موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل التاسع والعشرون: النجاة من الكهف والوصول إلى مملكة الصورة الثمينة وباجي يعود إلى الغابة بأمرٍ ملكي

يُنقذ سانزانغ من كهف المارد بمساعدة الأميرة المسجونة التي تكتب رسالة لأبيها ملك مملكة الصورة الثمينة، وباجي وشا وو جينغ يُحاربان المارد مرَّةً أخرى

سون وكونغ سانزانغ باجي شا وو جينغ المارد ذو الرداء الأصفر مملكة الصورة الثمينة الفصل التاسع والعشرون

الكهف لا يُشبه أيَّ مكانٍ قابله سانزانغ على الطريق.

ليس لأنه مُخيف — هو مُخيف فعلًا — لكنَّ الأماكن المُخيفة تعترف بنفسها: الأوكار الداكنة والمغارات النتنة والأماكن التي لا يدخلها ضوء. هذا الكهف يُؤثِّث نفسه كما يُؤثِّث القصر نفسه: أعمدة من الصخر المصقول تعكس النيران، ونيران في تجاويف مُحفورة بعنايةٍ تُنير لا تُدفئ، وشيء يُشبه النظام في كل زاوية كأن صاحبه يُؤمن بالنظام. الأعمدة التي تربطها السلاسل ليست للزينة — هي للأسرى الذين مرُّوا من هنا قبله. والوتد الذي ربطوه به في وسط الغرفة ليس كُرسيًّا بل محطَّة للانتظار: انتظار ما سيحدث.

كانوا يُحاربون في الخارج — يسمع الأصوات التي تُخترق جدران الصخر وتصله مُكتَّمةً ومُغيَّرةً لكنَّها تحمل معناها: ضرباتٌ ثقيلة وأصواتٌ تُشير إلى تبادلٍ لم يُحسم ولم يُوقف. باجي وشا وو جينغ — يعرف إيقاع كلٍّ منهما حتى من خلف الصخر. لكنَّ سون غائبٌ وهو يعرف ثقله في المعركة — بدونه الميزان يُعيد حساب نفسه.

عدَّ خرزاته ببطء حتى اكتشف أنها ليست معه. أُسقطت في الغابة الداكنة. هذا كان أكثر ما أحزنه — ليس الوتد ولا الكهف، بل الخرزات التي معها يُصلِّي ومعها يُفكِّر ومعها يُحسُّ أنه لم يُقطع عن المكان الذي جاء منه.


كانت المرأة تخرج من الجانب الأيمن للكهف ببطء — كأنها تعرف أن الظهور المفاجئ يُخيف — وتنظر إليه بعيون فيها شيء لا ينتمي إلى هذا المكان. لا خوف — أو خوفٌ تعوَّدت عليه حتى صار جزءًا من وجهها لا يُميَّز. لكنَّ شيئًا آخر: تقديرٌ، وحذر، وقرارٌ لم يُتَّخذ بعد لكنَّه على وشك.

"أنت لستَ من هذا المكان."

"لا." قال سانزانغ. "أنا راهبٌ من تانغ الكبرى أسير إلى الغرب."

"وكيف وصلتَ إلى هنا؟"

"وصلتُ إلى الغابة الداكنة وحدثَ شيء لا أستطيع وصفه. ثم وجدتُ نفسي هنا."

صمتت لحظة. ثم: "أنا هنا منذ ثلاثة عشر عامًا. في الثالث عشر من الشهر الثامن، كنتُ في قصر أبي أتأمَّل القمر في ليلة احتفالٍ عائلية — ثم ريحٌ ذهبية وهذا الكهف."

"من أنتِ؟"

"بنت الملك. الأميرة الثالثة لمملكة الصورة الثمينة. اسمي بي هوا شيو." توقَّفت. "اسمٌ لم يُناده أحدٌ منذ وقت طويل."


حكت بصوتٍ خافتٍ يعرف متى يتوقَّف ومتى يُكمل. ثلاثة عشر عامًا مع المارد ذي الرداء الأصفر — مارد يُحكم أوراقه كما يُحكم الرجال الأقوياء أوراقهم: لا بالوحشية الدائمة بل بالقدرة على الوحشية حين يختار. أنجبت منه، وهذا الذي أراده وأخذه. ولم يُصدر لها حكمًا لكنَّها تعرف أن الأسيرة التي تُطيع لا تكون أقلَّ أسيرة — تكون فقط أطول عمرًا.

"لماذا تُخبرينني بهذا؟" قال سانزانغ.

"لأنَّك أوَّل إنسانٍ يمرُّ بهذا الكهف منذ سنوات. وأوَّل من أستطيع أن أعطيه شيئًا." توقَّفت. "أستطيع أن أُنقذك. وتستطيع أن تُنقذني."

"كيف؟"

"أنا أُقنع المارد بأن يُطلق سراحك. وأنتَ تحمل رسالةً إلى أبي. إن وصل كلامي إليه — إن عرف أنَّني حيَّة — ربَّما أرسل مَن يستطيع ما لا أستطيع."


كتبت الرسالة بخطٍّ لم تتركه يتراجع — خطُّ من اعتاد الكتابة ثم قرَّر ألا يُضيِّع هذه المهارة في الكهف. أخبرت فيها ما يكفي ولم تُفصِّل ما يُثقل. اسم المارد واسم الكهف وعدد السنين وكلمتان من أيام الطفولة لا يعرفها غير أبيها.

أعطته الرسالة محكومةً في قطعة قماش.

"اذهب من الباب الخلفي. من الباب الأمامي ستُوقفك الأرواح الصغيرة قبل أن تصل إلى أيٍّ يسمعك. الباب الخلفي يخرج على منحدر يُفضي إلى طريق." ثم: "لكن انتظر حتى أُهيِّئ الأمر."

مضت إلى الأمام حيث الأصوات. سمع صوتها يُنادي المارد — "يا زوجي" — بصوتٍ فيه نبرة لا يُمكن تزييفها تمامًا حتى من أتقنت التزييف. حكت له حلمًا رأته — نذرٌ قديمٌ أدَّته أمام آلهة القصر في صغرها، أن تُطعم راهبًا إن مرَّ بها. الحلم طالبها بالوفاء. هل يسمح لها بهذا؟

الصوت الذي ردَّ كان صوت مارد يُفكِّر في امرأةٍ لا يُريد أن يخسرها ثمَّ يتحوَّل إلى صوت من قرَّر: "الراهب في لا شيء. أطلقيه."


وصل سانزانغ إلى المنحدر خلف الكهف وجد فيه الهواء مختلفًا — هواءٌ لا تُغلق عليه جدران. مشى في اتِّجاهٍ واحد لم يتوقَّف لأنَّ التوقُّف يعني التفكير وهو لا يحتاج تفكيرًا الآن بل أقدامًا.

حين سمع صوت باجي — ذلك الصوت الذي يحمل ثقله الخاصَّ حتى حين يُهمهم — انتظر في الأشجار. جاء باجي وشا وو جينغ من جهة الباب الأمامي لكنَّهما يتراجعان بالشكل الذي يُشير إلى أن المعركة أخذت ما أرادت منهما لكنَّها لم تُنهِهما.

"يا شيخ." صوت شا وو جينغ خرج بين الأشجار.

"هنا." خرج سانزانغ.

وقف باجي وشا وو جينغ ينظران إليه. ثم نظرا إلى بعضهما. لا سؤال — السؤال يأتي لاحقًا.

"نمشي." قال سانزانغ.


ثلاثمائة لي تقريبًا في اتِّجاه الغرب أو ما يُشبهه — يسيرون حين يستطيعون ويجلسون حين تقول الأرجل ما تقوله. الفرس يُقدِّر الإيقاع بنفسه دون إرشاد. لا يتحدَّثون كثيرًا — المعركة لم تُحسم وهذا النوع من الكلام يستطيع الانتظار حتى يجد سامعه كاملًا. باجي يحكي بعض ما حدث في المعركة ليملأ الصمت الذي يجلس بينهم مثل راكب رابع لم يُدعَ لكنَّه موجود. سانزانغ يستمع ويُحرِّك الرسالة بين يديه من وقتٍ إلى وقت — رسالةٌ كتبتها يدٌ حُبست ثلاثة عشر عامًا وما نسيت كيف تكتب.

لمملكة الصورة الثمينة أبراج ظهرت قبل أن يصلوا إليها بساعة — مملكةٌ تبني أبراجها عاليةً لأنَّها في سهلٍ مكشوف يحتاج الارتفاع لا الحصون. دخلوها من البوابة الجنوبية دون أن يُوقفهم أحد — رهبانٌ مُسافرون مألوفون الشكل في مملكة تقع على طرق التجارة.


قصر الملك لم يكن يُفكِّر في رهبان ذلك اليوم.

سانزانغ وصل إلى المدخل الأمامي وأعلن نفسه بالطريقة التي تعلَّمها في طول الطريق: هادئًا واضح النيَّة ومُتيحًا للمدخل أن يقرِّر. المدخل أوصل الخبر. الخبر وصل إلى الملك.

الملك رجلٌ عجوز شاهد ابنته تُرفع من وليمة القمر ولم يجد لها أثرًا ثلاثة عشر عامًا. وجه الوقت عليه يُشبه وجه من يحمل ثقلًا لا يستطيع وضعه.

"تاجر؟ راهب؟ من أنت؟"

"راهبٌ من تانغ الكبرى أسير إلى الغرب لاستيراد الكتب المقدَّسة. وأحمل رسالةً من ابنتك."

الجملة الأخيرة وقعت كما يقع شيءٌ كان مُعلَّقًا في الهواء فترةً طويلة.


قرأ الكاتب الملكي الرسالة بصوتٍ واضح في القاعة التي لم يتنفَّس فيها أحد. الأميرة بي هوا شيو تُحيِّي أباها وتُخبره بمكانها وتُخبره بالكلمتَين اللتَين لا يعرفهما غير أبيها من أيَّام طفولتها. وتطلب منه أن يُرسل من يُنقذها.

الملك بكى. ليس بكاء الرجال الذين يُخفون — بكاءٌ طال انتظاره حتى صار مَن يبكيه لا يستطيع السيطرة على توقيته.

القاعة بكت معه — الوزراء والحرَّاس وكلُّ من فيها. الناس يحملون أحزان مُلوكهم كما يحملون أحزانهم — لأن الحزن في النهاية لا يعرف أن يبقى داخل حدوده.

"من يستطيع أن يُنقذها؟" سأل الملك وهو لا يزال يُجفِّف وجهه. "من بين رجالي؟"

صمتٌ. الرجال الذين يعرفون حدود قدرتهم يصمتون حين يُسألون عمَّا يتجاوزها. المارد ليس مشكلة جيش — المارد مشكلة من يعرف كيف يتعامل مع الماردين.

نظر سانزانغ. ثم تحدَّث ببطء عن تلميذَيه.


باجي جاء إلى القاعة مع شا وو جينغ حين طلبهما الملك. جاءا كما هما — ضخمان مختلفا الشكل عن كل ما رأته هذه القاعة من قبل. الوزراء تراجعوا قليلًا. الحرَّاس أحكموا قبضتهم على أسلحتهم ثم قرَّروا ألا يحكموها.

الملك هو من انتصب من كرسيِّه وسار نحو باجي.

"أنت تستطيع مواجهة مارد؟"

"يا صاحب الجلالة." باجي لم يتأدَّب على الطريقة التي يتأدَّب بها الناس في القصور — لكنَّه تأدَّب على طريقته: بصدقٍ غير مُصطنع. "وجهتُ ضربات لمن هو أقوى من هذا المارد ولم أسقط."

"لكنَّك لم تُحسم المعركة."

"المعركة تحتاج شروطها. حين أكون مُستعدًّا تكون النتيجة مختلفة."

الملك نظر إليه طويلًا. ثم أمر بجلب الخمر.


الكأس وُضعت أمام باجي مع كل الرسميَّات التي تُوضع بها الكؤوس أمام من يُرسلهم الملوك. باجي رفعها وأمسكها دون أن يشرب فورًا — نظر إلى سانزانغ في زاوية القاعة وهو يُصلِّي.

"يا شيخ. هذه الكأس أمر ملكيٌّ، لكنَّها لكَ أوَّلًا."

سانزانغ لم يُجب. عيناه مغلقتان.

"الشيخ لا يشرب." قال شا وو جينغ.

"إذن اشرب أنتَ."

شرب باجي. شرب شا وو جينغ. الملك نظر إليهما بشيء بين الرهبة والرجاء — رهبةٌ من الشكل، ورجاءٌ في القدرة.

باجي قام وقفز — جسمه الثقيل ينتصب في الهواء بطريقة تُعيد تعريف ما يستطيع الثقيل أن يفعله — وطار نحو الكهف. شا وو جينغ تبعه.


عند باب الكهف تنفَّسا لحظة. ثم باجي أخذ مذراته بكلتا يديه وضرب الباب بضربةٍ لا تسأل.

الصخر تشقَّق. الأرواح الصغيرة التي تحرس المدخل خرجت وأبلغت.

خرج المارد ذو الرداء الأصفر وبيده سيفه الصلب. وجهٌ لم يتوقَّع أن يرى ذلك الخنزير الذي أطلق سراحه مرَّةً هنا مرَّةً أخرى. غضبٌ حقيقي — ليس التمثيل الذي تفعله الماردة التي تُعاقب — بل غضبُ من أهين باستهتاره.

"عُدتَ؟"

"عُدنا." قال باجي. "وهذه المرَّة بأمرٍ ملكيٍّ من أبي زوجتك."

هذه الجملة أوجعت — ليس لأنَّها أخبرت المارد بشيء لا يعرفه، بل لأنَّها ذكَّرته بشيء لم يُفكِّر فيه كثيرًا: أنَّ الأميرة لها أصلٌ، ولها ناسٌ، ولها أبٌ — والأباء لا يتركون.

الضربة جاءت. المذراة ردَّت. المعركة انفتحت مرَّةً أخرى — لكنَّ هذه المرَّة الحرَّاس السماويُّون يُغطُّون سانزانغ في قصر الملك لا في هذا الكهف، وهذا يُغيِّر موازين ما يُمكن لباجي وشا وو جينغ أن يفعلاه.

المعركة طالت. المارد أقوى مما كان في اللقاء الأوَّل — أو باجي أضعف مما كان. الضربات تُبادَل لكن الباب لا يُكسر.

باجي في لحظة نظر إلى شا وو جينغ ثم نظر إلى كثبان الشجر المحيطة. شا وو جينغ فهم النظرة: "لا."

"يا أخي، أحتاج—"

"لا تُخلِّني وحدي مع هذا."

لكنَّ باجي كان قد اختار. انتهز لحظة تراجع المارد وانزلق إلى داخل الأشجار الكثيفة — جسمٌ كبير يُحسن إخفاء نفسه حين يريد لأنَّه يعرف كيف يتوقَّف عن الحركة تمامًا.

شا وو جينغ بقي وحده أمام المارد.

المارد وثب. شا وو جينغ دافع. لكنَّ يدًا واحدة ليست يدَين. وثبة ثانية — وقبضة بحجم العجلة تُمسك بذراعه وتُجذبه. بعصاه في الهواء ولا أرض تحت قدميه.

الكهف ابتلعه.