موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل الثالث والعشرون: سانزانغ لا يُغيِّر قلبه والقدِّيسون الأربعة يختبرون الإرادة

تظهر أرملةٌ ثريَّة وبناتها الثلاث في الطريق وتعرض على الحجَّاج الزواج والاستقرار، فيرفض سانزانغ وسون وشا وو جينغ، ويُغري باجي بالبقاء فيُمتحَن ويُعاقَب، ثم يتَّضح أن الأرملة والبنات كنَّ أربعة قدِّيسين في صورة نساء يختبرون الإرادة

سون وكونغ سانزانغ باجي شا وو جينغ القدِّيسون الأربعة اختبار الإرادة الفصل الثالث والعشرون

لم تُطِل الأرض الغربية ترحيبها بالقافلة الجديدة الاكتمال. طريقٌ ضيِّق بين هضابٍ صفراء، والخريف يُخلِّف أثره في كل مكان: أوراقٌ تتساقط من أشجار ما كانت لتُسمَّى أشجارًا لو لم يُبقِ الخريف على هياكلها العارية. هجرةٌ لطيور لا تعود. رياحٌ تقول: المسافة لم تنتهِ.

سانزانغ على ظهر الفرس الأبيض في صمته المعتاد — ليس صمت الفارغ، بل صمت من يحمل في داخله نصوصًا بلا عدد ويُطالع الطريق كمن يقرأ صفحةً جديدة كل يوم. باجي خلفه يشكو من ثقل الحقيبة بصوت يعلو ثم يهبط حسب درجة التعب والنسيان وعودة التعب. شا وو جينغ يسير في الخلف بخطوات متساوية منتبهةٍ، كائنٌ يتعلَّم كيف يقيس الأرض بدلًا من الماء — لا يزال في أوَّل هذا التعلُّم. وسون فوقهم جميعًا يمسح الأفق بعيون لا تثق بما لا تفحص.

قال باجي في منتصف الطريق بلهجة من يُجري محاكمةً عادلة: "الجبال وراء نهر الرمال طويلة، والجبال أمام نهر الرمال أطول. ما الفرق بين أن تمشي وبين أن تمشي؟"

قال سون: "الفرق أن أحدهما يُقرِّبك والآخر لا."

"هذا بالضبط ما أقوله."

"لا، أنت تشكو. وهناك فرقٌ بين الشكوى والفلسفة."

باجي انتفخ ومشى بصمت لدقائق. ثم استأنف الشكوى.


حين غابت الشمس بسرعة أكثر مما ينبغي، كان سانزانغ قد بدأ يبحث بعيونه عن مكان للمبيت. الطريق المفتوحة لا تُخبئ مخبأً — فضاءٌ مكشوف من كل الجهات وريحٌ تبدو أبرد مما ينبغي لليل الخريف.

ثم رأى سون من فوق ما لم يتوقَّعه: بيتٌ في منتصف الأرض المكشوفة، محاطٌ بأشجار صنوبر كأنها نبتت بترتيب لا يُصدَّق. بابٌ موصود. نوافذ بضوء داخلها. لم يكن هناك بيتٌ قبل لحظات.

نزل سون. قال لسانزانغ بصوت خافت: "شيءٌ ما في هذا البيت غير عادي."

"كيف؟"

"الغيوم فوقه ذات لون." توقَّف. "لكنَّني لن أُخبِر ما لا أعرفه بعد."

دفع باجي الباب بدلًا من أن يُلاحظ. خرجت منه امرأةٌ في الأربعين — جيِّدة اللباس، بوجه لم يكن جميلًا بقدر ما كان صادقًا، بعيون تُطالع الضيوف كمن تُقدِّر ما يحتاجه كل واحد قبل أن يتكلَّم.

قالت: "من أنتم، أيُّها الرهبان؟ من أين تأتون في هذه الساعة؟"

قال سانزانغ: "من بلاد التانغ بعثنا الإمبراطور إلى الغرب لنجلب نصوصًا مقدَّسة. الطريق بعيد والليل نزل. هل تُتيحون لنا المبيت ليلةً واحدة؟"

أومأت المرأة وفتحت الباب على اتِّساعه.


كانت الغرفة الكبيرة أكثر اتِّساعًا مما أشار إليه خارج البيت — سجَّادةٌ كثيفة حمراء تمتدُّ من الباب إلى آخر الجدار، وأعمدةٌ منقوشة بأنماط لا تنتمي إلى يدٍ واحدة ولا إلى حقبة واحدة، ومجمرةٌ في المنتصف تُحرق عودًا ذا رائحة لم يتعرَّف عليها أيٌّ منهم — رائحةٌ تجعل الهواء في الغرفة أثقل بدرجة واحدة، أدفأ بدرجة. جلسوا. أُتي بالشاي وبالفاكهة وبما يُعدُّ طعامًا في تلك الأرض — كلُّ شيء في مكانه الصحيح، لا يُقدَّم بعجلة ولا يُقدَّم بتأخير.

قالت المرأة حين استقرَّ الجميع، بصوت هادئ لا يُحاول الإقناع بل يُقرِّر: "أنا أرملةٌ منذ ثلاث سنوات. زوجي كان صاحب هذه الأرض — ألف قيراط من الحقول وبساتين الفاكهة ومئة رأس من الماشية ومخازن مليئة لثمان سنوات. كان رجلًا طيِّبًا لم يترك دَينًا لأحد. لم يُخلِّف لي ذرِّيَّةً ذكورًا. لديَّ ثلاث بنات فقط — وهذه الأرض التي تحتاج من يرعاها يُوجد فيها من يستحقُّها. أريد أن أجد لهنَّ أزواجًا، أو أجد لنفسي أبناءً بالتبنِّي من الرجال الذين يمرُّون بهذه الطريق. أنتم أربعة. نحن أربعة. هل هذا مجرَّد صدفة؟"

سانزانغ رفع رأسه. نظر إليها. ثم غضَّ الطرف.

لم يتكلَّم.

قالت المرأة: "ألا تسمع؟"

لم يُجب.

صاح باجي بصوت خافت: "يا شيخ، الست تسمعها تُكلِّمك؟"

ارتفع صوت سانزانغ فجأةً: "اصمت." قالها لباجي بلهجة نادرًا ما يستخدمها. ثم عاد إلى صمته.


قالت المرأة بصبر من لا يتعجَّل: "ألديكم مانع؟ عندنا ما يكفي للعيش في رغد حتى نهاية الأعمار. الحقول، والمخازن، والبيت الواسع. أنتم تمشون نحو الغرب بلا ما يضمن أن تصلوا. هنا الضمان."

قال سانزانغ أخيرًا، بصوت هادئ جدًّا: "يا مضيفة، لقد أخذتِ الدنيا كثيرًا ممن أحببتِهم. هذا يُوجع. لكنَّ الطريق الذي نسلكه ليس من الأشياء التي يُتركُ للرغبة. نحن لا نذهب لأنَّنا نُريد الذهاب، نذهب لأن الذهاب واجبٌ لا يُؤجَّل."

"وهؤلاء الثلاثة معك؟"

"هم اختاروا."

نظرت إلى سون. سون كان ينظر إلى السقف كأنه لا يسمع. نظرت إلى شا وو جينغ. شا وو جينغ خفض عينَيه. نظرت إلى باجي.

وباجي كان ينظر إليها بعيونٍ لم تُحاول إخفاء شيئًا.


في تلك اللحظة خرجت ثلاث فتيات من وراء ستارة مطرَّزة بأزهار رمادية — الكبرى بعيون واسعة تحمل شيئًا من وقار أمِّها، والوسطى بحركة خفيفة كأنها تتحرَّك على الماء لا على الأرض، والصغرى بصمت من لا تزال تتعلَّم كيف تكون. كلُّ واحدة منهنَّ في سنٍّ مختلفة وبملابس مختلفة لكنَّ بين الثلاثة شيئًا مشتركًا يصعب تسميته — شيءٌ يجعلهنَّ يبدون كوجوه مختلفة لشيء واحد. خطون ببطء وقفن في منتصف الغرفة كمن يعرفن تمامًا ما يفعلن.

أمسك سون بطاقية الرأس وحوَّل وجهه — لم يكن الأمر خجلًا، كان إشارةً لنفسه بأن هذا المشهد يحتاج مسافةً بينه وبينه. أدار شا وو جينغ ظهره بشكل أبطأ ولكن بنفس الحسم. أغمض سانزانغ عينَيه كأن الإغماض هو شكله من أشكال الصمت.

وباجي وسَّع عينَيه.

كان يُحاول ألَّا يبدو واضحًا جدًّا، لكنَّ الوضوح هو بالضبط ما يحدث حين تُحاول إخفاءه.


حين ذهبت المرأة والبنات إلى الداخل، جذب باجي سانزانغ من ثوبه وهمس: "يا شيخ، ألا تُفكِّر؟ نحن في أرض لا نعرف طولها. الطريق أمامنا أطول مما قطعنا. هذه المرأة لديها ما نحتاجه. ألا يُمكن أن يبقى واحدٌ منَّا هنا ويُريح الآخرين من حمل نصيبه؟"

قال سانزانغ: "من تقترح؟"

"لا أعرف. أيُّنا أقلُّ حاجةً للطريق؟"

قال سون: "أنت."

"أنا؟"

"أنت الذي سألت. السؤال يُجيب صاحبه."

قال باجي: "هذا ليس عدلًا. أنا حاملٌ للحقيبة، مشيتُ أكثركم، تعبتُ أكثركم. إذا كان أحدٌ يستحق الراحة فأنا."

قال سون: "من يستحق الراحة لا يبحث عنها عند النساء."


في الخارج، بعد الطعام، قال باجي للمرأة حين لمح أنها خرجت وحدها: "أنا موافق."

"على ماذا؟"

"على ما عرضتِه."

ابتسمت المرأة. ابتسامةٌ هادئة لا تكشف ما تُخفي. "لكنَّ إخوتك لم يوافقوا."

"إخوتي يقرِّرون لأنفسهم. وأنا أُقرِّر لنفسي. نحن رهبانٌ بالاختيار لا بالولادة."

"حسنًا." أدارت وجهها كأنها تتشاور مع شيء غير مرئيٍّ ثم عادت. "لكنَّ البنات الثلاث يُريدكَ أن تختار واحدةً منهنَّ. وهنَّ لن يقفن أمامك صراحةً — ستتعصَّب عيناك وتمدُّ يدك وتُمسك بمن تُلاقيك. القَدَر يختار، لا أنت."

"هذا لعبةٌ عادلة." قال باجي وكأنه لم يسمع جملة القَدَر.

أعطته ابتسامةً أخيرة — ابتسامةٌ فيها شيءٌ من الرحمة لا يُلاحظه. ثم أُحضر منديلٌ أبيض وعُصبت به عيناه.

وقف باجي في منتصف الغرفة، شدَّد قبضتَيه وتوقَّع أن يُمسك بأحد. مدَّ يده يمينًا — لم يمسك بأحد. أصوات خفيفة كأن أحدًا مرَّ. مدَّها يسارًا — لا أحد. هواءٌ فقط وأثرُ عطر يتلاشى. تقدَّم خطوتَين فوقع على ركبتَيه بارتطامة مؤلمة. تراجع خطوةً فضرب باب مفتوح بكتفه. دار في الغرفة يمينًا ويسارًا — الأصوات تأتي من كل الجهات، أو لا تأتي من أيٍّ منها. سمع ضحكاتٍ خفيفة في كل مكان لكنَّه لم يلمس أحدًا — كأن الغرفة اتَّسعت وضاقت في وقت واحد.

ثم أُتي له بثوب. قيل له: إن البنات نسجت كلٌّ واحدة منهنَّ ثوبًا. من يلبس ثوبها تزوَّجته. البس الثلاثة وانظر أيُّها يناسبك.

لبس باجي الثوب. وقبل أن يُتِمَّ إغلاق أزراره، سقط على الأرض — أحبالٌ أحكمت نفسها حول جسده من كل اتجاه. صاح. ثمَّ صاح ثانيةً. ثم فهم أن لا أحد سيُجيب.


في الصباح، صحا سانزانغ وسون وشا وو جينغ في غابة صنوبر مفتوحة. لا بيت. لا مرأة. لا بنات. لا بقايا طعام ولا أثر نار ولا صوت. غابةٌ تحت سماء فاتحة اللون كأن الليل لم يكن، وفي الهواء البارد شيءٌ يُخبر أن ما جرى كان حقيقيًّا — ليس حلمًا، بل درسًا قُدِّم بطريقة الحلم حتى يبقى راسخًا.

قال شا وو جينغ: "لقد ناشدنا الأرواح."

قال سون: "أو ناشدتنا."

قال سانزانغ: "أين باجي؟"

ثم سمعوا الصوت من بين الأشجار — صوتٌ يكسر الصمت الصباحي بشكوى مُحكمة: "أنقذوني. الحبال تقتلني. أنا لن أعود لهذا أبدًا. أنقذوني أوَّلًا وعاقبوني بعدها."

وجدوه مربوطًا بين ثلاثة جذوع بطريقة لا يُمكن لإنسان أن يصنعها وحده. سون فكَّ الحبال بعصاه بلا كلام. باجي وقف وطارد الدم في أطرافه.

وعلى أقرب شجرة علَّقت يدٌ غير مرئية ورقةً مكتوبًا عليها بثمانية أسطر. قرأها سانزانغ بصوت يتدحرج كالماء:

لم تكن تلك الأرملة من البشر. ولم تكن البنات بنات. كانت أُمُّ الجبل الغربي والقدِّيسة من البحر الجنوبي والحكيمَين الجليلَين — أربعةٌ في صورة نساء اختبروا من يحمل الإرادة الحقيقية ومن يحمل كلامها فقط. سانزانغ اجتاز الاختبار. وشا وو جينغ. وسون. أمَّا باجي فقد تعلَّم بطريقته الخاصَّة. والطريق لا يزال طويلًا فاحذروا أن تُثقِلوه بما لا يلزم.

صمت الجميع لحظة. ثم قال باجي: "هل كان يجب أن يكون هذا مكتوبًا؟"

قال سون: "يبدو أنه كان ضروريًّا."


انطلقوا غربًا. الصنوبر يتفرَّق ثم يُغلق ثم يتفرَّق من جديد كأن الغابة نفسها تقود الطريق. الشمس ما زالت منخفضة، والظلال طويلة تسير أمامهم بدلًا من أن تسير خلفهم.

باجي أعاد الحقيبة إلى كتفَيه بصمت يختلف عن صمت الأمس — ليس صمت الانتفاخ، بل صمت من مضغ درسًا ولم يتمكَّن بعد من ابتلاعه. بعد فترة قال: "لو أعلمت أنهنَّ قدِّيسات ما فعلتُ شيئًا." قال سون: "لو كنتَ تعرف لما كان الاختبار اختبارًا." لم يُجب باجي. مشى.

شا وو جينغ تعلَّم في هذا الصباح شيئًا لم يتعلَّمه في النهر: أن هذه القافلة لا تُختبَر بالمعارك فقط، بل في اللحظات الهادئة حين تبدو الإغراءات عروضًا معقولة. وأن الاختبارات لا تُعلن عن نفسها — هذا هو المقصود منها.

قال سانزانغ في منتصف الطريق بصوت لا يُلوم ولا يُبشِّر: "ما قرأناه على الشجرة — أجزاؤه لا تزال معكم جميعًا. الطريق لم ينتهِ."

لم يُجب أحد. لكنَّ الجواب كان في الخطوات المتساوية التي واصلوا بها السير غربًا، أربعتهم، بلا توقُّف، نحو ما لا يرونه بعد.