موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل 13: أول الأهوال على الطريق ومنقذ من السماء

يغادر تانغ سانزانغ تشانغ آن ويواجه أهوال أولى رحلته، حين يُؤكل رفيقاه على جبل الفرعين، وينقذه نجم الذهب، ثم يُضيفه الصياد ليو بوتشين.

تانغ سانزانغ جبل الفرعين ليو بوتشين نجم الذهب الرحلة إلى الغرب الراهب العابر

في التاسع والعشرين من الشهر التاسع من السنة الثالثة عشرة لعهد الإمبراطور تاي تسونغ، خرج الراهب تشيوان تسانغ من بوابة تشانغ آن الكبرى يمشي نحو الغرب. كان الإمبراطور قد أرسله بيده، ووزراؤه يُشيّعونه مسافةً ثم رجعوا. أما هو فلم يلتفت — لم تعد له رقبة تريد الالتفات. كان في قلبه قسمٌ لا يُكسر: "إن لم أبلغ معبد الرعد الأعظم في أقصى الغرب، فلن أعود حياً."

سارت خطواته تتبعها الشمس حتى حلّ على دير فامين في اليوم الثاني. استقبله الرهبان بالبخور والترتيل وجلسوا حوله في مساء الكندر يتحدثون عن الطريق. منهم من قال: "الجبال شاهقة والوحوش كثيرة." ومنهم: "الأودية تبتلع المسافرين ولا تُفرغ ما ابتلعته." ومنهم: "الشياطين في تلك الأرجاء لا حصر لها." أصغى تشيوان تسانغ ولم يتكلّم، إلا أن يُشير بيده إلى صدره — إلى القلب — ويومئ بثقة هادئة.

في صباح الرابع الذي تلا، اخترق البوابة الشرقية لمدينة هوجوء، وهي آخر الحدود التي رسمها تاي تسونغ باسم أراضيه. ثمة استقبله أصحاب المدينة وبات في دير الينبوع المقدّس. ثم ودّعوه فجراً وهم يودّعون رجلاً يعرفون أنه ذاهب إلى الأبد.


في اليوم الخامس، قبل أن يصطبغ الأفق بحمرة الفجر، نهض تشيوان تسانغ وأيقظ مرافقيه الاثنين وانطلقوا في الظلام. كان الصيف قد مضى وخلّف وراءه برودةً في الهواء، والصقيع يلمع على الصخور. صاح ديك بعيد فظنّه علامة نهار، فإذا الليل ما زال يتدثّر وليس الفجر سوى خداع القمر الراحل.

بعد مسيرة مضنية على الدرب الجبلي الوعر، وجدوا أنفسهم عند سفح جبل الفرعين — جبل ضخم موحش تتشابك فيه الأشجار حتى لا يُرى السماء، وتنتشر فيه الحفر المخفية كأنها بنتها يدٌ خبيثة. لم يجدوا طريقاً واضحاً فدفعوا الشجر ومضوا.

فجأةً غاص الأرضُ من تحت أقدامهم، وتدحرج الثلاثة مع الجواد إلى قاع حفرة عميقة. قبل أن يستعيدوا أنفاسهم، تصاعد من الظلام صوت عميق يأمر: "خذوهم!" وانقضّ على الحفرة عشرات الأشباح الموحشة يجرون المرافقين والراهب إلى الأعلى.

كان الملك الجالس في قلب الكهف أمير النمر — ضخم الجثة كصخرة جبل، في عينيه برقٌ أصفر وفي فمه أنياب تلمع كالسيوف. قبل أن يلتفت إلى الراهب، سمع صوتاً خارجاً: "يا سيد النمر، ها نحن جئنا لزيارتك!" فدخل اثنان: الأول أسودٌ هائل يُسمّى سيد جبل الدبّ، والثاني أضخم منه يُسمّى الإنسان الخاص — وهو في حقيقته رأس الثيران المسخور. جلسوا يتحدثون كأهل مجالس، مُعجبين بالطريدة.

قال سيد الدبّ: "لا تأكل الثلاثة دفعةً واحدة. دعنا بالاثنين المرافقين الليلة وأبقِ الراهب حتى الغد نأكله على مهل مع الخمر." وافق سيد النمر.

في لمحة واحدة يُشيح القلبُ عنها، جُرَّ المرافقان إلى داخل الكهف وارتفعت أصوات موحشة. أمسك تشيوان تسانغ بيديه على أذنيه وأغمض عينيه وكلّ جسده يرتجف. حين فتح عينيه كان وحيداً مكبّلاً والكهف ساكتٌ كقبر.

أمضى الليل ويده ملتوية والحبال تأكل جلده والبرد ينفذ من الحجارة إلى عظامه. وفي الفجر ترامى إليه صوتٌ من خارج الكهف: تحرّك شيء عند المدخل وارتفع ضجيج. ثم انقطع.


حين ارتفعت الشمس حتى الضحى، تسلّل إلى الكهف الفارغ شعاعٌ ضعيف فرأى تشيوان تسانغ شيخاً هادئاً يُمسك بعصاه ويمشي نحوه. مدّ الشيخ يده ومسح الحبال كأنها خيوط عنكبوت فتساقطت كلها. ثم نفخ على وجه الراهب نفخةً دافئة فاستعاد وعيه بالكامل.

سجد تشيوان تسانغ قائلاً: "من أنت أيها المنقذ الكريم؟"

أجاب الشيخ: "قم. جوادك وأمتعتك في انتظارك عند الطريق."

أخرجه من الكهف وأشار بعصاه: "هناك الجواد والحقيبتان." نظر تشيوان تسانغ فإذا كل شيء سالم. التفت ليشكر الشيخ فلم يجده — وجد فراغاً مضاءً بالهواء. ثم انبثق من الهواء ورقةٌ طافت ببطء حتى استقرت في يده. قرأها فوجد مكتوباً: "أنا نجمُ الذهب من السماء الغربية، جئت لأُنقذ روحك من الهلاك. الطريق أمامك فيه حارسٌ يُرسله الله. لا تجزع من الصعاب فإن الكتب المقدسة في انتظارك."

رفع تشيوان تسانغ وجهه نحو السماء وصلّى بحرارة من قلب كُلّل بالخوف وغُسل بالنعمة في وقت واحد.


مضى وحيداً على طريق جبل الفرعين. كانت الدروب تلتوي والأشجار تتداخل والصخور تُضيّق الممر. ثم بدأت تتراءى له أشياء أمامه: تنينان يحجبان الطريق، ثم ذئاب تعوي على اليسار، ثم نمور تتحرك في الأجمات على اليمين. توقف الجواد ولمس ركبتيه الأرض ورفض الحركة.

وقف تشيوان تسانغ في وسط هذه الحلقة يُمسك بزمام الجواد وقلبه يُكلّمه: "لقد أقسمت. لقد أقسمت." لم يكن أمامه إلا أن يُسلّم نفسه.

ثم سمع صوت أقدام وصوت حديد، وجاء من بين الصخور رجلٌ يمشي كمن يملك الجبل. كان طويلاً كعمود الخيمة، يُمسك بحربة من الفولاذ، ومتسربلاً بجلد النمر. حين قدّم قدمه رأى الوحوش والنمور كلها تتفرق وتختبئ خلف الأشجار كأنها أطفالٌ رأت أباها الغاضب.

ركع تشيوان تسانغ: "أيها القائد الكبير، أنقذني."

وضع الرجل حربته على الأرض وأمسك بذراع الراهب ورفعه: "لا تخف. اسمي ليو بوتشين. هذا جبلي. أنا أصيد فيه الأسود والنمور. من أين أتيت؟"

قال تشيوان تسانغ: "أنا راهب أُرسلني الإمبراطور تاي تسونغ إلى الغرب لأجلب الكتب المقدسة."

ابتسم ليو بوتشين وقال: "إذاً نحن أبناء وطن واحد. أنا أيضاً من مملكة تانغ العظيمة. تعال معي إلى بيتي تستريح هذه الليلة وغداً أُوصّلك إلى الطريق."


لم يأخذا خطوات كثيرة حين سمعا صفيراً حاداً يقطع الهواء من بين الأشجار، وبرز نمرٌ مخطط ضخم يشحذ مخالبه على الأرض ويُمشّط ذيله.

قال ليو بوتشين: "أيها الراهب، اجلس هنا ولا تتحرك. هذا رزقي جاء وحده."

نظر تشيوان تسانغ وهو يحبس أنفاسه. رأى النمر يقفز على ليو بوتشين وليو بوتشين يتحاشاه ويلفّ حوله ويُمسك بالحربة. كانت المعركة تتبادل المبادرة: حينٌ يُهاجم النمر وحين يهاجم الرجل، صوتٌ من الأنياب وصوتٌ من الحديد والجبل يصدّ الأصداء ذهاباً وإياباً.

بعد ساعة متوترة، تراخت مخالب النمر وانهار جسده. مسح ليو بوتشين الحربة على أعشاب الجبل وجاء بنفَسٍ ثابت كأنه حمل حجر.

قال: "هذا يكفي لطعام ليلتك."

أمسك بذنب النمر وجرّه. تبعه تشيوان تسانغ يقود الجواد ويتأمل هذا الرجل الذي يعيش مع الجبل كما يعيش الجبل مع الجذور.

مرّت وديانٌ ومنعطفات حتى ظهرت بين الأشجار دارٌ من حجر وطين، يُحيط بها سياجٌ من الغاب، وأمام الباب ينبثق دخان عود الطبخ في الهواء البارد.


خرجت أمّ ليو بوتشين إلى باب الدار حين رأت ابنها قادماً مع ضيف. حيّت الراهب بكل تبجيل ثم قالت: "يا بُنيّ، وُجد هذا الراهب الكريم في وقت مناسب. الغد هو الذكرى السنوية لوفاة أبيك. هل يتكرم علينا بإقامة الصلوات والترتيل من أجل روحه؟"

نظر ليو بوتشين إلى أمه ثم إلى الراهب. كان في ناظريه شيء طرّيٌ تحت القشرة الصلدة.

قال تشيوان تسانغ: "هذا شرفٌ عظيم لي. من أجل روح والدك وأرواح كل الأموات سأُرتّل كل ما أعرف."

تناولوا الطعام — طعام الصياد من الوحوش التي لا يأكلها الرهبان، وطعام الراهب من الحبوب والأعشاب الجبلية التي أعدّتها الأم بيدها في إناء مغسول ونظيف. جلسوا حول المصباح وكان الظلام خارجاً كثيفاً كالوبر.

في الفجر، طهّر تشيوان تسانغ يديه وصلّى أمام مذبح الأسرة، ثم فتح كتاب العبور وبدأ يُرتّل بصوت يصل إلى السقف ويمرّ منه إلى السماء. كان يُرتّل "سوترا عبور الأرواح" و"سوترا الكمال الماسي" و"سوترا الطاووس". وكان صوته يتضاعف في صمت الجبل حتى صار كأن عشرة رهبان يُرتّلون معه.

في الليلة التالية زار روح الأب أحلام أهل البيت جميعاً في وقت واحد. رأى ليو بوتشين أباه يقف في باب المنزل وعلى وجهه نورٌ لم يره من قبل. قال الأب: "لقد حملت التعاليم المقدسة عني ثقلاً كنت أُعاني منه سنوات. الآن أُعلّق أقدامي في الأرض الخصبة لعالم المحاسن. اشكروا الراهب."

حين تحدّثوا في الصباح، تبيّن أن الأم والزوجة وليو بوتشين رأوا الحلم ذاته. بكى ليو بوتشين بكاءً أخفاه خلف صوته الخشن وأعطى الراهب خبزاً جافاً من دقيق الجبل ومسافةً من طريقه.


انطلقوا صباحاً: ليو بوتشين يتقدّم بحربته وخدمٌ من أهل الدار يُرافقونه وتشيوان تسانغ خلفهم يقود الجواد. كان الطريق يرتفع وينخفض والأشجار تتغير كلّما ارتفعوا درجةً في الجبل. مرّوا بممرات ضيقة وشلالات صغيرة ومواضع تجمّع فيها الضبابُ كأنه لم يُفارقها منذ بدء الخليقة.

بعد نصف نهار، توقف ليو بوتشين فجأةً وقال: "أيها الراهب، إلى هنا يصل إذني. هذا الجبل يُسمى جبل الفرعين. نصفه الشرقي في أراضي تانغ العظيمة وأنا سيده. أما نصفه الغربي فهو في أرض أخرى وليس بوسعي أن أتبعك أكثر. من هنا أنت وحدك."

أمسك تشيوان تسانغ بطرف ثوب ليو بوتشين وعيناه مبللتان: "أيها القائد الكريم، أنت الذي أنقذتني من النمور وأطعمتني وأويتني. كيف أتركك الآن؟"

قال ليو بوتشين بنبرةٍ خشنة لكنها تحمل دفئاً: "هذا هو الطريق. أمامك أشياء لا أُحسنها أنا. ربما أرسل الله لك من هو أقوى منّي."

انفصلت يداهما. التفت تشيوان تسانغ مرةً ثم واصل. وكان ليو بوتشين يقف على الصخرة ينظر حتى غاب الراهب عن ناظريه في الغيوم الجبلية.

ثم، من بين الصخور وتحت أعماق الجبل، انبثق صوتٌ ضخم يصيح بلهفة من طال انتظاره: "يا أستاذي! يا معلّمي! جئت أخيراً! جئت!"

ارتجف تشيوان تسانغ وارتجف معه ليو بوتشين خلفه. نظرا نحو مصدر الصوت في ذهول.