موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل 2: أسرار المعلم وسبعة وسبعون تحولاً

يتعلم سون وكونغ على يد الأستاذ أسرار التحول والخلود، ثم يُطرد بعد أن أظهر قدراته أمام الآخرين، فيعود إلى جبل الزهور والفاكهة.

سون وكونغ المعلم التحول اثنتان وسبعون صورة الطرد العودة

حين صار سون وكونغ تلميذاً في ذلك الكهف المقدس، اندمج في الحياة اليومية البسيطة للطلاب بروح راضية منبسطة. كان يكنس الأرواح ويُعشّب الحديقة ويحطب في الغابة ويحمل الماء من النبع، وكلما أتيحت له فرصة جلس في دروس الأستاذ الكبير بين التلاميذ يصغي بكل جوارحه وكيانه. وكانت السنون تمر كأنها أيام، لأن من يُفنى في طلب الحق لا يحس بثقل الزمن.

وفي يوم من أيام التعليم الكبرى، صعد الأستاذ إلى منصته وبدأ يلقي درساً في أسرار الوجود وعمق الطريق. كانت كلماته كالمطر تسقط على الأرواح فتُنبت فيها أشجار الإدراك، وكالنور يبدد الظلام الكثيف من أعماق الفهم. وبينما التلاميذ صامتون وجوههم منحنية نحو الأرض في تأدب واستماع، إذا بسون وكونغ لا يملك نفسه من الفرح، فبدأ يحرك يديه وقدميه في نشوة الفهم، كأن تلك الكلمات كانت موسيقى تُحرك جسده رغمه.

رأى الأستاذ ذلك فصاح: "سون وكونغ! ماذا تفعل في وسط الدرس؟" ارتجف التلميذ واحمرّ وجهه وقال: "سيدي، كلماتك بلغت قلبي بلوغاً جعلني أنسى نفسي من الفرح، فسامحني على هذا الانكشاف." سكت الأستاذ ثم قال بهدوء الحكماء: "كم مضى عليك في هذا الكهف؟" فأجاب سون وكونغ: "لا أعرف، لكنني أذكر أنني أكلت الخوخ الناضج في ذلك الجبل الخلفي سبع مرات." قال الأستاذ: "إذن مضت عليك سبع سنوات. والآن أخبرني: ماذا تريد أن تتعلم؟"

فقال سون وكونغ: "أي شيء يرى فيه سيدي الخير لي." فعرض الأستاذ عليه مناهج أربعة: علم التنبؤ وقراءة المستقبل، وعلوم الفلاسفة وأهل الفكر، وعلوم الصمت والتأمل الصارم، وعلوم الحركة والقوة الجسدية. وفي كل مرة كان سون وكونغ يسأل: "وهل يمنح هذا الخلود؟" فيأتيه الجواب بالنفي. فكان يقول: "إذن لا أريده."

في النهاية غضب الأستاذ غضباً مزيّناً بالحب الخفي، ونزل من منصته العالية وضرب التلميذ ثلاث ضربات بعصاه على رأسه، ثم أدار ظهره وغادر القاعة وأغلق الباب.

أطرق التلاميذ مستغربين وهمسوا فيما بينهم: "لقد أغضب المعلم ولعله طُرد." لكن سون وكونغ ابتسم بهدوء غريب وبقي صامتاً دون أن يُبدي حزناً. وذلك لأن عقله المتيقظ فك شفرة الرسالة المخفية في ذلك العقاب: ثلاث ضربات تعني الساعة الثالثة من الليل، وإدارة الظهر والدخول من الباب الخلفي تعني أن يأتيه من الباب الخلفي للكهف في تلك الساعة بعيداً عن أعين الآخرين.

فلما جاء الليل ولملم التلاميذ أجنحتهم للنوم، أغمض سون وكونغ عينيه كأنه نائم، وضبط أنفاسه، وراقب مرور الوقت بساعة قلبه الدقيقة. فلما أحس أن الليل قد بلغ منتصفه قام بخفة لا تحرك هواء، وتسلل من الباب الأمامي وطاف حول الكهف حتى وجد الباب الخلفي موارَباً نصف فتح. فابتسم وزاد قلبه نوراً فوق نور.

دخل بهدوء كالظل وتقدم نحو مرقد الأستاذ فوجده مسنداً رأسه نائماً على جنبه يواجه الحائط. جثا سون وكونغ أمامه بصمت كصمت الصخر. لم يمض وقت طويل حتى فتح الأستاذ عينيه ببطء كأنه كان يرقب من لا يُرى، ثم مد قدميه وقال كأنه يحدّث نفسه:

"صعب، صعب، صعب! الطريق في منتهى الغموض، لا تظنّ الدانق الذهبي أمراً هيناً. ولا بد من مرشد يكشف للسالك الأسرار، وإلا فلن يجد إلا الجهد العقيم والكلام الجاف."

فقال سون وكونغ من مكانه الساجد: "أستاذي، تلميذك ينتظر منذ ساعات." فاستوى الأستاذ جالساً وابتسم الابتسامة التي لا يُخطئها من يعرفها، وقال: "لقد فهمت الرمز يا ولدي. هذا يدل على أنك من صنع الكون لا من صنع الحادثة. اقترب، فإن ما سأعلمك إياه الليلة لا يُقال في النهار ولا في حضرة الجمع."

فدنا سون وكونغ وجلس عند قدمي أستاذه، وهناك في ذلك الليل العميق الصامت أسرّ إليه المعلم بأسرار الجسد والروح، وعلّمه كيف يُدير طاقة الحياة في داخله كي تُمدّ أيامه وتُعمّق إدراكه وتُرسّخ جسده ضد عوامل الفناء. وحفظ سون وكونغ تلك الكلمات الذهبية في لب قلبه لا يشاركها أحداً.

مضت ثلاث سنوات أخرى، والتلميذ يُكمل رياضته في الخفاء. ثم استدعاه الأستاذ يوماً وأخبره بخطر يتربص بمن بلغ مستواه: ثلاث كوارث تهاجمه كل خمسمائة عام، الرعد والنار الخفية وريح المهلكة. فاشتد سون وكونغ على عقبيه وقال: "علمني كيف أتقيها!" فعلّمه الأستاذ اثنتين وسبعين صورة من صور التحول والتمويه، يستطيع بها أن يصبح شجرة أو صخرة أو حيواناً أو ريحاً أو أي شيء يشاء. واستوعبها سون وكونغ كلها في ليلة واحدة كأنما كانت مختبئة فيه منذ الأزل.

ثم في يوم لاحق علّمه الأستاذ "سحابة القلاب"، تلك الطريقة في الطيران التي تقطع مائة وثمانية آلاف ميل في قلبة واحدة، وهي قدرة لم يمنحها الأستاذ أحداً من قبل.

لكن الفرح الذي يتجاوز حده يجلب ما لا يُتوقع. ففي يوم صيف مشمس، كان الأستاذ وتلاميذه يتسامرون تحت الأشجار وطلب أحدهم من سون وكونغ أن يُظهر قدراته. فتحمّس سون وكونغ وتحوّل أمام الجميع إلى شجرة صنوبر باسقة لها سبعة أفنان وأوراق متراصة كالأسنة. صفق التلاميذ وضحكوا وصاحوا.

سمع الأستاذ الضجيج فخرج بعصاه مستاء الوجه وأمر الجميع بالتفرق. ثم وقف أمام سون وكونغ بعد أن عاد إلى صورته الحقيقية وقال له بجدية لا تحتمل المزاح: "لقد منحتك هذه القدرات كي تصون بها نفسك لا كي تتباهى أمام الناس. من يرى ما تملك سيطلب منك أن تُعلّمه، وإن رفضت آذاك، وإن علّمته أفسدت ما ليس له أن يُفسد. لقد كشفت سرك اليوم، فلم يبقَ لك هنا مكان. عد من حيث أتيت."

أجهش سون وكونغ بالبكاء وقال: "لكن يا سيدي، أنا لم أعرف دنيا قبلك ولا بعدك!" فقال الأستاذ بصوت أرق لكنه لا يتراجع: "امض وتجنّب الشر، ومهما جرى لا تقل للناس أنك تلميذي." فأومأ سون وكونغ وودّع أستاذه بنظرة طويلة حارة كانت تبكي من غير دموع، ثم ركب سحابته وانطلق كالبرق نحو الشرق.

وبعد لحظة واحدة من لحظات الوقت الكوني كان بالفعل يرى أمامه جبل الزهور والفاكهة وهو يلمع في ضوء الصباح كجوهرة صافية.

هبط على أرض وطنه وصاح: "أيها الأحبة، عدت!" فخرجت القرود من كل مكان وأحاطت به فرحةً تقبّل يديه وتدور حوله. ثم علم أنه في غيابه اعتدى وحش يدعى "مالك الفوضى" على كهفهم وأخذ بعض أبنائهم. فتحوّل قلب سون وكونغ كالحجر في الحال، وقال: "أرشدوني إليه."

ومضى مسرعاً إلى وكر ذلك الوحش الشمالي، وكان معركة قصيرة عنيفة تحوّل فيها سون وكونغ في لحظات، وكثّر نفسه بشعرات من جسده، وأحاط بخصمه من كل جهة حتى أسقطه وانتزع سيفه وقطع به رأسه. ثم أعاد الأبناء المخطوفين إلى وطنهم بحضن الجبل الأمين، وكانت تلك أول انتصاراته العظيمة بعد عودته.

وفي المساء، بينما أضواء المشاعل تتراقص على وجوه القرود المحتفية بعودة ملكها، قال سون وكونغ لجمعه الفرحان: "اعلموا أن اسمي الآن سون وكونغ، ولي نسب في عالم الأولياء." فتهلّلت القرود وصاحت: "إذن نحن كلنا سون! نحن أسرة القرود الكبرى من أول سون إلى آخر سون!" وضحكوا حتى ملأ ضحكهم أصداء الجبل وعاد صداه من الشلال الأبيض كأنه يضحك معهم.