موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل 3: أربعة بحار وألف جبل تركع خضوعاً، وعوالم الظلام تُمحى أسماؤها

يسطو سون وكونغ على قصر التنين ليحصل على العصا الذهبية، ثم ينزل إلى عالم الأموات ليمحو اسمه من سجلات الموت، ويستدعيه الإمبراطور الأعلى إلى السماء.

سون وكونغ العصا الذهبية ملك التنين عالم الأموات الإمبراطور الأعلى جبل الزهور والفاكهة

حين عاد ملك القرود منتصراً إلى ربوعه بعد أن أطاح بالشيطان المارد وانتزع منه سيفه الكبير، بدأ يُدرّب صغار القرود على فنون القتال. كانوا يقطعون القصب رماحاً، وينحتون الخشب سيوفاً، ويصنعون الرايات ويعلّونها على الأعواد، يتقدمون ويتراجعون، يقيمون المعسكرات ويهجمونها، وكان اللعب بهم يبلغ ذروته يوماً بعد يوم.

غير أن سون وكونغ جلس ذات لحظة في هدأة التأمل فخطر بباله أمر أقلقه، فقال لأتباعه: "إن استمر هذا الأمر في ازدياد، فسوف ينتبه إليه بشر، أو ربما يأتي ملك الطيور أو ملك الوحوش يدّعي أننا نثور على الجميع ويشنّ علينا حرباً. وأنتم لا تملكون سوى قصب وخشب، فكيف نتصدى لسيوف السماء؟ أخبروني، من أين نحصل على أسلحة حقيقية؟"

ارتعد القرود خوفاً، وهم يتساءلون كيف يبلغون مناه، حتى برز أربعة من كبار القرود — قردان ذوا عجيزتين حمراوتين، وقردان من أصحاب الظهور العريضة — وقالوا: "يا ملكنا، إن أردت السلاح فالأمر يسير. فعلى مسافة مئتي فرسخ شرقاً عبر البحر تقع مملكة أولاي الغنية، مزدحمةٌ بالرجال والجند والحدادين والنجارين. فلو ذهبت إلى هناك لوجدت السلاح وافراً."

أشرق وجه سون وكونغ بهجةً وقال: "انتظروني هنا، سأعود بما يُرضيكم."

طوى المسافة على سحابة دوامية في لحظة لا تزيد على ومضة عين، وما أن أطلّ على المدينة حتى رأى شوارعها وأسواقها المكتظة بالناس تحت ضياء الشمس. فقال في نفسه: "لماذا أشتري وأنا أملك من الخوارق ما يغنيني؟" فتمتم بالطلاسم ونفخ نفخة هائلة في اتجاه الريح، فانبثقت عاصفة مريعة تحجب الأبصار، تقصف الأشجار وتزلزل البيوت، وتجري فيها الرمال وتتساقط الصخور. فزع الملك إلى قصره، وأغلق التجار متاجرهم، ولاذ الجند بالمخازن، وخلت الشوارع من كل نفس.

عندئذٍ انزلق سون وكونغ خفيةً إلى مستودع الأسلحة فرأى كل ضروب السلاح: السيوف والرماح والحراب والفؤوس والسهام والأقواس وسواها بلا حصر. سُرّ سروراً عظيماً وقال: "لن تكفيني يداي الاثنتان لحمل هذا كله." فانتزع قبضةً من شعر جسده، مضغها في فمه وبصقها في الهواء قائلاً: "تحوّلي!" فإذا بمئات الصغار من أمثاله ينبثقون، يمشون ويحملون السلاح بنهم، كل حسب طاقته، حتى فرغ المستودع من آخره. ثم أخذهم السحاب وعادوا إلى جبل الزهور والفاكهة.

رأى قرود الجبل من بعيد موجة من الأشباح في عنان السماء، ففروا يتساءلون ما الذي ينزل عليهم. ثم هبط سون وكونغ مزهوّاً بأبهته، أعاد إليه شعره، ومدّ أمام القرود كنزاً من السلاح وصاح: "يا أصغاري، تعالوا خذوا ما يليق بكم!" واندفعوا يختارون بالنهم والفرح.

في اليوم التالي، أجرى سون وكونغ تعداداً شاملاً فبلغ عدد القرود سبعةً وأربعين ألفاً. وقد أوجس خيفةً يومئذٍ من الغابة المحيطة، فإذا بتسعة وسبعين وكراً من الوحوش والأرواح الشريرة — من الذئاب والنمور والأسود والأفيال والغيلان — تنضم إليه وتُعلن له الولاء، وتُقدّم له الجزية في كل موسم، وتأتمر بأمره في التدريب والحرب. وكان جبل الزهور والفاكهة يوماً بعد يوم يزداد مناعةً وبأساً كالقلعة الحصينة.

بينما كان سون وكونغ في ذروة غبطته، نظر إلى سيفه فلم يرقه وقال: "هذا السيف ثقيلٌ لا يستجيب لي. أما أنتم فأخبروني، هل أستطيع أن أشقّ الماء؟"

أجاب القرود الأربعة الكبار: "ليس في ذلك شك يا ملكنا، فقد أوتيت من الخوارق ما لا يُحدّ. فتحت هذا الجسر الحجري يجري نهر يصل بقاع المحيط الشرقي، فلو ذهبت إلى ملك التنين الكبير أووغوانغ وطلبت منه سلاحاً يليق بك، أما كان أجدر؟"

ابتهج سون وكونغ وقال: "انتظروني."

اندفع إلى الجسر، تلا رقيته، وغاص في الأعماق فانفلق الماء أمامه طريقاً، وسار حتى بلغ قاع البحر الشرقي. لقيه هناك حارس من العفاريت المائية فسأله باستغراب: "من أنت أيها القادم؟" قال سون وكونغ: "أنا سون وكونغ الحكيم المولود من الحجر في جبل الزهور والفاكهة، جار ملككم العتيد. كيف لا تعرفني؟" ففزع الحارس وانطلق إلى قصر الكريستال يُبشّر: "يا مولاي، هناك على الباب سون وكونغ الحكيم، يقول إنه جارك الأقرب ويريد الدخول!"

خرج ملك التنين أووغوانغ وأبناؤه وحاشيته من الروبيان والسرطانات يرحبون بالضيف ويدعونه إلى أرائك الكريستال، وقُدّم له الشاي. ثم سأله الملك عن غايته، فأجاب سون وكونغ: "لقد أتقنت الحكمة وامتلكت الخوارق، ولكنني في حاجة إلى سلاح يليق بمقامي لأتمم تدريب أبنائي. وقد سمعت أن جارنا السعيد يمتلك كنوزاً لا تُعدّ."

لم يجد الملك مناصاً من الضيافة، فأمر بإحضار سيف فولاذي ضخم، فرفضه سون وكونغ قائلاً: "لا أحسن السيف." ثم جاؤوا بشوكة من تسعة أذرع يحملها فرسان، فأخذها سون وكونغ وهزّها دورة أو دورتين ثم ردّها: "خفيفة، هذه خفيفة." ثم جاؤوا بحربة من سبعة آلاف ومئتي رطل، فمسكها سون وكونغ ورمى بها بضع حركات ثم قال: "ما زالت خفيفة!" ارتعد ملك التنين وقال: "لا يوجد في مملكتي ما هو أثقل من هذه." أجابه سون وكونغ بابتسامة: "قديماً قيل: لا تيأس من بحر التنين أن يُخفي كنزاً. ابحث جيداً."

في تلك اللحظة أسرّت ملكة التنين لزوجها: "يا مولاي، هناك في أعماق الخزانة تلك الحديدة المقدسة التي كانت تُثبّت قاع نهر السماء، وقد رأيناها هذه الأيام تشعّ بنور يملأ الخزانة. لعلها قُدّرت أن تلقى صاحبها اليوم." قال الملك: "تلك حديدةٌ استُعملت قديماً لضبط أعماق البحار في زمن يوه العظيم. لا أدري بم تنفع." قالت الملكة: "لا يهم، دعه يأخذها وليتصرف كما يشاء، المهم أن يخرج من بيتنا."

أخبر الملك سون وكونغ بأمرها، فقال: "أرِني إياها." قاده الملك إلى أعماق الخزانة، وبينما كانا يسيران رأيا نوراً ذهبياً يشعّ من ركن بعيد. أشار الملك وقال: "تلك هي." تقدّم سون وكونغ ومسّ بيده عموداً من الحديد بحجم قِصَرة الشجرة وطول قامتين متراكمتين أو يزيد. فأمسكه بيديه وقال: "إنه ضخم طويل، ليتقلّص بعضاً." فما أتمّ الكلام حتى تقلّص العمود بضعة أذرع ودقّ قليلاً. قال: "ليزداد دقّةً." فازداد دقّةً فعلاً. ثم قلّب سون وكونغ الكنز في يده فرأى طرفيه يتلألآن بذهب ووسطه من حديد أسود، ومنقوش عليه بخط يُقرأ: "العصا الذهبية السحرية، وزنها ثلاثة عشر ألفاً وخمسمئة رطل."

انتعش قلبه وقال في نفسه: "هذه الكنز يُطيع أوامري." فكلّمها وهو يمشي قائلاً: "تقلّصي أكثر." فصارت طول قامتين وعرض قبضة اليد. خرج بها إلى قاعة الكريستال، فمجّسها ورمى بها أمام الملك حركات خاطفة ومذهلة حتى ارتجف ملك التنين وفزع أبناؤه وتمسّح السرطان والروبيان بالحيطان فزعاً.

ثم جلس سون وكونغ مرتاحاً وقال بلطف مصطنع: "شكراً جارنا الكريم." ثم أضاف: "لكن لديّ طلب أخير. هذه العصا الجميلة لا يليق بها صاحبها في هذا اللباس المتواضع. أليس عندك زيّ حرب يليق بي؟" احتجّ الملك وتعذّر فقال سون وكونغ باستقرار: "لن أبرح هذا الباب دون زيّ." فلم يجد الملك بدّاً من أن يدقّ الجرس الذهبي لاستدعاء ملوك البحار الثلاثة الآخرين.

جاء ملوك البحار الجنوبي والشمالي والغربي ومعهم هبات سخية: تاج من الذهب والريش، ودرع من الذهب المضفور، وخفّ سحابي من خيوط اللوتس. ارتدى سون وكونغ كلّ ذلك وأمسك عصاه وانطلق من قصر الكريستال وهو يقول بعدم اكتراث: "اكتفيتم!" أما ملوك التنانين فقد غصّوا بهذا المسلك ولجأوا على الفور إلى كتابة شكاوى يرفعونها إلى السماء.

عاد سون وكونغ شاقّاً الماء حتى ظهر عند الجسر الحجري وهو متألق بذهبه كأنه شمس أشرقت من البحر. ارتمى القرود على ركبهم يُهلّلون: "يا مولانا، يا رائع الجمال!" ثم حاولوا رفع العصا الذهبية فلم يتحرك أحدهم منها شيئاً، ومدّوا ألسنتهم ذهولاً. قال سون وكونغ: "لكل شيء صاحبه." ثم أظهر لهم فنوناً جديدة: نداها قائلاً: "صغري!" فصارت كإبرة الخياط وغاصت في أذنه. وعندما أخرجها نادى: "كبري! كبري! كبري!" فصارت كالبرج في ضخامتها حتى بلغت السماء الثلاثة والثلاثين من فوق وأعماق الأرض الثماني عشرة من تحت. رعبت الوحوش وفرّت السبعة والسبعون وكراً تتلمّس طريقها خوفاً.

ثم أعاد العصا إلى أذنه وعاد إلى وكر قرودهم، وجاء الجميع يهنئونه ويحتفلون. وأقام وليمةً فاخرة ورقص وغنّى، ثم رقّى القرود الأربعة الكبار إلى رتبة القادة وأسند إليهم شؤون الجيش والحراسة.

ومنذ ذلك الحين راح سون وكونغ يجوب الآفاق على سحابته، يزور البحار والجبال ويصادق الأبطال ويتعلم الفنون. وفي تلك الرحلات التقى بستة من الكبار صاروا إخوته بالتبنّي: ملك الثور ووحش الخليج وملك الأبناء وملك الأسود والقرد العجيب وملك الطيور. كانوا يجتمعون كل يوم للحديث والنبيذ والموسيقى والرقص.

وفي ليلة بعد احتفال كبير أقامه لإخوته السبعة، اتكأ سون وكونغ على ظل الصنوبر عند الجسر وغفا. وفي نومه رأى رجلين يمسكان ورقة كُتب عليها اسمه، وقبل أن يفهم ما يجري كانا قد أوثقاه بحبل وجرّا روحه إلى سور مدينة كبيرة. رفع رأسه فرأى لافتة من الحديد عليها ثلاثة أحرف: "عالم الأموات."

صحا سون وكونغ فهماً فصاح: "هذا ليس حقي! أنا تجاوزت الكون الثلاثي ولا تحكمني قوانين الدنيا والآخرة. لماذا تستدعيانني؟" ردّا: "اسمك في سجل الموت، فجئنا لأخذك." انتفض سون وكونغ غضباً وأخرج عصاه ودوّحها حتى صارت عرض وعاء الطعام، وكسر بها الرجلين وأطاحهما. فانتشر الخبر في أرجاء عالم الأموات ففرّ رؤساء البقر والخيل والأشباح إلى كل اتجاه، وعرضوا على ملوك النار العشرة احترامهم المرتجف. جاء الملوك العشرة يصطفّون يتودّدون إليه ويسألونه اسمه. فأجاب: "أنا سون وكونغ من جبل الزهور والفاكهة. ائتوني بسجلات الأرواح فوراً وإلا كسرت هذا القصر."

جُلبت السجلات وفتشها سون وكونغ بنفسه حتى وجد اسمه في سجل القرود تحت الرقم ألف وثلاثمئة وخمسين: "قرد صخري من الطبيعة، عمره ثلاثمئة واثنان وأربعون عاماً، يموت موتاً طبيعياً." فأمسك القلم ومحا كل ما كُتب في صفحة القرود ورمى السجل وقال: "هكذا! لن تحكموا علينا بعد اليوم." ثم انسحب ضارباً بعصاه.

استيقظ في الصباح وهو يتعثّر فانتبه من نومه، فإذا بالقرود الأربعة يهتفون: "يا مولانا، أفقت أخيراً؟" أخبرهم بما جرى، فسجدوا شاكرين. ومنذ ذلك الحين كثر في القرود من لا يعرف الموت، إذ لم يعد في سجلات الظلام لها أسماء.

أما في السماء العليا فقد قدّم ملك التنين شكواه إلى الإمبراطور الأعلى يصف ما فعله سون وكونغ وكيف أخذ العصا والزيّ قسراً. وجاء بعده ملوك الظلام يشكون محو السجلات وضرب حراسهم. فأرسل الإمبراطور طلب الاستشارة إلى وزرائه فبرز نجم تايباي الذهبي قائلاً: "مولاي، كل ذي تسعة فتحات في جسده قادر على اكتساب الخلود. فهذا القرد وُلد من قلب الأرض والسماء. إن أردت حلاً دون إراقة دماء، فأصدر مرسوماً تستدعيه إلى السماء وتمنحه منصباً ما. فإن قبل سكن هنا تحت إشرافنا، وإن رفض فقبضنا عليه."

استحسن الإمبراطور الرأي وأصدر المرسوم. انطلق تايباي إلى جبل الزهور والفاكهة وأعلن: "أنا رسول السماء، حامل مرسوم الإمبراطور الأعلى، أدعو سون وكونغ إلى العلا لينال مكانته بين الخالدين."

سمع سون وكونغ فرحاً وقال: "كنت أنوي زيارة السماء منذ أمد!" فأمر قرودَه بالاستعداد الحسن وقال لهم: "ابقوا وتدرّبوا، سأذهب لألقي نظرة وأعود." ثم انطلق مع تايباي نحو العلا.

رفعت السحابة سون وكونغ ورسول السماء معاً حتى اختفيا في الأفق المتلألئ، وأمام الجبل بقيت قرود تتطلع إليهما وتتساءل ما الذي تخبّئه السماء لملكها.