موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل 12: الإمبراطور يُطلق الأرواح المحبوسة وتانغ سانزانغ يُعيَّن مبعوثًا إلى الغرب

يعود مبعوث الإمبراطور من الجحيم بعد تقديم القرابين، وتُحلّ لغز الأميرة المسكونة، ثم يُكلَّف الراهب الشاب تانغ سانزانغ بالرحلة العظيمة إلى الغرب.

تانغ سانزانغ الإمبراطور تاي تسونغ الجحيم الأرواح المحبوسة الرحلة إلى الغرب البوذية

حُكي أن الريح المقدّرة هبّت من العالم الآخر بعد أن قدّم إمبراطور تانغ تاي تسونغ القرابين لملوك الجحيم العشرة ووفى بوعده. وكانت ما بين العالمَين أرواح كثيرة تنتظر على عتبة الخلاص كمن ينتظر سفينة في ليل عاصف. حين قدّمت هذه القرابين أُذن لتلك الأرواح بأن تنعم بالراحة الأبدية، وارتفعت أصواتها من المحنة إلى الشكر كأمواج البحر تتحوّل من العاصفة إلى السكينة.

وكان من أعجب ما حدث في تلك الأيام أن أحد الأشخاص الذين مسّتهم معجزة عالم الآخرة كان رجلًا من المملكة يُدعى ليو تشوان، أرسله الإمبراطور حاملًا القرابين والفاكهة إلى ملوك الجحيم. وحين عاد ليو تشوان من رحلته العجيبة، وجد روحه قد أُعيدت إلى جسده الذي بات باردًا ثلاثة أيام على عتبة الموت، فأفاق أمام دهشة الجميع وكأنه نائم طال نومه فحسب.

لكن الأعجب من ذلك كله ما حدث لزوجته الراحلة. إذ كانت أرملة ليو تشوان قد ماتت قبل ذلك بسبب الحزن والكمد، وروحها بقيت تائهة بين العالمَين دون جسد يستقبلها. فقرّر حكام الجحيم بعملية عجيبة أن يُسكنوا روحها في جسد أميرة ملكية كانت قد ماتت للتو في قصر الإمبراطور. ودبّ الدفء في جسد الأميرة من جديد، وفتحت عينيها، لكنها نهضت وهي تتكلم بلسان زوجة ليو تشوان وتذكر تفاصيل حياتها وبيتها وأطفالها.


حين أُحضرت الأميرة المُستحيَة أمام الإمبراطور ووصفت نفسها بأنها امرأة فلاح عادية من مدينة بعيدة وزوجة ليو تشوان وربّة أطفاله، أدرك تاي تسونغ أن الأمر بالغ الغرابة ولا يحتمل التشكيك. فأمر بإرسالها إلى ليو تشوان، وأن يُعطى الزوجان أرضًا ومالًا يكفيانهما بقية حياتهما. وانصرف الناس يتحدثون عن هذه الأعجوبة في المجالس أيامًا طويلة.

أما الإمبراطور نفسه، فقد ظلّ يحمل في صدره أثقال ما رآه في العالم الآخر: الأرواح التائهة والمعاناة الهائلة لمن لم يجدوا طريق الخلاص. وكان لا يزال يتذكر ملوك الجحيم العشرة حين قالوا له في منامه إن ما تحتاجه هذه الأرواح هو تعاليم بوذا الصحيحة، الكتب المقدسة التي تُنير الطريق من الظلمة إلى النور.

لذلك أقام الإمبراطور مجالس كبرى للتلاوة والعبادة، ودعا إليها كبار رجال الدين البوذيين من أرجاء المملكة. وكان أبرزهم راهب شاب ذو وجه وضيء كالقمر ولسان فصيح كالنهر الجاري، يُدعى الراهب زوان تسانغ الذي سيُعرَف لاحقًا بتانغ سانزانغ.


كان تانغ سانزانغ من تلك النفوس التي تولد حاملة قدرها منذ البداية. فقد كانت حياته منذ اللحظة الأولى مُحاطة بالأسرار والمعجزات: وُلد من أب عالم فقيه وأم كريمة، لكن أباه اغتيل على يد اللصوص وهو في طريقه إلى منصب رفيع، ونجت أمه بطريقة عجيبة إذ وضعته على لوح خشبي وأطلقته في النهر حفاظًا على حياته. التقطه رهبان المعبد وربّوه في أحضان الحكمة البوذية، وكان يكبر كلما عاش سنةً جديدة ازداد علمًا وتفكّرًا وصفاءً روحيًا.

وحين اكتشف والدته وأنقذها من أسرها ثم انتقم لأبيه بالطرق الشرعية، حوّل كل هذا الألم والغربة المبكرة إلى زاد روحي يُقوّيه في الطريق. وحين بلغ العشرين من عمره كان قد حفظ من الكتب المقدسة ما لا يحفظه كبار الشيوخ، وكان صوته في التلاوة يُسكت الريح ويُوقف الطير.

حين رأى الإمبراطور هذا الشاب يتلو أمام المجمع الكبير في مدينة تشانغ آن، أُعجب به إعجابًا بالغًا وقال في نفسه: "هذا هو الرجل الذي يستطيع أن يُكلَّف بالمهمة العظيمة." ودعاه إلى مجلسه الخاص.


في مجلس هادئ بعيد عن ضجيج البلاط، جلس الإمبراطور وأمامه الراهب الشاب، وتكلّم تاي تسونغ بصدق ملك يعرف أن السلطة لا تكفي دائمًا: "يا رعبد الله، إنني رأيت في رحلتي إلى عالم الأموات ما أوجع قلبي. رأيت أرواحًا بلا عدد تتخبّط في الظلام دون هداية، وقال لي حكام الجحيم إن الطريق الوحيدة لخلاصها هي تعاليم بوذا الصحيحة المحفوظة في الكتب المقدسة التي تقطن في الغرب البعيد، في المعبد العظيم الذي يُدعى معبد الرعد الأعظم حيث يُقيم بوذا تاثاغاتا."

استمع تانغ سانزانغ بعينين هادئتين ثم قال: "يا مليكي، إن الطريق إلى تلك الأراضي طويل ومحفوف بالمخاطر التي لا يعلمها إلا من جرّبها. لكن إن كانت الكتب المقدسة تنقذ الأرواح وتُنير الطريق، فلا شيء أعظم من هذه المهمة حتى لو استغرقت العمر كله."

فرفع الإمبراطور يده وقال: "لو تمكّنت من جلب هذه الكتب، فأنا أعدك بكل ما تحتاجه في الطريق: المال والزاد والوثائق الرسمية التي تمرّ بها عبر كل مملكة وبلد. وستكون أخي في الروح وإن لم تكن في الدم." ثم أمام حضور البلاط الكامل، أمسك الإمبراطور بيد الراهب وقال: "أُسمّيك منذ الآن تانغ سانزانغ — شيخ الكتب الثلاثة من تانغ."


وبينما كانت الاستعدادات تجري في القصر لإعداد الزاد والوثائق، كانت الربّة غوانيين، ربة الرحمة الكبرى، تراقب من السماء هذه الأحداث بعيون حانية كعيون الأم. وقد نزلت قبل ذلك إلى مدينة تشانغ آن في هيئة راهبة عجوز، وتجوّلت في الأسواق ومجالس الفقراء ثم وصلت إلى مجلس الإمبراطور، وأهدته عصا التسبيح الذهبية وثوبًا رهبانيًا مطرّزًا بالذهب، وقالت: "هذه لمن سيُكلَّف بالرحلة العظيمة."

فحين رأى تانغ سانزانغ هذه الهدايا الثمينة، لبس الثوب ومسك العصا وبدا كأن نورًا هادئًا ينبثق منه يملأ القاعة. فاكتملت صورة الراهب المبعوث وصُفّق له الجميع.

وفي يوم مباشرته، خرج تاي تسونغ بنفسه إلى بوابة المدينة ليُشيّع تانغ سانزانغ. وأمام الجموع الغفيرة من أهل تشانغ آن المحتشدين على جانبَي الطريق، كسر الإمبراطور كأسًا من الخمر وصبّ محتواه على الأرض قائلًا: "أيها الراهب الكريم، قبل أن تُسافر أُهديك مع هذا الخمر قبضة من تراب بلادنا، فإن الغريب يشتاق دائمًا إلى تراب وطنه."

فتناول تانغ سانزانغ قبضة التراب بيدين خاشعتَين ووضعها في كيس صغير قريبًا من قلبه، ثم انحنى وقال: "لن أعود إلا بالكتب المقدسة أو لن أعود أبدًا." ثم استقام وركب فرسه الأبيض ومضى نحو البوابة الغربية التي فتحت أمامه كأنها تعلم أن من يمرّ عبرها الآن يحمل قدرًا أكبر من قدره.


سار تانغ سانزانغ وحده في البداية، إذ لم يكن قد وجد بعد أصحابه الذين ستضمّهم القدرة الإلهية إلى قافلته الصغيرة: القرد العظيم سون وكونغ المحبوس في جبل العناصر الخمسة، والخنزير المطيب تشو باجي المبعد عن السماء، والراهب البحري شا وجينغ الذي يحرس نهر الرمال.

لكن غوانيين كانت قد رتّبت كل شيء من قبل. وكانت الكتب المنتظرة في معبد الرعد الأعظم تنتظر من يأتي إليها بقدم الصادق وقلب المؤمن.

خرج تانغ سانزانغ من مدينة تشانغ آن والغروب يصبغ السماء بألوان الذهب والقرمز، كأن السماء ذاتها تودّعه بطريقتها. ولم يعلم الراهب الشاب وقتذاك أن رحلته ستكون أعظم رحلة عرفها التاريخ البشري: أربعة عشر عامًا من الأسفار في براري وجبال وأنهار ومحيطات، ومن معارك مع أبالسة وعفاريت لا تُحصى، ومن تعلّم صبر أعمق من كل محنة، حتى يصل في النهاية إلى حيث ينتظره بوذا تاثاغاتا بابتسامته الخالدة والكتب المقدسة بين يديه.

وخلف الإمبراطور الواقف عند البوابة وقد ذرفت عيناه دموعًا لم يُظهرها لأحد من أعيان بلاطه. فقد كان يعلم في قرارة نفسه أن هذا الراهب الشاب يحمل رسالة أثقل من كل حملة عسكرية أرسلها في حياته، وأن رحلته إن نجحت ستكون أعظم انتصار عرفته المملكة المتوسطة منذ أن قامت على أعمدتها.

أما أهل تشانغ آن فقد تفرّقوا شيئًا فشيئًا بعد أن غاب الراهب عن ناظريهم في ضباب الطريق الغربي الطويل. وعادوا إلى بيوتهم وحرفهم وأحاديثهم اليومية، لكن بعضهم بقي يتحدث عن ذلك الراهب الوضيء الذي خرج وحده نحو المجهول — ولا يعلمون أن ذكره سيبقى ما بقيت الأرض ويتردد على كل لسان.

وفي تلك اللحظة بالذات، كان جبل العناصر الخمسة في البعيد يحمل في أحشائه قرداً حبيسًا قضى خمسمئة سنة في الانتظار، يعدّ الأيام والليالي ويسمع وقع أقدام كل مسافر يمرّ قريبًا، يسأل في صمته المضطرب: "هل جاء وقتي؟ هل هو ذلك الذي جاء أخيرًا؟"

وكانت الإجابة هذه المرة نعم.