتكبها وتحوَّل فداءً عن عقوبتها: يحمل الراهب إلى الغرب.
الراهب الآن في قفصٍ حديدي بصورة نمر.
قرَّر.
الليل عميق حين تحوَّل الفرس الأبيض وعاد ما كان — تنِّين في الهواء يحمل بريق المحيط الذي جاء منه. دخل القاعة من النافذة العالية التي تحت القمر مباشرةً.
المارد كان يشرب وحده.
التنِّين تحوَّل إلى شكل فتاة وأقدم. "سيِّدي. أنا أُعوِّض عن من هرب."
المارد نظر إليها. فتاةٌ جريئة — هذا ما رآه. رمى السيف الذي بجانبه. "اشربي معي."
"أُفضِّل أن أرقص."
"اشربي أوَّلًا."
شربت التنِّين. ثم أخذت السيف من طاولته. "سأُريك رقصة السيف."
المارد فرح بطريقة السكران الذي يرى ما يُريد رؤيته. صعد الرقص وسرَّع. ثم في اللحظة التي تُحسبها أيدي التنِّين بدقَّة المحارب القديم — رمت السيف مباشرةً.
المارد أفلت من السيف بخطوةٍ جانبية. الخطوة التي يفعلها من اعتاد المعارك. أمسك عمودًا ضخمًا من الأثاث وضرب.
التنِّين عاد إلى شكله وطار.
خرجا معًا إلى الليل — المارد بسيفه وعموده، والتنِّين بمخالبه وريحه. تسع جولات في الهواء والأرض لا تعرف ما الذي يمرُّ فوقها. ثم ضربة العمود على الساق الخلفية للتنِّين — ضربةٌ ثقيلة بحجم القوَّة التي لا تعرف قياس ما تضرب.
التنِّين انزلق إلى نهر القصر.
في المبيت، حين عاد التنِّين إلى شكل الفرس وجسمه يُخفي ما فيه من ألم، نام على جانبه في العلف. الساق تؤلم. الهواء البارد يُعقِّد الألم.
حين استيقظ باجي وجده.
كان باجي قد استيقظ من نومه في الأعشاب قبل منتصف الليل بقليل. استيقظ بطريقة من يعرف أنه نام وقت يجب ألا ينام فيه. عاد إلى المبيت ووجد الفرس — مبلَّل الجسد، في ساقه الخلفية أثرٌ داكن.
"ماذا حدث بك؟"
الفرس رفع رأسه. ثم فتح فمه.
"أنتَ تتكلَّم؟"
"يا أخ باجي." صوتٌ لم يخرج من هذا الفم من قبل. "أنا أتكلَّم لأن لا وقت غير ذلك."
حكى التنِّين كل شيء: الرجل الجميل الذي هو المارد، وسانزانغ في صورة النمر داخل القفص الحديدي، وشا وو جينغ في الكهف. وحكى عن المعركة في الليل التي خسرها. والساق التي تؤلمه.
"ماذا تُريد منِّي؟"
"اذهب واطلب سون وكونغ."
الاسم وقع بطريقة الأسماء التي تحمل وزنًا أكبر من أصواتها.
"أنا وسون بيننا تاريخ." قال باجي.
"أعرف."
"قد لا يأتي."
"اجعله يأتي."
"وإن رفض؟"
الفرس لم يُجب. لكن نظرته كانت إجابة: إن رفض فلا أحد يعرف ما يحدث بعدها. وسانزانغ في قفصٍ حديدي على شكل نمر ينتظر ما لا ينتظره.
باجي حلَّق شرقًا مع الريح التي سلكت الطريق دون عوائق. جبل الزهور والفاكهة ليس بعيدًا للمن يطير — وليس قريبًا لمن يُفكِّر في ما سيقوله حين يصل.
وجد سون في أعلى الجبل يجلس على صخرته وأمامه صفوف القرود. مشهدٌ لم يرَه باجي من قبل — سون في عالمه الخاصِّ كملكٍ في بلاطه، لا الخادم المُتذمِّر الذي يعرفه على الطريق.
حاول أن يتسلَّل بين القرود ليُقدِّم نفسه على مهله.
لم ينجح. سون رآه من الأعلى.
"يدٌ غريبة في المجموعة. أحضروه."
أمام سون، بباجي الذي يُحاول أن يجعل وجهه يبدو على ما يرام، جرى الحوار الوحيد الممكن بينهما.
"لماذا أنت هنا؟"
"الشيخ يشتاق إليك."
كذبةٌ قيلت بثقة الاضطرار.
"الشيخ كتب رسالة الطرد بيده وأعطاها لي. الشيخ لا يشتاق."
"يشتاق. قال إنَّك وحدك من كان يسمعه في الحال ويجيب في الحال."
سون نظر إليه. باجي لا يُتقن الكذب لكنَّه يُتقن الإصرار. الفارق أحيانًا يسدُّ الثغرة.
"تعال انظر الجبل معي قبل الكلام."
مشيا في الجبل الذي أعاد سون بناءه خلال الأيام الماضية. باجي يرى الفاكهة على الأشجار الصغيرة والقرود التي تعمل ويسمع الصخب المألوف. شيءٌ في الجبل يجعل حتى باجي يبطئ.
"جبلٌ جميل."
"هو بيتي." قال سون. ثم: "لماذا أتركه؟"
"لأنَّ—" باجي توقَّف. "لأن الشيخ."
"الشيخ طردني."
"الناس يتراجعون."
"الذي كتب الطرد بيده لا يتراجع بسهولة."
لم يستطع باجي أن يُجادل أكثر. قال سون إنه لا يذهب. قال إنَّه وجد بيته. وودَّع باجي وأعطاه ظهره.
باجي نزل الجبل وفي صدره ثقلٌ من نوعٍ مختلف. الفرس ينتظر. شا وو جينغ في الكهف. والشيخ في قفص.
مشى خطوات. ثم التفت إلى الجبل وراءه وقال بصوتٍ تظنَّه السكون أنه يتكلَّم وحده: "هذا القرد اللعين. أدعوه بكلِّ لطفٍ ويُعطيني ظهره."
القرود الصغيرة التي أرسلها سون لتتبَّعه سمعت.
عادت وأبلغت.
وفي الجبل الذي يبدو هادئًا من بعيد، جرى ما يجري حين يغضب مَن لا يُظهر غضبه بوضوح: القرود انطلقت نحو باجي ووجدته وجلبته.
وباجي أمام سون مرَّةً أخرى — هذه المرَّة بلا خيار في الكلام.