موسوعة الرحلة إلى الغرب
🔍

الفصل 1: مولد القرد الحجري — بداية رحلة إلى الغرب

من حجر أزلي في جبل الزهور والفاكهة يُولد قرد عجيب، يصير ملكاً على قرود كهف ستارة الماء، ثم يعبر البحار باحثاً عن سر الخلود حتى يجد معلمه الجد الأكبر Subodhi فيمنحه اسمه: سون وكونغ.

رحلة إلى الغرب الفصل الأول سون وكونغ جبل الزهور والفاكهة كهف ستارة الماء الجد الأكبر Subodhi

في زمن لم تكن فيه السماء أو الأرض قد انفصلتا بعد، حين كان الوجود كله كتلة واحدة من الضباب الأزلي لا تميز فيها نوراً من ظلام ولا أعلى من أسفل، كانت الدورات الكبرى للكون تدور في صمتها الهائل دون شاهد.

قالت حكمة القدماء إن الكون يُقاس بـ"العنصر" — مئة وتسعة وعشرون ألف سنة وستمئة سنة لكل دورة عظمى، تنقسم إلى اثنتي عشرة حقبة كما تنقسم الساعة إلى أوقاتها. في الحقبات الأولى يُميَّز الثقيل من الخفيف: الخفيف يصعد فيكون السماء، والثقيل يهبط فيكون الأرض. تتكوّن الشمس والقمر والنجوم أعلاه، والماء والنار والجبال والحجارة والتراب أسفله. ثم في الحقبة الثالثة تُخلق المخلوقات: البشر والحيوان والطير. هكذا يكتمل الثلاثي الكوني: السماء والأرض والإنسان.

وانقسم العالم إلى أربع قارات كبرى: القارة الشرقية، والقارة الغربية، والقارة الجنوبية، والقارة الشمالية. هذه الرواية تبدأ من القارة الشرقية — من مملكة صغيرة تُدعى مملكة Aolai تقع على ساحل البحر العظيم.

وفي ذلك البحر، جبل.

جبل الزهور والفاكهة.

لم يكن هذا مجرد جبل. كان العمود الفقري للدنيا، أصل الجزر العشر وصدر التنانين الثلاثة. قمته تلامس السحاب، وسفوحه تمتد إلى البحر كذراعين مرحِّبتين. على صخوره الحمراء الشاهقة تعشش طيور الفينيق الملوّنة، وفي كهوفه المتداخلة تتقاطع مسالك التنانين. أزهار لا تذبل تُضفر في تراب لا يموت، وخوخ الخلود يتدلى من أغصانها دون أن يسقط. الغيوم تُلاصق صخوره من كل جانب وضباب الفجر يملأ وديانه كل صباح. من رآه من بعيد رأى شيئاً يشبه السراب، ومن اقترب منه أحسّ بكثافة الحياة التي لا يُحيط بها وصف.

وعلى أعلى قمة في الجبل كان هناك حجر.

حجر واحد. ارتفاعه قدر عشرة أرجل وأكثر، محيطه قدر ثمانية أرجل. ذو تسعة ثقوب وثمانية فتوح، يطابق في شكله مخططات الكون ومحطاته الثمانية. لا شجرة تظلله ولا صخرة تحجبه — فقط نسيم الكون يمر فوقه، وأندية السماء تتجمع عليه طيلة آلاف السنين. طاقة السماء وصفاء الأرض وضوء الشمس ونور القمر تجمعت فيه سنة بعد سنة وجيلاً بعد جيل حتى نضج الحجر من الداخل كما ينضج الثمر.

وفي يوم من الأيام — يوم لا يُحدَّد في أي تقويم — انفلق الحجر من الداخل وخرج منه شيء كالبيضة الدائرية. لمستها الريح فانفلقت هي الأخرى، وخرج منها قرد. قرد من الحجر، كامل الأعضاء، كامل الجوارح، مفتوح العينين على الدنيا للمرة الأولى.

سجد في الجهات الأربع. وحين فتح عينيه انبثق منهما شعاعان من الضوء الذهبي صعدا إلى أعلى السماء وأضاءا المجرات. رآهما إمبراطور اليشم في قصره السماوي البعيد فاستدعى حارسيه — صاحب العين التي ترى آلاف الأميال وصاحب الأذن التي تسمع على مسافات شتى — وأمرهما بالبحث عن مصدر هذا الضوء. عادا ليخبراه: حجر في جبل الزهور والفاكهة أنجب قرداً ينبثق من عينيه هذا النور. قال الإمبراطور بهدوء الذي لا يتفاجأ: "خُلق من طاقة السماء والأرض. ليس هذا بالغريب." وأغمض عينيه وعاد إلى شؤون الكون.

أما القرد الحجري فعاش كما يعيش الحجر المتحرر: يأكل الأعشاب ويشرب من ينابيع الجبل، يجني الأزهار ويصطاد الثمار. عاش بين الذئاب والنمور والغزلان والقرود، لا قيد عليه ولا سقف فوقه. يبيت تحت الصخور الكبيرة ويقلّب الليل في الكهوف. الجبال ملكه بلا عقد، والأنهار قصوره بلا جدران. لا أمس يُثقله ولا غد يُقلقه.

في صيف شديد الحر، اجتمعت القرود في ظل أشجار الصنوبر تلهو وتتدافع وتتشارك فيما يجمع القرود في كل مكان وزمان: تتقافز على الأغصان، تتشاجر على ثمرة، تُفلي بعضها بعضاً في رعاية هادئة، تنزل إلى جانب النهر تتباهى وتتدافع. وكان بينهم القرد الحجري.

عند جانب المنحدر سمعوا صوت الماء. توقفوا. أصغوا. كان ثمة نهر صغير يجري في شق بين الصخور. تتبعوا جريانه صعوداً حتى وصلوا إلى شلال من الماء ينبثق من أعلى المنحدر كستارة بيضاء سميكة لا تنتهي. رأوه فوقفوا بالدهشة التي تقف بها أمام شيء لم تره قط وتعلم بفطرتك أنه استثنائي.

قال أحدهم: "من يجرؤ على اختراق هذا الشلال والخروج من الجانب الآخر سالماً نجعله ملكاً علينا!"

صمت الجميع ثلاث مرات. وفي المرة الثالثة قفز القرد الحجري من بين الجموع وصرخ: "أنا!"

أغمض عينيه وشدّ ركبتيه إلى صدره وقفز من بين الصخور إلى قلب الشلال — واختفى في الأبيض.

ثم صحا خلفه وبدأ يرى.

لم يكن هناك ماء في الداخل. كان هناك مكان.

جسر من الحديد يعبر شقاً في الصخر، والماء ينحدر من تحته ويغطي المدخل من الخارج كستارة. وخلف الجسر عالم كامل مصنوع من الحجر: نوافذ حجرية وغرف حجرية وأسرّة حجرية وموائد حجرية وأباريق حجرية وأحواض حجرية. في الزوايا أثاث الحياة اليومية محفور من الصخرة نفسها — مواقد وأرفف وأدوات طبخ — كأن هذا المكان كان ينتظر ساكنيه منذ الأزل. وفي الوسط، لوحة حجرية منقوش عليها بخط واضح: "جبل الزهور والفاكهة، الأرض المباركة. كهف ستارة الماء، عالم بلا حدود."

قفز القرد من فرحه ثم عاد عبر الشلال ليخبر الجموع.

"لا ماء! لا ماء هناك! وراء الشلال كهف عظيم يكفي لآلاف القرود، فيه كل ما نحتاجه!"

لم يصدقوه في البداية. ثم دفعه الجميع ليعود أولاً، وتبعوه واحداً واحداً عبر الجدار الأبيض من الماء. وحين وجدوا الكهف حقيقياً وفسيحاً ومريحاً انطلقوا داخله كموج يكسر سداً — يتشاجرون على الأسرة، يجرّبون الأواني، يتنافسون على زوايا النوم، يضجون ويصخبون ويملؤون المكان بأصوات القرود في أبهج حالاتها.

ثم رفع القرد الحجري صوته: "أيها القرود — أليس من وعد؟ قلتم: من يدخل ويخرج سالماً نجعله ملكاً. ها أنا دخلت وعدت، وجئت بكم وأدخلتكم وها أنتم سالمون."

خفت الضجة ببطء. ثم انحنت القرود جميعاً وقالت: "عشت يا ملكنا."

وهكذا صار القرد الحجري ملك القرود، ودُعي من ذلك الحين بملك القرود الوسيم. نظّم شؤون القرود ووزّع المهام ورتّب الرتب. يتجولون في الجبل نهاراً ويعودون إلى الكهف ليلاً. يجنون الخوخ والتوت والأعشاب، يعيشون بلا همّ ولا عدو يُخيفهم ولا ملك ولا أمير يحكمهم. كانت أيامهم أشبه بأحلام مطوّلة من النعمة.

مضت ثلاثمئة سنة وأكثر.

كان الملك في غمرة يوم احتفالي بين أتباعه، في أوج البهجة والصخب، حين توقف فجأة وانتحت عيناه إلى أسفل وهبط عليه الحزن بلا مقدمات. ساد صمت غريب على المجلس وانتبه الجميع.

سألوه: "ما بالك يا سيدنا؟"

قال: "أنا سعيد. لكنني أفكر في شيء واحد لا يُسعدني: في يوم ما — بعد سنوات أو مئات السنين — سيأتي ملك يمّا ويطالبني بروحي. وكل هذه المملكة وكل هذه السعادة لن تُغني عني شيئاً أمام الموت."

صمت القرود كلها.

ثم قفز من بين الصفوف قرد قديم طويل الذراعين وقال: "أيها الملك، قلبك الذي فكّر في هذا السؤال قلب على طريق الحقيقة. هناك في هذا العالم ثلاثة أصناف من الكائنات لا يحكمها ملك يمّا ولا تطالها دورة الميلاد والموت: البوذا، والخالدون التاويون، والحكماء الأقدسون. من وصل إليهم تعلّم الخلود وتجاوز الدورة الكبرى."

قال الملك: "وأين هؤلاء؟"

قال القرد: "في الجبال والكهوف المقدسة في أطراف هذه الأرض."

أُضيء وجه الملك فجأة. قرر في تلك اللحظة: سيغادر في الصباح.

أقامت القرود وليمة وداع كبيرة، وعملوا للملك طوفاً من الخشب وزوّدوه بما يحتاج. وصعد على الطوف وأطلق للريح الجنوبية الشرقية أن تأخذه. مضى وحده على وجه الماء الهائل.

أفضت الرياح به إلى القارة الجنوبية حيث يعيش البشر. وهناك تعلّم الملك كيف يسير كالإنسان ويتكلم كلامه ويلبس ثيابه. جال في المدن والأسواق والموانئ سنوات ثماني أو تسع يبحث عن الحكماء. رأى الناس يتدافعون وراء الذهب والمنصب والشهرة، يسهرون الليل ويُتعبون النهار في جمع ما لا ينفعهم حين تصفق أبواب الموت. لم يلقَ خالداً واحداً ولم يسمع عن طريق واحدة للخلود.

ثم عبر البحر إلى القارة الغربية.

وهناك، على منحدر جبل شامخ، سمع صوت رجل يحتطب ويغني. كانت الأغنية تتحدث عن اللقاء مع الخالدين بين الجبال وعن الجلوس في هدوء الكهوف قراءةً للكتب القديمة — أغنية لا يعرفها من لم يقترب من الحكمة. توقف الملك وسأل الحطاب: "من علّمك هذا؟"

قال الحطاب: "جار لي يسكن في الكهف هناك، اسمه الجد الأكبر Subodhi. يقطن في كهف القمر المائل والنجوم الثلاث، في جبل منصة الروح. لكنني رجل مثقل بالواجب — لديّ أم عجوز وحيدة لا أستطيع تركها. أنت وحدك فاذهب."

شكره الملك وسلك الطريق المشار إليه صعوداً عبر الغابة والصخر.

وجد الجبل كما وصفه الحطاب: شاهقاً، مليء السفوح بأشجار الصنوبر القديمة والأزهار البرية، هادئاً بهدوء الأماكن التي يسكنها الخالدون. ووجد الكهف بابه مغلقاً. وعلى جانب الصخرة لوحة منقوشة: "كهف القمر المائل والنجوم الثلاث، جبل منصة الروح." جلس على صخرة وانتظر.

انفتح الباب وخرج منه فتى خالد ببشرة صافية ووجه لا يعرف القلق، وقال: "من أنت؟ وماذا تريد؟"

قال الملك: "أنا طالب علم من أقصى القارات، جئت أبحث عن الحكيم Subodhi أتعلم منه طريق الخلود."

قال الفتى: "معلمي ينتظرك. تفضل."

دخل الملك عبر ممرات تعمّقت في قلب الجبل، قاعة بعد قاعة، حتى وصل إلى القاعة الكبرى حيث جلس الجد الأكبر Subodhi على منصة عالية يحيط به ثلاثون من الخالدين الصغار. كان المعلم في هيبة لا تُدرك، ووجهه يحمل نوراً لا يصدر عن شمس ولا عن نار — نور الزمن الطويل والمعرفة العميقة.

وقع الملك ساجداً وضرب رأسه بالأرض مراراً وقال: "يا معلم! جئتك من أقصى الدنيا بحثاً عنك!"

قال الجد الأكبر: "من أين أنت؟ وما اسمك؟"

قال الملك: "من القارة الشرقية، من جبل الزهور والفاكهة. لا اسم لي — وُلدت من حجرة في الجبل، ولا أب لي ولا أم."

نظر إليه الجد الأكبر مطوّلاً ثم قال: "جسدك يشبه القرد الذي يأكل الصنوبر. سأمنحك اسماً. في طريقتنا اثنا عشر حرفاً للأسماء توزّع على الأجيال العشرة، وقد وصلنا في الجيل العاشر إلى حرف 'الصحو'. اسمك من الآن: سون وكونغ — صحو الفراغ."

ضحك الملك بفرح طفولي حقيقي لم يستطع إخفاءه وقال: "سون وكونغ! نعم، نعم! هذا أنا الآن."

وكذلك صار القرد الحجري الذي وُلد من حجارة جبل الزهور والفاكهة، ورحل وحده عبر البحار، ومشى سنوات في الأرض باحثاً عما لا يموت — صار سون وكونغ، تلميذاً على عتبة كهف القمر المائل والنجوم الثلاث، في أول خطوة على طريق يمتد حتى نهاية هذه الرواية.