موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل 21: ملك الريح الصفراء وسون وكونغ يستنجد بالبوذيساتفا لينغجي

يعجز سون وكونغ عن هزيمة ملك الريح الصفراء بسبب ريحه الشيطانية، فيلجأ إلى البوذيساتفا لينغجي في جبل شوميي الصغير الذي يستعمل عصا التنين الطائر لأسر الملك.

سون وكونغ ملك الريح الصفراء لينغجي جبل الريح الصفراء تشو باجي تانغ سانزانغ

انكسرت فلول المقاتلين الخمسين التي بعثها ملك الريح الصفراء واندفعت إلى داخل الكهف تحمل رايات مكسورة وطبولاً مثقوبة، وقد مزّق وجوهها الهزيمة والرعب. وما وصلوا حتى صاحوا: "أيها الملك، قائدنا النمر سقط وجيشنا تفرّق وتشرّد!"

وكان ملك الريح الصفراء جالساً على سريره الصخري المصبوغ باللون الذهبي، والغضب يشتعل في عيون كعيون الوحش الكامن في الليل. أطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: "أيُّهم قتل قائدي؟"

قال أحد الجنود المنهزمين وهو يرتجف: "كان قرد ذو وجه أشعث وعيون كالجمر يمشي في جلد النمر، وكانت عصاه تدور كدولاب الطاحون. أما ذو الرأس الطويل فضرب القائد بمشعوبه حتى أسلم الروح."

تملّك الملكَ غيظٌ لا يُطاق، فوثب من سريره ونادى بدرعه ورمحه ذي الشُّعَب الثلاث، وارتدى خوذته الذهبية التي تعكس ضوء الشمس كمرآة مصقولة. ثم خرج من الكهف مطلاً على الوادي بصدر ملآن بالكبرياء.


أمام الكهف كان سون وكونغ واقفاً بعصاه منتظراً كمن لا يعرف الكسل، فلما رأى الملك خرج استقبله بصياح: "أيها المارد! أعِد أستاذي واخرج للمبارزة!"

نظر الملك إلى سون وكونغ نظرة فيها احتقار مبهج: "أنتَ الذي قتلتَ قائدي؟ ذاك الذي كان قيمةً ألف قرد مثلك؟"

قال سون وكونغ: "قائدك كان خدعةً وجبناً. أما أنت فلا أعرف عنك شيئاً بعد. هات رمحك."

وما التقيا حتى اشتعلت المعركة: ثلاثة أسنان حديدية في مواجهة عصا حديد خالص، ضربة تُجيب ضربة، وتحرّك يلغي تحرّكاً. كانا متكافئين في الجسد والحيلة، وقد دارا ثلاثين جولة دون أن يتقدّم أحدهما على الآخر.

ثم جاء ما لم يكن في الحسبان.

أدار الملك وجهه نحو الجهة الغربية، وفتح فمه ثلاث مرات متتالية، فانبعث من جوفه ريحٌ صفراء دوّامة ملأت الأفق حتى سدّت الشمس وأطفأت نورها. كانت ريحاً لا تُشبه ريح الدنيا: لا ريح الربيع الرقيقة، ولا ريح الصحراء الساخنة، ولا حتى ريح الشتاء العاصفة. كانت ريحاً لها وزن وذكاء وإرادة، وقد انقضّت على سون وكونغ كما ينقضّ العشرون ذئباً على وحيد.

التفّت الريح حول "أشباح العصا" التي كان سون وكونغ قد انشطر بها إلى مئة شبه حتى أدارتها في الهواء كنسيج يُدار على المغزل ولم تستطع أن تُمسك شيئاً. ثم عادت وانقضّت على سون وكونغ الأصل فضربت عيون ذهبيتيه الشهيرتين حتى أغلقتهما وأجرت دموعهما وأوجعت حبّتيهما وجعاً لم يألفه منذ أن منحه بوذا البصيرة الكاشفة.

أفلت سون وكونغ من قبضة الريح بشقّ النفس وتراجع إلى الوراء يتحسّس عينيه بيديه، والدموع تسيل رغم إرادته كما تسيل من طفل صغير. انسحب الملك إلى كهفه مكتفياً بما أنجز.


وجده تشو باجي جالساً على حجر كبير يفرك عينيه بغضب: "ماذا أصابك؟"

قال سون وكونغ وهو يمسح دمعةً بطرف كُمّه: "ريحه. ريح ثلاثة أفواه. أوجعت عيني وأسدلت الدموع."

قال تشو باجي بلهجة لا تخلو من متعة مكتومة: "أنتَ تبكي؟"

قال سون وكونغ بصوت حاد: "أنا أبكي من الألم لا من الخوف. الفرق واضح."

جلسا صامتَين ينظران إلى باب الكهف المغلق. ثم قال سون وكونغ: "يجب أن نجد مكاناً للبيت الليلة. الأستاذ في الداخل والمارد لن يُؤذيه الآن، وأنا أحتاج إلى علاج لعيني."

أمسك تشو باجي بزمام الجواد وانطلقا يبحثان في الوادي عن مأوى. وحين حلّ المساء وتحوّل الجبل الأصفر إلى ظلام موحش، رأيا ضوءاً بعيداً يتراقص في أسفل التلة. مضيا نحوه فوجدا مزرعة صغيرة يسكنها شيخ نحيل ذو لحية طويلة وعيون صغيرة متيقّظة.


استقبل الشيخ الرجلين بتحفّظ ثم رحّب حين عرف أنهما تلميذا الراهب التانغي. قدّم لهما الشاي وأطعمهما وبسط لهما الفراش.

قال سون وكونغ بعد أن شرب الشاي: "أيها الشيخ، أصابت عيني ريح ملك الريح الصفراء. هل في هذه الأرض طبيب أو دواء؟"

جحظت عيون الشيخ: "ريح ملك الريح الصفراء؟ وأنت حيٌّ تتكلّم؟"

قال سون وكونغ: "أنا لستُ من يموت بريح."

قال الشيخ وهو يهزّ رأسه بإعجاب حذر: "تلك ليست ريحاً عادية. اسمها ريح السماوات الثلاث، وهي تُظلم الكون وتُرعب الأرواح وتشقّ الصخر. من تصيب عيناه بها لا يفتحهما ثانية."

قال تشو باجي: "لكنه لا يزال يرى، وإن كانت دموعه كالوادي."

قال الشيخ: "عندي دواء توارثته عن حكيم قابلته في شبابي: مرهم زهرات التسعة ينبوع. يُعالج كل داء يُصيب العين من الريح والغبار."

فرح سون وكونغ وطلب الدواء. دخل الشيخ وعاد بقاروة صغيرة من العقيق فتح غطاءها وأخرج بدبّوس من اليشم قطرةً لا تكاد تُرى، فوضعها في عيني سون وكونغ. ثم قال: "لا تفتحهما. نَم وستجد النتيجة في الصباح."

ونام سون وكونغ جالساً على فراشه يُحرّك قوى الداخل، ولم يضع جنبيه على الأرض إلا بعد منتصف الليل.


في الصباح الباكر فتح سون وكونغ عينيه فرأى العالم أوضح مما كان قبل الريح، كأن الدواء قد جلا ما تراكم على البصيرة من غبار السنين. التفت ليشكر الشيخ فلم يجد داراً ولا أثر دار، بل وجد نفسه وتشو باجي نائمَين في عشب أخضر كثيف تحت أشجار سامقة، والجواد مربوطٌ إلى غصن قريب والحقائب تحت رأسيهما.

صاح تشو باجي مستيقظاً: "أين الدار؟"

وجد سون وكونغ ورقةً ملصوقة على جذع الشجرة القريبة. قرأها: "المقام لم يكن مقام البشر، بل مقام حراس الشريعة المعيّنين لحماية الراهب. دواؤنا شفى عيناك، فلا تتردّد في إخضاع الشياطين."

قال تشو باجي وهو يحكّ رأسه: "هؤلاء ملائكة الحراسة؟"

قال سون وكونغ: "منذ خرجنا من الصين والبوذيساتفا ترسلهم يتظاهرون بأنهم فلاحون وشيوخ وأعيان. يُطعموننا ويُعالجوننا ثم يختفون قبل أن أقدر على مقابلتهم وجهاً لوجه."

مضى الاثنان نحو كهف الريح الصفراء مرةً أخرى. وعند الطريق وجدا رجلاً عجوزاً يمشي وحده، بلحية بيضاء كالثلج ووجه وردي الخدّين كالأطفال رغم تجاعيده العميقة. سأله سون وكونغ بنبرة مباشرة: "أيها الشيخ، تعرف جبل شوميي الصغير؟"

قال العجوز بهدوء: "على بعد ثلاثة آلاف فرسخ جنوباً. وفيه دار تعليم البوذيساتفا لينغجي."

قال سون وكونغ: "وكيف أصل إليه؟"

أشار العجوز إلى درب ضيّق يتعرّج بين الصخور: "هذا هو الطريق."

التفت سون وكونغ ليقول كلمة شكر فلم يجد أحداً. وعلى الأرض حيث كان العجوز واقفاً، ورقة مكتوب فيها: "أيها القرد العظيم الشهير، الشيخ كان طائي جين شينغ. في جبل شوميي ستجد عصا التنين الطائر التي أعطاها بوذا للبوذيساتفا لينغجي لإخضاع ملك الريح الصفراء."

قرأ سون وكونغ الورقة بصوت عالٍ ثم ضحك ضحكة عميقة: "حتى نجمة الذهب الغربية تأتي لتُساعد."

قال تشو باجي: "إذاً أنتَ ذاهب؟"

قال سون وكونغ: "اثبت هنا. انظر الجواد والحقائب. لا تقرب باب الكهف وانتظرني." ثم قفز في الهواء وانطلق جنوباً كنقطة تمحوها المسافة في لحظة.


قطع سون وكونغ آلاف الفراسخ في وقت قصير لا يُقيسه إنسان عادي، وانحدر إلى جبل شوميي الصغير فوجده متوّجاً بسحب خضراء ودخان بخور يتصاعد من دار التعليم في منتصف التل. كانت أجراس التعبّد تُرنّ في الهواء وأصوات التلاوة تملأ الوديان.

وقف أمام الباب ونادى. خرج له مريد شاب يُدير مسبحته، فأعلمه سون وكونغ بهويّته وطلب مقابلة البوذيساتفا لينغجي.

دخل المريد وعاد يُبادر: "البوذيساتفا ينتظرك."

دخل سون وكونغ وأمامه قاعة مُضاءة بألف شمعة، وعلى كرسي وثير من الخيزران يجلس الكشيف لينغجي في ثوب رهباني أزرق موشّى بخيوط ذهبية، ووجهه هادئ كمسطح بحيرة في يوم لا ريح فيه.

انحنى سون وكونغ وقال: "يا بوذيساتفا، أستاذي تشيوان تسانغ في جبل الريح الصفراء أسيرٌ لدى ملك الريح الصفراء. قاتلتُه فما غلبته، وأصابت ريحه الثلاثية عيني. أستاذ أستاذي الراهب لم يُبلّغني بشأنك، لكن التاوتي الغربي طائي جين شينغ أرشدني إليك وذكر عصا التنين الطائر."

قال لينغجي بصوت رزين: "أعرف. ذلك الملك وهو من أصل الجرذ الداني من جبل الرعد العظيم، سرق يوماً زيت مصباح جوهرة الصفاء فمات المصباح وخاف عقاب الساهرين على الذهب فهرب وصنع لنفسه مملكة في ذلك الجبل. بوذا أرسلني منذ سنوات طويلة لإخضاعه وأعطاني دانةَ ريح الاستواء وعصا التنين الطائر. أسكتُه حين ذاك وسمحتُ له بالبقاء في الجبل على ألّا يُؤذي العابرين. يبدو أنه نسي عهده أو كسره."

نهض لينغجي من مجلسه وأمسك بعصا طويلة من الخشب المُحزوز كأنها منحوتة من جذر شجرة عمرها ألف سنة، ورفيعة كعمود رمح لكنها تثقل في اليد ثقلاً يُنبئ عن قوّة لا تُرى.

قال لينغجي: "لن تحتاج إليّ أنت. خذ العصا وادفعها نحوه حين يفتح فاه الثالث ليُطلق ريحه. العصا تعرف ما تفعل."


عاد سون وكونغ إلى جبل الريح الصفراء في وقت قياسي. وجد تشو باجي يجلس تحت شجرة يأكل من الحقائب شيئاً لم يُؤذن له به.

قال سون وكونغ: "ما الذي تأكله؟"

قال تشو باجي وهو يُخفي ما في يده: "كنتُ أتحقق من سلامة المؤن."

لم يرَ سون وكونغ ما يستحق التوقف عنده فأشار إلى باب الكهف: "تقدّم من ناحية الشرق. اصرخ في وجهه. أريده أن يخرج غاضباً."

ضرب سون وكونغ باب الكهف بعصاه ثلاث ضربات تُرجّ الصخر وتُوقظ الوادي ثم صاح بأعلى صوته. وفي الوقت ذاته انطلق تشو باجي من الجهة الأخرى يصرخ ويُهدّد.

فتح الباب وخرج ملك الريح الصفراء بوجهه الذهبي الداكن وعيونه كجمرتين في موقد مفتوح، يحمل رمحه الثلاثي كمن يحمل إعلان حرب.

دارت المعركة من جديد: عصا سون وكونغ ورمح الثلاثة أسنان يصطدمان في نغمة حديد تملأ الوادي الصامت. وبعد عشر جولات بدأ الملك يفتح فاه الأول.

حين رأى سون وكونغ الفم الثاني يفتح قبض على عصا لينغجي بيده الأخرى. وحين فتح الملك فاه الثالث وبدأ الهواء يتكوّر في حلقه دفع سون وكونغ بالعصا نحوه.

في الهواء تحوّلت العصا إلى تنّين ذهبي بثمانية مخالب لامعة انقضّ على الملك قبل أن يُطلق ريحه وقبض على رأسه بمخلبين وقلبه وطرحه على الصخر طرحاً عنيفاً. انكشف شكله الحقيقي: جرذٌ أصفر الشعر كبير الجسد ضئيل المظهر أمام ضخامة مملكته الزائفة.

أسرع سون وكونغ برفع العصا ليُنهيه لكن لينغجي هبط من السحاب في تلك اللحظة وقال: "لا تقتله. هو لي."

نظر سون وكونغ إلى الجرذ الساقط ثم إلى لينغجي ثم قال: "خذه."

قال لينغجي وهو يقيّد الجرذ: "إنه يلزمني لأُريه أمام بوذا. قرار الذنب من هناك." ثم أضاف: "قل لتلميذيك في الوادي أن الكهف خالٍ فليدخلا."


أخبر سون وكونغ تشو باجي بما جرى وتوجّها نحو الكهف. في الداخل طوى الاثنان كل ما لقياه من مردة الحرس وأرنب وثعلب وجفل وبقية مخلوقات الكهف المُتمرّدة بعصا ومشعوب لا يرحمان، حتى خلت القاعات.

ثم توغّلا إلى الحديقة الخلفية فوجدا تشيوان تسانغ لا يزال مربوطاً إلى الوتد كما تركاه، والحبال قد أحدثت آثاراً حمراء في معصميه. كان يُرتّل بصوت منخفض خاشع، وحين أحسّ بوجود سون وكونغ قرب أذنه رفع رأسه ببطء وفتح عينيه.

قطع سون وكونغ الحبال. نهض تشيوان تسانغ وتمشّى ببطء كمن يُعيد إلى عظامه ذكرى الحركة بعد غياب طويل.

قال تشيوان تسانغ: "كنتُ أتساءل من أين سيأتي الفرج."

قال سون وكونغ: "جاء من جبل شوميي الصغير."

قال تشو باجي وهو يُفتّش الكهف عن شيء يأكله: "أيضاً جاء من مشعوبي في العظام."


خرج الثلاثة من كهف الريح الصفراء والشمس تميل نحو الغروب تُلوّن الجبل الأصفر ألواناً دافئة تُناقض ما في ذاكرته من يوم أمس. كان الوادي صامتاً والريح الشيطانية ماتت مع سيّدها.

أمسك تشو باجي بزمام الجواد وحمل الحقائب على كتفيه وانطلق يمشي أمامهم بخطوة ثقيلة مطمئنة.

قال تشيوان تسانغ وهو يرقب الجبل من بُعد: "كم يوم كنتُ هناك؟"

قال سون وكونغ: "ليلة واحدة وبعض يوم."

قال تشيوان تسانغ: "شعرتُ كأنها أكثر من ذلك."

قال سون وكونغ: "الخوف يُطيل الوقت. هذا ما يفعله."

مضوا في الطريق الغربي. وخلف الجبل الأصفر الذي كان يُسمّى جبل الريح الصفراء بدأت الأرض تتغيّر: الحجارة الصفراء تخفّ وتحلّ محلّها تربة حمراء وأشجار أكثر وأنهر أعمق. كأن العالم يتجدّد كلّما مضوا خطوة نحو ما وعدتهم به كلمة الغرب.