الفصل الثامن والعشرون: قرود جبل الزهور والفاكهة يتجمَّعون وسانزانغ يقع في فخِّ غابة الصنوبر الداكنة
يعود سون إلى جبل الزهور والفاكهة المُحرَق ليجد قرودًا قليلين ويُقاتل الصيَّادين الذين يُؤذون جبله، وفي غيابه تواصل القافلة طريقها حتى يقع سانزانغ في فخِّ مارد غابة الصنوبر الداكنة
جبل الزهور والفاكهة لم يعد هو.
هذا كان أوَّل ما أحسَّه سون حين هبط عليه — ليس من عيونه التي لا تُخطئ، بل من شيء أعمق. مثل حين تعود إلى بيتٍ تعرف زاوياه عن ظهر قلب ثم تجد أن الزوايا نفسها لكنَّ الهواء داخله تغيَّر. الأحجار نفسها والأشجار الجديدة التي زرعتها الأمطار وكانت حين غادر أصغر من قدمه. الشلَّال الذي يُصدر صوتًا مُعيَّنًا لا يزال يُصدر الصوت نفسه. لكنَّ شيئًا غاب.
الحياة. الحجم.
حين صاح بطريقته القديمة — صيحةٌ تتردَّد من وادٍ إلى واديٍ ويعرف حجمها من كثافة الصدى — لم يأتِه الصدى بما اعتاده. صدىً خافتٌ من غابة فقدت كثافتها.
ثم خرج عليه من تحت صخرة واحدة ومن بين عشب قصير سبعة أو ثمانية قرود صغار — قرودٌ تعرَّفوا عليه بنظرة وجرت نحوه وتعلَّقوا بكتفَيه وبذراعَيه.
"سيِّدنا الكبير. عدتَ."
حكوا. حكوا بأصوات مُتقطِّعة تتداخل فيها ذاكرة من عاشوا مع ذاكرة من رووا عمَّن لم يعودوا — الحريق الذي أشعله جيش إينر شنغ ومن معه حين أُمر بالقبض عليه: حريقٌ لم يُشعل في الغابة فقط بل في الكهوف أيضًا، والكهوف التي ظنَّ القرود أنها مخبؤهم صارت أفرانهم. القرود الذين ماتوا وهم يُدافعون عن المداخل بأجسادهم الصغيرة في مواجهة جنود السماء. القرود الذين فرُّوا بأرواحهم وتفرَّقوا في الجبال المحيطة وما عاد أحدٌ منهم. ثم الصيَّادون الذين يأتون من المدن حين يعرفون أن الجبل لا حارس له — يصطادون بالشِّباك والقوَّاس والكلاب، يأخذون ما يأخذونه ويتركون ما لا يستطيعون حمله مُكسَّرًا على الأرض.
"كم بقيتم؟"
"ألفٌ، يا سيِّدنا. ربَّما أقلُّ. لم نعدَّهم منذ فترة — لأن العدَّ يؤلم."
كانوا سبعةً وأربعين ألفًا.
جلس سون على صخرته القديمة أمام كهف الستارة المائية ونظر إلى الجبل الذي كان مكتظًّا بالحياة. الصخور التي لا أشجار تُضلِّلها الآن. الأرض التي لا أثر للبرتقال والخوخ والتفَّاح عليها — أُحرقت أو أُكلت أو لم تُزرع من جديد بعدد يكفي.
كان يعرف هذا الجبل من كلِّ صخرة وكلِّ منحنى. يعرف كيف تُغيِّر الأمطار الصيفية لون التربة على المنحدر الشرقي، ويعرف المكان الذي تتجمَّع فيه الخوخ الأولى في بداية الربيع قبل أن تُثمر الأشجار في سائر الجبل. عاش هنا قرونًا قبل أن يذهب إلى السماء — والجبل كان يتنفَّس معه تنفُّسًا واحدًا. الآن التنفُّس متقطِّع. مكانٌ يُحبُّه حين ينظر إليه ولا يُشبه ما يُحبُّه. هذا نوعٌ خاصٌّ من الألم لا اسم له في اللغات التي يعرفها.
قال: "سنبني من جديد."
قال أقدم القرود بصوتٍ يتأدَّب لكنَّه لا يُخفي الخوف: "لكنَّ الصيَّادين—"
"سأتولَّى الصيَّادين أنا."
في اليوم التالي جاء الصيَّادون. ألفٌ وأكثر على خيل وبكلاب وبأسلحة تستطيع إلحاق الأذى بما هو أكبر من قرود. صعدوا من الجنوب كما كانوا يصعدون دائمًا — لأن الجنوب هو الجانب الأقلُّ صخريَّةً والأيسر صعودًا. جاؤوا بثقة من اعتاد أن لا يُقاوَم، بضجيج قرع الطبول والصياح الذي يُخرج الفريسة من مخبئها قبل أن يصل السهم.
أعدَّ سون الصخور المتراكمة التي جمعها القرود في الأيام الماضية — كانوا يجمعون لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون ويستطيعون جمع الصخور. الآن الصخور لها استخدام.
انتظر حتى صعد الصيَّادون إلى المنتصف — إلى المكان الذي يضيق فيه الطريق بين جرفَين — ثم تحرَّك. لم يكشف نفسه. ملأ الريح بقصده وأطلقها.
أطلق ريحًا من صنعه — ريحٌ تحمل الصخور المتراكمة في مساراتٍ لا يُمكن للإنسان التنبُّؤ بها. الصخور تنزل على الصيَّادين من فوق ومن الجانبَين في وقتٍ واحد، كأن الجبل نفسه يلفظهم. الخيل تنفر وترمي فرسانها. الكلاب تتفرَّق وتعوي من ذعرٍ لا تفهم مصدره. الرجال الذين كانوا يُفكِّرون في صيدٍ سهل وجدوا أنفسهم في وسط فوضى جاءت من مكانٍ لا يُشير إليه شيء — لا يدٌ مرئية ولا عدوٌّ يُمكن مواجهته.
ألقوا أسلحتهم وجرَّوا. عادوا المرَّة اللاحقة بعدد أقلَّ وبحذر أكبر — وكان سون ينتظرهم بنفس الطريقة. ثم لم يعودوا بعد ذلك. الجبل الذي بدا لهم خاليًا فارغًا صار في أذهانهم مكانًا يُنكر الدخول.
في الوقت نفسه، مضت القافلة الثلاثية غربًا — سانزانغ فوق الفرس وباجي يفتح الطريق وشا وو جينغ يحمل الحقيبة. غياب سون ملموسٌ في طريقة تحرُّك المجموعة — لا أحد يُمسح الأفق من فوق، لا أحد ينزل من الغيوم بتحذير مُبكِّر. المسافة التي كانوا يقطعونها بثقة تقطع نفس القدر الآن بشيء يُشبه التردُّد — ليس جبنًا، بل وعيٌ بما يفتقده كل خطوة.
باجي يفتح الطريق بمذراته الثقيلة وجسده الكبير الذي لم يُصنع للتسلُّل بل للاقتحام، لكنَّه يُقدِّر المسافة بطريقة مختلفة عن سون — يرى ما أمامه لا ما فوقه. شا وو جينغ يتبع في صمت بعصاه وعيون تُسجِّل ما حولها دون تعليق. سانزانغ يُحرِّك شفتَيه بالسوترات.
تجاوزوا الهضبة البيضاء ودخلوا منطقة الصنوبر الداكن — غابةٌ كثيفة يضيق فيها الطريق ويُظلَّل من الأعلى بأشجار قديمة عمرها أطول من قرن. الضوء هنا يصل بالتنقيط لا بالتدفُّق، ويمسُّ الأرض بقع ذهبية صغيرة تتحرَّك مع الريح. الأصوات مُكتَّمة — الغابة تمتصُّ الأصوات وتُعيد توزيعها بطريقتها الخاصَّة حتى لا تعود تعرف من أين جاءت.
قال سانزانغ: "يا باجي، أنا جائع."
"يا شيخ، في هذه الغابة ليس هناك قرى. لكنَّني سأذهب وأبحث غربًا — ربَّما هناك بيتٌ أو مزرعة."
نزل سانزانغ من الفرس وربط الفرس بشجرة. وضع شا وو جينغ الحقيبة جانبًا. باجي مضى غربًا بمذراته وصوت يُشير إلى أنه يأخذ مهمَّةً جديَّة.
الغابة الداكنة حين يمشي فيها وحيد ليست مجرَّد غابة.
جلس سانزانغ على جذعٍ قديم. أخرج خرزاته وبدأ يعدُّها بأصابع تعرف هذا الحركة من آلاف المرَّات. أصواتُ الغابة: طيرٌ بعيد، ريحٌ تمرُّ بين الأغصان العالية، وشيءٌ آخر — شيءٌ لا تُصنِّفه الأذن بسهولة لأنه لا يُشبه أيًّا مما سمعه من قبل.
قال شا وو جينغ: "يا شيخ، هل سمعتَ ذلك؟"
"سمعتُ."
"أذهب وأرى؟"
"لا. ابقَ قريبًا."
لكنَّ الصوت عاد مرَّةً ثانيةً — هذه المرَّة من اتِّجاهٍ مختلف. الغابة تُعيد توجيه الأصوات بطريقتها الخاصَّة.
قبل أن يُنهي سانزانغ عدَّ الخرزة، انتهى الضوء.
لم يُظلم الجوُّ — الضوء انقطع فجأةً كأن يدًا أطفأته. ثم صوتٌ ثقيل في الهواء — ليس صوت أقدام ولا صوت أجنحة بل صوتٌ يسبق الشيء نفسه، كما تسبق رائحة المطر المطرَ. ضغطٌ في الغابة كأن الأشجار نفسها انزاحت لتُفسح مجالًا لشيء أكبر منها. البقع الذهبية الصغيرة على الأرض اختفت.
سانزانغ لم يرفع رأسه. يداه على الخرزات لكنَّ الخرزات توقَّفت.
ثم لا سانزانغ. لا صوت. لا حركة. فقط الشجر يهمهم في الريح كأنه لم يرَ شيئًا.
شا وو جينغ بحث بعصاه في الاتِّجاهات الأربعة. بحث بصوته: "يا شيخ، يا شيخ." صوته يخرج في الغابة ويُبلعه الصنوبر. لا جواب — ليس حتى صدى. ثم رأى على الأرض خرزتَين متفرِّقتَين، وعلى مسافة قصيرة منهما ثلاثًا أخرى — خرزٌ سانزانغ الذي لا يتركه عادةً لأنه يعدُّه مع كل صلاة.
عاد باجي من الغرب بلا شيء — "ليس هناك قرى، يا شا. ما رأيتُ أثرًا لإنسان." صوته كان فيه شيء يُريد أن يكون خفيفًا. ثم رأى وجه شا وو جينغ ورأى الخرزات على الأرض.
"ماذا حدث؟"
"اختفى."
"كيف اختفى؟"
"لا أعرف. كان هنا وكنتُ أنظر إليه وحين عدتُ بصري لم يكن." توقَّف شا وو جينغ. "لا أرى أثر قتال. لا دم ولا كسر. كأنه رُفع."
وقف باجي. الغابة حوله تبدو الآن مختلفةً عمَّا بدت حين دخلها — أعمق وأكثر حضورًا، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ دخلوا. خيوط الضوء التي رآها لم تعد تصل إلى الأرض.
"يجب أن نجد سون."
"كيف نجده؟ لا نعرف أين هو."
"كوان يين تعرف أين هو."
"وكيف نصل إلى كوان يين؟ حتى لو وصلنا — الشيخ في يد مارد الآن. كلُّ دقيقة نقضيها في البحث عن سون هي دقيقة الشيخ فيها وحده."
صمتٌ. الغابة لا تُجيب على هذا النوع من الأسئلة — الأسئلة التي لا إجابة لها إلا الخسارة في كل اتِّجاه.
قال شا وو جينغ ببطء: "قال لي سون قبل أن يرحل: إذا وقعتم في ورطة، اذكروا اسمه بصوتٍ عالٍ. المارد يعرف من هو سون وما فعله بأمثاله."
"الاسم لن يُساعدنا في إيجاد الشيخ الآن."
"لكنَّه قد يُعقِّد حسابات المارد. قد يجعله يتوقَّف قبل أن يتصرَّف."
أدرك باجي ما يقوله شا وو جينغ. صاح في الغابة الداكنة بأعلى صوته — صوتٌ يتميَّز دائمًا بكثافة لا علاقة لها بحجم الموقف: "أيُّها المارد، اعلم أن سون وكونغ سيسمع بهذا. اسمه وراءنا وأمامنا وهو قادم."
الغابة استقبلت الصوت وابتلعته كما تبتلع كلَّ شيء. لا جواب. لكنَّ شيئًا في النسيم تغيَّر — خفيفٌ ومؤقَّت كحسرة فكَّر بها شيطانٌ ثم رفضها، لكنَّه كان هناك.
في جبل الزهور والفاكهة، في منتصف الليل الهادئ الذي يُشبه الأليف — ليلٌ فيه صوت الشلَّال وصوت الحشرات البعيدة وصوت القرود الصغيرة وهي تتقلَّب في نومها — شعر سون بشيء.
ليس التعويذة — لم تُقرأ التعويذة. لو قُرئت لكان الألم معروف الشكل وقد اعتاده. لكنَّ شيئًا آخر. خيطٌ أرقُّ من الخيط الذي يربطه بالطوق، خيطٌ لا اسم له في شيء لا يُسمَّى — شيءٌ مثل قلقٍ لا مصدر له، مثل حين تستيقظ من نومٍ وتعرف أن شيئًا حدث لكنَّك لا تزال تبحث عن الشيء.
نظر غربًا. الليل يُخفي المسافة لكنَّه لا يُخفي الاتِّجاه. الغرب كان هناك كما هو دائمًا — صبورًا وبعيدًا وينتظر.
"يا سيِّدنا؟" قال أحد القرود الصغار الذي استيقظ ورآه واقفًا.
"لا شيء." قال سون. ثم توقَّف: "نعم، شيء."
قام من مكانه ونظر غربًا لفترة. الخيط الأرقُّ يُشير. ليس بصوت ولا بصورة — يُشير فقط كما يُشير ألمٌ في جسم سبق أن عُولج وتركت العلَّة أثرها فيه. كان يعرف سانزانغ من سنة كاملة على الطريق — ويعرف كيف يُميِّز ثقله في الغيب عن ثقل الأشياء الأخرى.
"استمرُّوا في البناء. أنا أعود."
"إلى أين؟"
"إلى الغرب." ثم قبل أن يقفز: "العبودية التي لا تعرف مصدرها أشدُّ من العبودية التي تعرفه. اعملوا."
وقفز في الليل نحو الغرب — حيث الخيط الأرقُّ يُشير، وحيث شيخٌ لا يستطيع حماية نفسه يحتاج من يستطيع.