موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل الحادي عشر: جولةٌ في عالم الأرواح وعودة تايتسونغ إلى الحياة

يجول الإمبراطور تايتسونغ في مملكة الأموات، ويرى عقوبات الظالمين والمآل الحق للأرواح، ثم يعود إلى الدنيا بعمر ممدود، فيُطلق السجناء ويُحرر النساء ويُعد لمهرجان الماء والأرض العظيم

الإمبراطور تايتسونغ عالم الأرواح القاضي تشوي وي تشينغ جسر نايه الفصل الحادي عشر

مئة عام تمر كجريان الماء، وكل ما يُبنى لا يعدو الفقاعة على السطح. وجهٌ كالخوخ بالأمس واليوم يُكلَّل بثلج الشيب. يقول القدماء: الأعمال الصالحة تُطيل العمر، والخير لا يحتاج أن تطلب له مكافأةً — السماء تُرتِّب أمورها.


انفصلت روح تايتسونغ عن جسده ببطء، كأن رابطًا طال أمده قُطع في نهاية حتمية. وجد نفسه في الهواء الطلق أمام برج الطائر العنقاء في القصر، تحيط به طلائع الحرس الإمبراطوري تدعوه للخروج إلى الصيد. ذهب معهم في خفة، شعر لحظةً بشيء من الانتعاش بعد ثقل الجسد. ثم فجأة — لا حرس ولا خيل. وحيد في غبار الحقل البوار.

كان لا يزال يلتفت يمينًا وشمالًا حين سمع صوتًا عاليًا يناديه: "إمبراطور تانغ العظيم! هنا، تعال هنا!"

رفع رأسه. رجلٌ في عمامة سوداء وحزام قرنيٍّ يتقدَّم نحوه بخطى سريعة، في يده لوحٌ عاجيٌّ مزيَّن بنقوش تدلُّ على رتبة لا هينة، وجهه مألوف بشكل ما رغم أن تايتسونغ لم يستطع في الحال أن يسمِّيه.

انحنى الرجل على الطريق: "يا مولاي، اعذر تقصير استقبالي."

"من أنت؟" سأل تايتسونغ.

"كنت في الدنيا معينًا لجدِّك ثم رُقِّيت إلى وكيل وزارة الطقوس. اسمي تشوي جيه. الآن أخدم قاضيًا في الديوان الروحاني."

فرح تايتسونغ فرحًا حقيقيًا — هذا هو الرجل الذي أرسل إليه وي تشينغ رسالته. مدَّ يده في كمِّه وأخرج الرقعة المطوية. "لديَّ كتاب من وزيري."

أخذ القاضي تشوي الكتاب بكلتا يديه، فضَّه، وقرأ. خطُّ وي تشينغ هادئٌ محكم كما كان دائمًا في الحياة، يستحضر ذكريات تبادلا فيها الثقة ثماني مرات، ويطلب باسم تلك الصداقة القديمة أن يُيسَّر أمر العودة. رفع القاضي تشوي عينيه ثم ابتسم: "قلب وي تشينغ لا يتغيَّر — كما كان في الدنيا. اطمئن يا مولاي، ستعود."


وصل الغلمان الزرق حاملين الأعلام وإعلان الاستدعاء من الملوك العشرة. سار تايتسونغ مع القاضي تشوي حتى رأى المدينة: باب ضخم تعلوه لافتة من الذهب الصافي تكتب "بوابة عالم الأرواح ومملكة الظلام". اجتازها فإذا بأخيه بناء وأخيه يوان جي واقفان في الطريق يمدَّان أيديهما نحوه صارخين: "جاء شيمين! رُدَّ إلينا حياتنا!" — كانت الروحان لا تزالان تحملان غضب دمٍ مسفوك. قبل أن يتمكَّنا من الإمساك به، أشار القاضي تشوي إلى حارس أزرق الوجه فأفلت تايتسونغ وتابع الطريق.

في قصر يانغ وانغ العشرة — وكان من البهاء بما لا يصفه لسان — استقبله الملوك العشرة نازلين من عروشهم. حين همَّ بالانحناء أمسكوا به: "يا مولاي، أنت ملك الحياة ونحن ملوك الظلام — الأمر واضح من طبيعة كلٍّ منَّا." جلسوا ورتَّبوا القضية: ادَّعى تنين نهر الجينغ أن تايتسونغ وعده ثم سلَّمه للسيف. ردَّ تايتسونغ بالحقيقة — الحلم كان حلمًا، والأمر السماوي لا يُعطَّل بحكم إمبراطور. فأقرَّ الملوك العشرة بأن اسم التنين كان مسجَّلًا في ديوان الموت منذ قبل ميلاده: "لا جريمة عليك."

أمر الملوك بإحضار سجلِّ الأعمار. تقدَّم القاضي تشوي بالكتاب المفتوح. رأى اسم تايتسونغ تحت ثلاثة عشر عامًا. في لحظة خاطفة وقبل أن يُرى، أمسك القاضي بقلم الحبر الغليظ وأضاف خطَّين فوق علامة الواحد فصارت الثلاثة والثلاثين. رفع الملك الأكبر نظره: "يا مولاي، كم أمضيت على العرش؟" "ثلاثة عشر عامًا." "إذن لديك عشرون عامًا أخرى — عُد مطمئنًا."


أوكل الملوك للقاضي تشوي وللمارشال تشو أن يُوصِلا الإمبراطور إلى طريق العودة. لكن المسير لم يأخذهم على الطريق التي جاء منها. "هنا عالم الأرواح لا طريق رجعة به — الذاهب ذهب. نُعيدك من طريق آخر، تلك الدورة الطبيعية التي تعيد المولودين. وفي الطريق ستعبر مشاهد ما تنسى."

أول ما مرُّوا به: جبلٌ مظلم بلا عشب ولا قمة تلتمع، هواؤه يعضُّ كالصقيع وفيه صراخٌ أجوف. "هذا جبل الظلام الخلفي." ثم مرُّوا على أبواب من الخشب المحترق أمامها أصوات تتراكم كالبناء المتشقق — أبواب السجون الثمانية عشر.

"اسمع يا مولاي كل ما فيها:

هنا سجن المشنوق وسجن الظلام، وسجن بحيرة النار. هؤلاء جمعوا من السيئات في حياتهم ما يُوجب ذلك كله. وسجن انتزاع اللسان لمن أفسدوا بالكلام. وسجن القِدر المغلي لمن غشُّوا في الموازين. وسجن الجليد لمن أساؤوا للضعفاء. وسجن النار والسكاكين وسجن البحيرة الدموية وسجن المسلخ، كلٌّ بجريمته. الشرير لا يُفلت — السماء حاضرة حتى في أعمق ظلمة."

وقف تايتسونغ ينظر وفي صدره شيءٌ يثقل. لم يكن ملكًا هنا — كان روحًا تتعلَّم.


ثم جسرٌ من الذهب يعبر عليه أهل الولاء والبرِّ والعدل، وجسرٌ فضيٌّ لأهل الصلاح الأهدأ صوتًا. وعلى الجانب الآخر جسرٌ ثالث لا ذهب فيه ولا فضة — جسر نايه. ريحه باردة كالقبر، ومياهه لا تتلوَّن بلون اليقين. سأل تايتسونغ عنه فأجاب القاضي: "هذا الجسر الذي تعبر عليه أرواح من لم تُعرف لهم الجهة. اذكر هذا حين تعود — الناس يجب أن يعرفوا."

أسفل الجسر ما لم يُرَ في أي تفسير بشري: الموج فيه من دم لا من ماء، والأرواح التائهة تتصارع في الأسفل والحرَّاس فوق لا يرحمون. على أغصان الأشجار المقطوعة ثيابٌ ملوَّنة من نساء عقَّقن ووشَيْن في حياتهن، ومن حولهن الحرَّاس يسيرون بلا توقُّف. قال تايتسونغ في سرِّه قصيدة تُختصر فيها الرهبة:

أسمع بكاء الأرواح وعويلها، والدم يرتفع موجه آلاف الأذرع. حرَّاس بلا رأفة يقفون على الجسر. أيُّها العائد إلى الحياة — تذكَّر ما رأيت.


ثم مدينة الأموات ظلمًا — المدينة التي تحتجز الأرواح التي ماتت ولم تُقضَ حقوقها. قبل أن يقترب سمع الصراخ يتقدَّمه: "جاء لي شيمين! لي شيمين!" — كان هذا اسمه قبل العرش، وكانت هذه أرواح آلاف المقاتلين من حروب التوحيد — حروب بناء الإمبراطورية التي كلَّفت دمًا من الجانبين. تقدَّموا نحوه بأيدٍ تطالبه.

أمسك تايتسونغ بذراع القاضي: "أنقذني!"

"يا مولاي، هؤلاء لا يملكون أجورًا لدفع طريقهم في دورة العودة — أرواح لا مال لها. إن اقترضت لهم من حساب صاحب الأموال في هذه الدار، دفعنا لهم وسكتوا وانصرفوا."

"ومن صاحب الحساب؟"

"شيانغ ليانغ من كايفنغ في هينان — له ثلاثة عشر مستودعًا هنا. اكتب ضمانًا وأُشهد عليه، وإذا عدت أعطيته ما اقترضته."

كتب تايتسونغ تعهُّده. فُتح المستودع ووُزِّعت الأجور. شرح لهم القاضي تشوي أن الإمبراطور وعد بتنظيم مهرجان الماء والأرض ليُعلي أرواحهم إلى مستوى تُولَد من جديد فيه. سكتت الأرواح وانسحبت.


مرُّوا بنقطة دورة الوجود الستة، يتفرَّق منها الطريق. كان هناك من يرتدون أردية من نور يصعدون إلى المسار العلوي، ومن يمشون في صمت التقاة نحو ميلاد آخر كريم، ومن يُساق في جلبة نحو الممرَّات الضيِّقة. شرح القاضي تشوي: "الذين عاشوا بصلاح يصعدون إلى عالم اللامتناهي. المخلصون يُعادون في مراتب شريفة. البارُّون بوالديهم يُمنحون حياةً مباركة. العادلون يُولَدون بشرًا مرة أخرى. المتصدِّقون يعودون في ثروة. والشرِّيرون يهوون إلى مسار الأرواح الضائعة."

وقف تايتسونغ طويلًا ينظر. ثم انحنى رأسه ورفع صوته في مقطع قصير: "الخير يُثمر ولو تأخَّر. الشر يُحاسَب ولو تمكَّن. لا تحتقر عملًا صغيرًا تُصلحه، ولا تستهن بظلم صغير ترتكبه."

عند أبواب مسار الولادة الرفيعة أوصله القاضي تشوي بكلمات أخيرة: "يا مولاي، حين تعود — لا تنسَ مهرجان الماء والأرض للأرواح التي لا راعي لها. إن هدأ ضجيجهم في هذا العالم، هدأت الأرض في عالمكم وعاش الناس بسلام."

تابع المارشال تشو الطريق بمفرده مع تايتسونغ. عند نهر ويه كان جسرٌ خشبي قديم. في الماء رأى تايتسونغ سمكتين تلتمعان في الشمس يتابع نظره إليهما، مفتونًا برقِّة المشهد بعد كل ذلك الظلام — فدفعه المارشال تشو من خلفه وهو يصرخ: "تحرَّك، آن الأوان!" فسقط تايتسونغ في الماء—


وفي الغرفة المسجَّاة في قصر بغداد النفس، حيث ظلَّت الجثة ثلاثة أيام بلياليها وكبار الوزراء يتناوبون الحراسة عليها، خرج صوت من بين ألواح التابوت:

"أغرقتموني! من يُنقذني؟"

فزعت المحكمة كلها. كان الملك تايتسونغ ما زال في أكفانه حين انتهى الصياح. وحده وزيره المُدرَّب وي تشينغ تقدَّم من التابوت: "مولاي، ما العقدة؟ لا تخوِّف الأحياء." ثم جاء الآخرون وكسروا الألواح وأخرجوه.

جلس الإمبراطور مبلَّلًا لا يزال ينادي على من أغرقه، وعيناه تعودان ببطء إلى التعرُّف على الوجوه المألوفة. شرب الدواء وأكل المرق، وبعد ليلة نام فيها نوم السليم، كان صباح اليوم التالي كاملًا مشرقًا كأن شيئًا لم يكن.


عاد تايتسونغ إلى قاعة العرش وقصَّ على وزرائه كل شيء — القاضي تشوي وكتاب وي تشينغ والملوك العشرة والسنوات المضافة والجسور الثلاثة والمدينة والدورة الستة. أنصت الوزراء وفي أعينهم مزيجٌ من الدهشة والتصديق الذي يجعل الإنسان هادئًا بشكل غريب.

ثم نهض الإمبراطور وأصدر أوامره:

أولًا: إطلاق سراح أربعمائة وأكثر من المحكوم عليهم بالإعدام ليودِّعوا ذويهم ويعودوا بعد عام لاستكمال أحكامهم — وكلهم عادوا في الموعد.

ثانيًا: إطلاق سراح ثلاثة آلاف امرأة من حريم القصر وتزويجهن.

ثالثًا: نشر مرسوم في المملكة كلها يدعو الناس للعمل بصلاح: "المكر لا يُربح في هذه الحياة. الخير لا تطلب له ثمنًا — السماء تُرتِّب. الحساب يأتي — ربما في هذا الجيل وربما في القادم، لكنه يأتي."

رابعًا: إيفاد فارس إلى كايفنغ لإيجاد شيانغ ليانغ وسداد الدين المكتوب في الضمان.

خامسًا: إعداد مهرجان الماء والأرض الكبير — ولهذا يحتاج واعظًا بالمستوى الروحاني المناسب. ذلك الفصل القادم.


لكن قبل كل ذلك كان هناك لافتة في السوق: "من يتطوَّع لحمل القرع إلى مملكة الأموات بديلًا عن الإمبراطور؟"

جاء رجل من بلدة يونجو يُدعى ليو تشوان — صاحب ثروة طيِّبة، لكنه كان يومًا غاضبًا أمام باب داره حين خرجت امرأته لي تشوي ليان لتُعطي سنَّ ذهبية للراهب العابر. صاح عليها: "لا تخرجي من البيت بغير إذن!" فأخذتها المهانة وشنقت نفسها، وتركت له طفلين صغيرين. منذ ذلك اليوم وليو تشوان في عذاب لا يُطفئه شيء.

حين رأى اللافتة، خلع الحياة عنه بلا تردُّد. حمل القرعتين فوق رأسه، أخذ أوراق الآخرة في كمِّه، وشرب السُّمَّ.

في الثانية التالية كانت روحه أمام بوابة عالم الأرواح. الحرَّاس نادوا عليه. أجابهم: "رسول الإمبراطور تايتسونغ بهدية إلى الملوك العشرة." فأُدخل وقدَّم القرعتين وشرح قصَّته. فرح الملوك وأمروا بفحص سجل امرأته — فإذا بهما معًا يستحقَّان عمرًا طويلًا لم يُكمله الموت الباكر.

لكن لي تشوي ليان ماتت منذ زمن وجسدها تفتَّت. أين تعود الروح؟

في تلك اللحظة كانت أميرة الإمبراطور الشقيقة مريضةً على وشك الموت في قصر تانغ. أرسل الملوك رسولهم: الجسد سيُستعار.


في القصر، ماتت الأميرة فجأة وعادت إلى الحياة وهي تنادي باسم: "ليو تشوان! ليو تشوان أين أنت؟" فزع الخدم وأسرعوا إلى الإمبراطور. تايتسونغ عرف على الفور — هذه ليست أخته. "ابحثوا عن رجل في هذا الاسم."

وُجد ليو تشوان هناك — جثَّته في دار ضيافة المتطوِّعين. أيقظوه من الموت وأحضروه. حين رأى وجه أخت الإمبراطور تجمَّدت عيناه: "امرأتي تعرف أشياء لا يعلمها إلا الاثنان." سألها الإمبراطور في مجلس خاص. أجابت بأسرار لم يكذِّبها أحد.

وكان الزوجان المفرَّقان قد عادا بطريقة لا يختار الموت طريقها وحده.

هكذا انتهى يومٌ في تانغ كان فيه ملكٌ مات ورأى ما لا يُرى ثم عاد يحمل في ذاكرته ثقل ما رأى. وفي القادم من الأيام سيُعدُّ المهرجان الذي وعد به، وستُختار الأجواء المناسبة والشخص المناسب لحمل الكتب المقدَّسة من الغرب — وذلك مما يفصح عنه الفصل القادم.