الفصل المئة: العودة إلى الأرض وخمسة أقداسٍ تبلغ حقيقتها
الوصول إلى تشانغ أن. استقبال الإمبراطور. المقدَّسات والألقاب. باجي يشكو. الطوق يختفي. الختام الكبير.
حين استيقظ الناس في قرية آل تشن وذهبوا بالطعام والفاكهة إلى المعبد — كانت الغرفة فارغة.
لا أثر للرهبان. لا أثر للحصان. لا أثر حتَّى لرائحةٍ تُشير إلى من أقام. الباب موارَب. والأفق الشرقيُّ لا يُعطي جوابًا.
"ذهبوا في الليل." قال أحدهم.
"لماذا؟"
"لأنَّ القدِّيسين لا يستقبلون وداعًا."
فأدخلوا الطعام والفاكهة إلى الطابق العلويِّ حيث التماثيل، وضعوها أمامها، وأشعلوا البخور. وهكذا — منذ ذلك اليوم — أصبح المعبد مكانًا تُقام فيه الطقوس في كلِّ فصل ولا يخلو من مَن يطلب شيئًا ومَن يشكر.
الريح الثانية لحرَّاس السماء الثمانية حملت الأربعة والحصان بلا وقتٍ يُقاس. اليوم الأوَّل في السماء. والثاني. وفي الأفق — مدينةٌ تعرفها العيون قبل أن يسمِّيها العقل.
تشانغ أن.
سانزانغ رآها وأغمض عينَيٍّه لحظة. أربعة عشر عامًا. الأشياء التي بدأت هناك وانتهت هناك. الإذن الإمبراطوريُّ، وجه التانغ الإمبراطور، بوَّابة الخروج، والطريق الأوَّل الذي بدا في ذلك الصباح الأوَّل كأنَّه لا ينتهي.
الحرَّاس الثمانية قالوا من الهواء: "هذا هو المكان. اهبطوا أنتم. نحن لا نستطيع الهبوط — المدينة تراقب وتحفظ كثيرًا."
سون: "سنُوصِّل معلِّمي وندعوكم."
برجٌ على الأطراف الغربيَّة من تشانغ أن. بُني بأمرٍ إمبراطوريٍّ خاصٍّ وسُمِّي برج استقبال الكتب — وهذا الاسم وحده يُخبرك أنَّ الإمبراطور لم يكن يُشكِّك في العودة بل كان ينتظرها. كان يأتيه كلَّ عامٍ في الخريف — الموسم الذي في خريفٍ منه أذن لسانزانغ بالمغادرة.
أربعة عشر خريفًا. وفي هذا اليوم — بينما الإمبراطور في الطابق الأعلى من البرج يُطالع الأفق الغربيَّ — تغيَّرت السماء فجأةً. ضوءٌ وألوانٌ خمسةٌ ورائحةٌ لا اسم لها ولا مصدر.
ثمَّ — الأربعة هبطوا على الأرض أمام البرج مباشرةً.
الإمبراطور نظر من فوق. لحظةً واحدة — لحظة الرجل الذي ينتظر ويرى ما ينتظره في آنٍ واحد. ثمَّ نزل. وقبل أن يصل إلى الباب فتحه — رآه. رجلٌ في رداءٍ مُذهَّبٍ يحمل كتبًا بين يديه كمن يحمل شيئًا لا يُترك. وخلفه — ثلاثةٌ لا يُشبهون بشرًا عاديِّين وحصانٌ أبيض يقف بصبرٍ يُشبه صبر من عاش طويلًا.
"أخي."
سانزانغ انحنى حتَّى لمس الأرض. "سيِّدي الإمبراطور."
"قُم."
الدخول إلى تشانغ أن — موكبٌ لم يُعدَّ له مسبقًا لأنَّ أحدًا لم يعرف اليوم، لكنَّ المدينة نفسها أعدَّت له. الناس خرجوا من بيوتهم حين سمعوا الطبول الإمبراطوريَّة. ليس فضولًا فقط — بل ذلك النوع من التجمُّع الذي يحدث حين يشعر الناس أنَّ شيئًا طال انتظاره وصل أخيرًا.
في الشارع الرئيسيِّ — رهبان معبد هونغفو وهو المعبد الذي خرج منه سانزانغ يومًا — ركضوا من بابهم ووقفوا على الجانب.
"كيف عرفتم؟" سألهم سون.
"الأشجار." قال أحدهم. "منذ الصباح — كلُّ أشجار المعبد استدارت نحو الشرق. معلِّمنا قال قبل سفره: حين ترون الأشجار تستدير نحو الشرق — أنا قادم."
سون نظر إلى الأشجار. نظر إلى سانزانغ.
سانزانغ لم يقل شيئًا. لكنَّ يده أمسكت عصاه بطريقةٍ مختلفة.
في قاعة الاستقبال — الإمبراطور رفع الكتب واحدًا واحدًا. لمسها بعنايةٍ لا تُشبه عناية من يُفحص بضاعةً بل عناية من يُمسك شيئًا كان يعرف أنَّه موجودٌ لكنَّه كان يشكُّ أحيانًا. قرأ ما عليها من علامات. ثمَّ أغلق عينَيٍّه لحظةً. ثمَّ فتحهما وسأل سانزانغ أن يُفصِّل.
فأفصَّل. أربعة عشر عامًا في رحلةٍ واحدة. الجبال. الأنهار. الوحوش. الملوك. الشياطين. المدن. المصائر. المرَّات التي كاد فيها كلُّ شيء أن ينتهي. المرَّات التي انتهى فيها شيءٌ فعلًا ثمَّ بدأ من مكانٍ آخر.
الإمبراطور يستمع ووجهه ثابت — لكنَّ عينَيٍّه تغيَّرتا منذ الجملة الأولى. هذا النوع من التغيُّر الذي لا يُرى بوضوح لكن يُحسُّ من قِبَل من يعرف الوجه.
حين انتهى سانزانغ — الإمبراطور قال: "خمس عشرة سنة. وأنا بقيت هنا أنتظر وأبني الأبراج."
"سيِّدي — كلُّ ما أعطاه سيِّدي للمقدَّسات أعطاه في مكانه."
"أعرف. وذلك لا يمنع أنَّ الانتظار ثقيل."
باجي — من آخر القاعة — همس إلى شاشاجو: "هذا أعدل وصفٍ للانتظار سمعته."
وليمةٌ كاملة. الطعام النباتيُّ في أبهى صوره. حتَّى باجي — الذي كان في أيَّامٍ مضت يتذمَّر لو لم تكن الكميَّة كافية — جلس في هذه المرَّة بطريقةٍ مختلفة. أكل. لم يُعلِّق.
"لا تعليق؟" سون.
"لا أعرف. شيءٌ في البطن تغيَّر."
"ربَّما لأنَّك تغيَّرت."
"ربَّما. أو ربَّما الطعام أفضل."
شاشاجو: "لا حاجة للاختيار بين السببَيٍّن."
في اليوم التالي — الإمبراطور استدعى سانزانغ وأعطاه ورقةً مكتوبةً بخطِّه. "قضيت الليلة أكتب هذا. ليس وثيقةً رسميَّة. كلماتٌ. عن الطريق وعن من سلكه."
سانزانغ قرأها. ثمَّ رفع رأسه. "سيِّدي كتب ما لم أستطع أنا كتابته."
"أنت عشته. أنا فقط رأيت نتيجته. الفرق بيننا يُعطي للكلمات زاويتَيٍّن."
"ما اسمها؟"
"مقدِّمة التعليم المقدَّس."
في برج اليانتا — المعبد الذي اختاره الإمبراطور لقراءة الكتب — أُعِدَّت منصَّةٌ عالية بعناية تليق بالمناسبة. ثيابٌ نظيفة فُرِدت على المقاعد. البخور يتصاعد. والكتب التي جاءت من مسافة طريق طويل تجلس الآن في أكثر المكان رسميَّةً في المملكة.
الكتب فُرِدت. سانزانغ ارتقى. وفتح الصفحات الأولى.
الصوت الذي بدأ الكلام — هادئٌ في البداية. ثمَّ أعمق. ثمَّ أعمق. كان الحاضرون يُصغون بطريقةٍ لا تُشبه الإصغاء العاديَّ — كأنَّ كلَّ كلمةٍ تصل إلى مكانٍ قبل أن يصل إلى الأذن.
ثمَّ — ريحٌ معطَّرة. من فوق. ليست ريح الطقس ولا ريح الفصول — ريحٌ لها قصد.
"من يقرأ الكتب — ضع الكتاب. اتبعنا."
الإمبراطور نظر إلى سانزانغ. سانزانغ نظر إلى الإمبراطور. لحظةٌ لا تحتاج إلى وداعٍ — ما يُقال في مثلها لا يكفيه الكلام.
الأربعة والحصان — ارتفعوا. الكتب التي كانوا يحملونها نزلت بهدوءٍ على طاولة المنصَّة. الإمبراطور ومَن معه نظروا إلى الأعلى وانحنوا حتَّى اختفوا في السماء. وفي الجوِّ — ريحٌ حملتهم نحو الغرب مرَّةً ثانية.
في ثمانية أيَّامٍ — عودتان. جبل الصاعقة في الأفق.
في القاعة الكبرى — البوذا والجمع.
الأربعة وقفوا. والحصان خلفهم.
البوذا قال: "جئتم."
"جئنا." سانزانغ.
"الكتب وصلت؟"
"وصلت."
"إذن — الوقت."
أوَّلًا — سانزانغ.
"أنت كنت في حياةٍ سابقة من تلاميذي. ابتعدت يومًا. أُعِدْتَ إلى الأرض لتعيش ما تعيشه البشر من الخوف والجهل والفرح المكسور والحبِّ غير المكتمل — لأنَّ من لا يعرف هذه الأشياء لا يستطيع أن يحمل الكتب التي تشفيها. اليوم — بلغت. اسمك من الآن: بوذا الفضيلة العنبريَّة."
سانزانغ انحنى. ولم يقل شيئًا — لأنَّ بعض اللحظات أكبر من الكلام.
ثانيًا — سون وكونغ.
"أنت أحدثت ما أحدثت. ثمَّ حُبست. ثمَّ تحرَّرت بطريقةٍ معيَّنة وسلكت طريقًا لا تُقهَر فيه أنت بل تُقهر فيه ما في داخلك. من بدأ بالقوَّة الخام وانتهى بالقوَّة المُختارة — هذا تحوُّلٌ لا تمنحه كلُّ حياة. اسمك من الآن: بوذا المنتصر في كلِّ معركة."
سون مدَّ يده إلى رأسه. الطوق الذهبيُّ — الذي لبسه منذ ذلك اليوم الأوَّل في الجبل — كان قد اختفى.
لم يُعلِّق. لكنَّ أصابعه بقيت لحظةً على الموضع الذي كان فيه. ثمَّ نزلت.
ثالثًا — باجي.
"أنت كنت قائدًا لقوَّاتٍ في السماء. فعلت ما فعلت. هبطت. عشت ما عشت. وحين جاء الوقت — سلكت الطريق رغم تذمُّرك الدائم. التذمُّر والسلوك شيئان مختلفان — أنت كنت تتذمَّر وتسير. هذا أيضًا نوعٌ من الصدق. لكنَّ الهوى والشهوة لم يذهبا تمامًا. ألقابٌ لا تُعطى من الخارج بل تنمو من الداخل. دورك: مَن يُنظِّف المذابح ويتلقَّى ما يُقدَّم للبوذات في كلِّ مكان. وهذا دورٌ يُطعم."
باجي: "يعني — أنا لم أصبح بوذا؟"
"ليس بعد."
"ولماذا هم ثلاثةٌ والرابع—"
"لأنَّ الألقاب تعكس ما بلغه الشخص فعلًا. لا ما تمنَّاه."
باجي فتح فمه. ثمَّ نظر حوله. ثمَّ أغلقه.
رابعًا — شاشاجو.
"أنت الذي يحمل. الذي يسير في الخلف دائمًا. الذي لا يصنع ضجيجًا ولا يطلب إشادةً. الصمت الذي يعمل في الخفاء هو أصعب مواضع الإخلاص. اسمك من الآن: أرهات الجسد الذهبيِّ."
شاشاجو انحنى. الوجه الداكن ثابت كما دائمًا. لكنَّ في العيون — شيءٌ وصل.
وأخيرًا — الحصان الأبيض.
"أنت ابن ملكٍ من البحار عُوقبت. ثمَّ حملت. حملت الراهب ذهابًا. ثمَّ حملت الكتب إيابًا. الحمل المختار بعد الحكم المفروض — هذا أيضًا مسارٌ له وزنه. اسمك من الآن: تنِّين السماء ذو الثمانية وجوه."
أُخِذ الحصان إلى بركةٍ خلف الجبل. دخل الماء. ثمَّ — من الماء — خرج ما لا يُشبه الحصان الأبيض الهادئ الذي رافقهم أربعة عشر عامًا. جسمٌ مُذهَّب. قرونٌ. أجنحة تنِّين. صعد ولفَّ نفسه حول عمودٍ عملاق عند مدخل المعبد.
باجي نظر إليه. "الحصان صار أفضل منِّي أيضًا."
سون: "الحصان لا يتذمَّر."
"هذا ليس حجَّةً."
"في هذا المكان — هي."
الجمع الكبير.
من كلِّ ركنٍ في الجبل ومن وراء الجبل — أصواتٌ تعلو. أسماء البوذات تُتلى واحدًا واحدًا. كلُّ اسمٍ يحمل تاريخًا وكلُّ تاريخٍ يحمل من بلغه.
سون وقف في صفِّه. الرأس المكشوف — لأوَّل مرَّةٍ دون طوق. لا ثقل ولا ضيق ولا ذلك الشعور الذي يأتيك حين تعرف أنَّ هناك خيطًا على رأسك يمكن أن يُشَدَّ في أيِّ لحظة. الرأس حرٌّ الآن — وهذا النوع من الحريَّة لا يُعرَّف إلَّا بعد أن يمرَّ.
لحظةٌ واحدة قبل أن تبدأ التلاوة الكبرى — سون نظر إلى سانزانغ. سانزانغ نظر إليه.
لا كلام. لكنَّ النظرة كانت تحمل كلَّ ما لا تُقوله الكلمات: أربعة عشر عامًا من الطريق ومن المعارك ومن الليالي التي لا تنتهي والصباحات التي لا تُعد ومن التساؤل المتكرِّر هل هناك نهاية — والنهاية هنا، وهم هنا، وكلٌّ منهم بلغ ما بلغه ووصل إليه من الطريق الذي لا يستطيع أن يصل إليه أحدٌ بدله.
باجي في الجانب — نظر هو أيضًا إلى الاثنَيٍّن. ثمَّ أسدل نظرته. شيءٌ في مكانٍ خفيٍّ داخله قبل ما قبله. لقبه ليس اللقب الذي تمنَّاه لكنَّه اللقب الذي يناسبه — وهذا في حدِّ ذاته شيءٌ لا يُعطى لكلِّ أحد.
شاشاجو بقي ثابتًا. كما دائمًا.
ثمَّ التلاوة بدأت. والجبل كلُّه صوتٌ واحد. كلُّ اسمٍ يُتلى كان يحمل تاريخًا. وكلُّ تاريخٍ كان يبدأ بشخصٍ يمشي على طريقٍ لا يعرف نهايته — كما يبدأ كلُّ شيءٍ حقيقيٍّ في هذه الدنيا.
ومَن كتب هذه الرحلة — أغلق الكتاب أخيرًا.